منذ عشر سنوات خلت كان من الصعوبة بمكان أن يصل الكاتب إلى القارئ بسرعة ووفرة، وكان يحتاج إلى معجزة النشر ليقرأه الناس ويتعرفوا إلى نتاجه، وكان النشر عزيزاً ومعقداً ويحتاج إلى من يؤازر ومن يساند مادياً ومعنوياً، ناهيك عن الموافقات الرسمية أمنياً ورقابياً ودينياً.. وغيرها من الموافقات التي تجعل من الكتابة شأناً وطنياً قومياً يحتاج عيناً مفتوحة تفحص وتفرز وتقرر.
فقط في أقل من عشر سنوات صار بالإمكان نشر كتاب ورقي أو إلكتروني بسهولة، ليس لأن الرقابة تراجعت، بل لأن التكنولوجيا تقدمت، وأصبح ممكناً نشر كتاب كامل عبر الشبكة الالكترونية وعبر الأثير، يستطيع القاصي والداني قراءته، وهو ما ينطبق أيضاً على النشر الورقي في ظل تكاثر دور النشر الخاصة الباحثة عن مؤلفات جديدة، حيث يدخل في رصيدها (على الأقل) عشرة كتب سنويا لتأخذ أحقيتها وأهميتها.
هذا يعني توقف نغمة النشر وصعوبته، ولكن يعيدنا ذلك إلى الأهم: ماذا يُنشر، ولمن يتوجه الكاتب، وما هي القيمة الفكرية أو الفنية للمنشور؟ أسئلة كهذه لم تكن مطروحة كثيراً في حالة صعوبة النشر، لأن عدد كُتاب تلك المرحلة أقل بكثير من عدد الكُتاب اليوم، وصدى منشوراتهم كان أكبر من صدى منشورات اليوم، وكان هناك نقد يوازي العملية الإبداعية ويساهم في تطويرها.
في المكتبات اليوم مازالت كلاسيكيات الأدب تحتل القائمة الأكثر مبيعاً، ونادراً ما نجد مؤلفاً جديداً دخل حقل المنافسة، باستثناء الكتب التي تُثار حولها ضجة ،كالمنع أو السرقة، نادراً ما تحول الجوائز من يفوز بها إلى كاتب متميز، الميزة تمنح نقدياً وليس انطباعياً، وقد تحولت كتب بعينها إلى بيضة الديك لأن مؤلفها لم يقدم كتاباً يوازي بقيمته كتابه الأول، وعليه تصبح الكتابة أشبه بالبحث عن الفيل الأبيض.
سهولة النشر دفعت آلاف المغامرين إلى ارتياد حقل الكتابة، فاُتخمت الرفوف بآلاف النسخ من كتب الشعر والقصة والرواية ذات القيمة المتدنية فنياً، وغابت كتب البحث والنقد والتحليل، لأنها تحتاج إلى عملية استقصاء منهجية لا يمكن الخوض فيها إذا لم تتوفر الخبرة والدربة والمران، ومن أين ستأتي تلك المعجزة في ظل السرعة واللهاث خلف الشهرة، لأن ذلك يحتاج إلى وقت طويل من الحفر في خندق الكتابة.