ظلت اللغة أبد الدهر هوية ثقافية للشعوب، وبقيت مصدر اعتزاز لأمم ليست لديها أبجدية، لكنها تجد في لغتها الشفوية إلهاماً روحياً يؤصل وجودها، واللغات التي تنقرض اليوم تدعو للحزن لأنها تقلل من التنوع الثقافي وتخل بالتوازن الجغرافي، وموت اللغة لا يعني فقدان جزء من التاريخ، بل يعني مسافة ظلام وسط النهار.

اللغة التي نعتز بها وندافع عنها ونغار عليها ونحارب من يعتدي على ضادها تتعرض على يد أبنائها لأسوأ أنواع التخريب، ودليلنا إلى ذلك المواقع الالكترونية التي تضرب بأبسط قواعد اللغة عرض الحائط، ومن يتصفح المنتديات سيطالب بإعادة المنتدين إلى مقاعد الدرس ،ليس لتعلم النحو والإعراب فحسب بل للتنقيط والتهميز حتى تصل العبارة إلى معناها.

تبدو إشكالية استعمال اللغة العربية في المواقع الالكترونية شائكة لأنها خارج الرقابة أو النقد ويكاد يكون الهدف منها نقل المعنى في أضيق حدود الكلمات،لأن مستخدمي اللغة يخافون من استخدام الفصحى والتوأمة بينها كلغة معيارية وبين مفردات العصر الحالي، لذلك يلجئون إلى العامية أو يتركون المصطلح الأجنبي كما هو لاعتقادهم أنها لغة سهلة ومعبرة ومفهومة من قبل الجميع.

وفي ظل غياب السياسات والخطط العربية لدعم إمكانية إنشاء وكتابة عناوين المواقع بالحروف العربية، سيظل المحتوى الرقمي العربي يعاني من نقص شديد إضافة إلى عدم اعتماد مواصفات اللغة العربية ما يسبب الكثير من الإشكالات للمستخدم العربي، لذلك يتم اللجوء إلى بدائل غير عربية في استخدام الشبكة ومعها تتراجع خصوصية اللغة لعدم إيفائها بالغرض المطلوب.

لقد كانت العربية في العصر الذهبي مواكبة للتطور قادرة على استيعاب العلوم والفنون والآداب، ولديها القدرة على الاستجابة لمعطيات الحضارة الإنسانية بما تتميز به من مرونة وما تملكه من إمكانات تتمثل في التوليد والاشتقاق والترجمة والتعريب حيث استطاعت أن تتفاعل مع اللغات والثقافات الأخرى، وشكلت أهمية كبرى في نقل الحضارة، فما بالنا اليوم انها لن تتمكن من ذلك؟!

إن لغتنا كائن حي قادر على تطوير نفسه بنفسه وينبغي علينا المبادرة للدفاع عنها ونشرها وتوعية الناس بأهميتها في سبيل استمرارها لأنها عنوان بقائنا، لذلك علينا المسارعة إلى تعريب المصطلحات الأجنبية الجديدة والمتلاحقة ونشرها بين أوساط الشباب المتفاعلين مع شبكة الانترنت ومنتجاتها اليومية، وعدم التخلي عنها عبر شبكة الانترنيت لمواقع شخصية تقلل من شأنها وتستخدم أبجديتها دون دراية أو علم.