لم يدخل أي تغيير على حياة الراحل نجيب محفوظ بعد أن منح جائزة نوبل للآداب فقد ظل يقيم في الشقة المتواضعة ذاتها، وتابع نزهته اليومية الطويلة سيراً على الأقدام كما استمر في ارتياد المقاهي المحلية البسيطة عينها، ولم يهتم بالسفر إلى الخارج قط، حتى إلى السويد ليتسلم الجائزة بنفسه.
أتى عليّ حين من الدهر، لم أكن أقيم خلاله في مصر، ولكني كنت أجد دوماً، أنه من الضروري أن أمر بها مرة كل عام، للقاء أصدقائي القدامى وسماع أحدث أخبارهم، وكان نجيب محفوظ بالطبع من بين هؤلاء الأصدقاء، غير أنني في هذه الزيارة التي أتحدث عنها كان هناك شيء بعينه أردت أن أناقشه معه، حيث كان أحد الأصدقاء قد أبلغني بأن نجيب محفوظ قد وقع عقداً مع مطبعة الجامعة الأميركية في القاهرة، يتيح لها أن تطبع جميع أعماله مترجمة إلى اللغة الإنجليزية.
وكنت قد سمعت كذلك أن نجيب محفوظ لم يكن، وفقاً للعقد، سيحصل على أي أموال على الإطلاق على الرغم من أنه يقدم لمطبعة الجامعة الأميركية في القاهرة، تنازلاً فريداً وقيماً. وأتذكر أنني التقيت نجيب محفوظ كالمعتاد في هذه الفترة، في مقهاه: البادية، على شاطئ النيل، ورحنا نتجاذب أطراف الحديث.
ويستفسر أحدنا عن أحوال الآخر الصحية، وعن الأعمال ذات الأهمية التي صدرت أخيراً في ميدان الأدب، ثم أبلغته أنني سمعت أنه قد وقع عقداً مع الجامعة الأميركية في القاهرة، يعطيها حق ترجمة أعماله إلى اللغة الإنجليزية فأومأ نجيب محفوظ برأسه موافقاً، وقال: «نعم إنهم الآن لهم وحدهم الحق، ليس في ترجمة أعمالي إلى الإنجليزية فحسب، وإنما الإعداد لترجمتها إلى اللغات الأخرى».
بادرت إلى سؤاله عما إذا كان صحيحاً، أنه مقابل تنازله عن كل هذه الحقوق، فإنه وافق على أن لا تدفع الجامعة له شيئاً بالمرة؟ ابتسم نجيب محفوظ وأومأ برأسه موافقاً، وعندئذ أعربت له عن دهشتي البالغة لقيامه بأمر كهذا، دون المطالبة بأن يـُدفع له مبلغ طائل، وكان رد نجيب على ملاحظتي هذه، هو ببساطة تامة، ومرة أخرى بابتسامته المعهودة، حول الروايات التي قمت أنا بترجمتها.
بينما كنت الشخص الأول الذي يقوم بترجمة كتاباته على الإطلاق، حيث ترجمت له إحدى القصص القصيرة من مجموعته «همس الجنون». ولم أكن قد ترجمت في ذلك الوقت، أياً من كتاباته الطويلة، لأنني في حقيقة الأمر، في وقت من الأوقات، ترجمت قسماً طويلاً من روايته «زقاق المدق»، ولكنني بعد ذلك، اتخذت قراراً بعدم المضي قدماً بالترجمة، لمعرفتي بأنني لا يحتمل أن أجد ناشراً سيدفع لي مقابل مثل هذه الترجمة.
وفي ذلك الوقت كان مترجم آخر قد قام بإنجاز ترجمة لهذه الرواية المبكرة، وتمكن من نشر الترجمة في بيروت. لا، لقد اضطررت لأن أقر لنجيب، بأنني، وحتى هذا الوقت، لم أترجم سوى عدة قصص قصيرة له فقط، وأتذكر أنه من بين تلك القصص رائعته التي تحمل عنوان «زعبلاوي»، والتي قدر لها أن تظهر في وقت لاحق باعتبارها النموذج الوحيد من كتابي الأدب العربي الحديث، المترجم في المجموعة الأميركية الشهيرة التي تحمل عنوان «مختارات نورتون لروائع الأدب العالمية».
أوضح نجيب محفوظ لي بعد ذلك أن الجامعة الأميركية كانت على استعداد، ليس لإصدار أعماله مترجمة إلى اللغة الإنجليزية فحسب، بل لأن تدفع للأشخاص المنتسبين لهذه المهمة، مقابل مثل هذه الترجمات. وتساءل أخيرا: «أليس هذا في نهاية المطاف هو ما أريده لكتاباتي؟».
لم أستطع إلا الموافقة على ما قاله، وقد برهن ما قام به على أنه خطوة حكيمة للغاية من جانبه.
كيف قدر، على سبيل المثال، لنجيب محفوظ أن يحصل على أرفع جائزة في العالم شأناً مما يعطى لأي أديب عظيم، وهي جائزة نوبل؟ كم من أعضاء اللجنة الملكية التي تتخذ القرار بشأن منح جائزة نوبل يعرف كلمة واحدة من اللغة العربية؟
يذكرني ذلك بالوقت الذي كان فيه يوسف إدريس، وهو صديق مقرب لي، قد وجه الدعوة إليّ لزيارته في داره لمقابلة أصدقاء من الأدباء الشبان، وأتذكر أني قد سئلت عن السمعة التي يحظى بها نجيب محفوظ بين القراء باللغة الإنجليزية؟ وقد اضطررت للإقرار بأنه كان مجهولاً تماماً بالنسبة لهؤلاء القراء.
حيث ان رواياته لم تكن متاحة في ترجمات الإنجليزية، وقال أحد الأدباء الشبان، ملحاً في السؤال: «لماذا إذن لا يقرؤون أعماله باللغة العربية؟». وقد اضطررت لإيضاح، أنه بخلافي انا شخصياً، فليس هناك في الغالب إلا إنجليزيان أو ثلاثة يعرفون ما يكفي من اللغة العربية، ليتمكنوا من قراءة رواية من إبداع نجيب محفوظ باللغة التي يكتب بها.
وكون المال لا أهمية له عند نجيب محفوظ هو أمر يمكن إدراكه من الحقيقة القائلة إنه بعد أن منح جائزة نوبل لم يدخل أي تغيير على حياته اليومية، فقد ظل يقيم في الشقة المتواضعة ذاتها التي كان يسكنها في حي العجوزة، وكان لا يزال يقوم بنزهته اليومية الطويلة سيراً على الأقدام، وظل يرتاد المقاهي المحلية البسيطة عينها، ولم يهتم بالسفر إلى الخارج قط، ومما له مغزاه أنه عندما منح جائزة نوبل، فإنه لم يسافر إلى السويد ليتسلم الجائزة بنفسه، وإنما أناب عنه كاتباً آخر هو الأديب محمد سلمان للقيام بهذه المهمة.
كان نجيب محفوظ بطبيعته رجلاً كريماً، وعندما سألني مدير دائرة النشر في الجامعة الأميركية في القاهرة، عن ما إذا كان سيوافق على إطلاق جائزة سنوية تحمل اسمه، تقدمها الجامعة الأميركية في القاهرة، فقلت إنني على تمام اليقين من أنه لن يعترض على ذلك، وهكذا ولدت جائزة نجيب محفوظ السنوية، التي تقدمها الجامعة الأميركية بالقاهرة للكتاب العرب المميزين.