جلست مع المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم في مجلسه، وما زلت أذكر الطريقة التلقائية والعفوية التي كان يتحدث بها مع الناس، وما كان يتخللها من ابتسامات، ثم التفت إليّ، وكالمعتاد خاطبني باللقب الذي أطلقه عليّ، وهو «الشايب»، وقال إنه سمع بالكيفية التي أمضي بها أنا وصابر أيامنا في التجول في السوق، لبيع أوقات الإعلانات في «صوت الساحل»، وقد أدهشني إلمامه بهذا الأمر.

 كنت أدرك أن برامج إذاعة صوت الساحل التي عملت مديراً لها في الأربعينات من القرن الماضي، تتألف مما لا يتجاوز بضع نشرات إخبارية كل يوم، وبرنامج حديث ديني أسبوعي، وموسيقى وأغنيات عربية لكبار العازفين والمغنين، من القاهرة وبيروت وغيرهما من العواصم العربية، وهي المواد التي لم نكن ندفع أي رسوم عند استخدامها لأحد.

وقد انتقدني البعض قائلين إنهم كانوا يأملون بـأنه مع تعييني مديراً للمحطة، فإن صوت الساحل ستتمتع ببرامج أكثر تنوعاً، وسوف تنافس الخدمة العربية لهيئة الإذاعة البريطانية، وغيرها من المحطات الأخرى التي تبث باللغة العربية، غير أنني كنت أدرك مدى تواضع المبلغ الموجود لدي، والذي يتعين أن أدير المحطة بالاستعانة به.

فقد كان كافياً بالكاد لدفع رواتب العاملين في المحطة، والذين تألفوا من نحو 15 عربياً، كانوا فيما أعتقد جميعاً من الفلسطينيين. ولم يكن هناك مجال على الإطلاق للمغامرة باقتحام ميدان محاولة إنتاج مسرحيات، ودفع مبالغ لأناس لتسجيل أحاديث حول موضوعات ثقافية.

وهكذا فقد عمدنا إلى بث أغنيات لكبار المطربين والمطربات من أمثال أم كلثوم وعبد الوهاب وغيرهما، من دون أن يكلفنا ذلك فلساً واحداً.

وكانت الإذاعة تحظى بمستمعين على نطاق واسع في المتاجر، على امتداد الإمارات المختلفة، وفي سيارات الأجرة، وغير ذلك الكثير. وفي أوقات عديدة ثابتة على مدار اليوم، كانت تبث النشرات الإخبارية، وبرهنت البرامج على شعبيتها الكبيرة، وإذا أراد أحد أن يصغي إلى الموسيقى.

فما عليه إلا أن يفتح مذياعه على إذاعة صوت الساحل. وكنت أحدث نفسي بأننا سنبدو على جانب كبير من الحماقة إذا حاولنا أن ننافس محطات أخرى تحظى ببرامج أكثر تنوعاً، فنحن ببساطة بالغة لم تكن لدينا المواهب المحلية الضرورية، كما لم تكن لدينا الاعتمادات المالية الضرورية.

ثم جاء يوم قررت فيه أن أُدخل الإعلان إلى البرامج، فقد كانت دبي في نهاية المطاف مدينة للتجار إلى حد كبير، وكان الكثير منهم؛ هم الممثلون المحليون لشركات عالمية. ولسوف يستغرق الأمر منهم بعض الوقت ليتعودوا على فكرة دفع المال مقابل بث صوت الساحل أسماءهم عبر الأثير.

وسرعان ما أعددت برنامجاً زمنياً للإعلان، وانطلقت أنا والسائق صابر، الذي كان في الوقت نفسه السائق الخاص بالسفير البريطاني في الدوحة.

وكنا نمضي وقتاً طويلاً متنقلين بين أصحاب المتاجر في دبي، لنحاول إقناعهم بشراء وقت للإعلان يبث عبر الإذاعة. واستغرق الأمر مني جهداً كبيراً لإقناع الأشخاص الأوائل القليلين بشراء وقت الدعاية والإعلان. ولكن سرعان ما أصبحت أغنيات أسمهان وغيرها من المطربات العربيات، تتخللها إعلانات عن ماركات السجائر ومساحيق الغسيل وأسماء التجار في دبي، والذين يمثلون الشركات المنتجة لها.

وكنت في كل يوم أنطلق مع صابر لزيارة المعلنين المحتملين، وكنت لا أزال أعاني من نوبات اكتئاب سابقة، وأتعاطى أقراص دواء لهذه الحالة. وبالنسبة لي كان أي نشاط أقوم به أفضل من أن أجلس وحيداً، أو أشهد الحفلات وأضطر لتجاذب أطراف الحديث المهذب.

وقد بلغ نبأ هذه الإضافة الجديدة إلى الإذاعة، والطريقة التي أمضي بها وقتي، وسط حر النهار اللافح، في زيارات لكبار تجار دبي، مسامع المغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، وذات يوم تلقيت استدعاء منه للقدوم، ورؤيته في مقره.

جلست مع المغفور له بإذن الله الشيخ راشد لبعض الوقت في مجلسه الرئيسي، فيما هو يتعامل مع المتاعب التي يعاني منها الأشخاص المختلفون الذين قدموا إلى مجلسه. ومازلت أذكر الطريقة التلقائية والعفوية التي كان يتحدث بها مع الناس، وما كان يتخللها من ابتسامات، بل ونكات وضحك في بعض الأحيان.

ثم التفت إلي، وكالمعتاد خاطبني باللقب الذي أطلقه علي، وهو «الشايب»، وقال إنه قد سمع بالكيفية التي أمضي بها أنا وصابر أيامنا في التجول من متجر إلى آخر في السوق، لبيع أوقات الإعلانات. وقد أدهشني إلمامه بهذا الأمر، والفضول، والاهتمام الذي أبداه حول آليات عملية الإعلان.

حيث حرص على أن يعرف كم يتكلف التاجر لشراء الوقت وكيف تسير عملية الإعلان في مجملها، وما هي أقصر مدة يمكن للمعلن شراؤها، هل يستطيع المرء حقاً أن يشتري 15 ثانية من البث الإذاعي؟ كيف ينجز المعلن إعلانه؟ وهل نتقاضى أجراً عن تنفيذ الإعلان لحسابه؟

هل نسمح للمعلن بأن يبث إعلانه مرة واحدة فقط؟ ما هو إجمالي عدد الدقائق الإعلانية التي نبثها في كل يوم؟ كم دقيقة يتعين علينا أن نبثها شهرياً لكي نغطي نفقات المحطة؟ ما مدى اقترابنا من تحقيق هذا الهدف؟ وما الذي سأفعله عندما أنجح في تغطية هذه النفقات؟

في حقيقة الأمر لم يطل الوقت قبل أن يغطي عائد الإعلان جميع نفقات المحطة بالفعل. وعندما حدث هذا مضيت لرؤية رئيسي في السفارة البريطانية بدبي، وكان بالمصادفة الرئيس الوحيد في حياتي العملية الطويلة الذي أعجبت به، وربطتني به أواصر الصداقة.

وكنت عندما وصلت إلى دبي لتولي مسؤولية المحطة قد التقيته، فوجدته صريحاً كل الصراحة معي، حيث أبلغني بأنه عرف بأنني لست مهتماً بعمل السفارة، وأنه سيسعده تماماً لو أنني تمكنت من إدارة المحطة اعتماداً على نفسي، ولا أسعى لطلب النصح منه إلا عندما أواجه بموقف غير مألوف، أشعر بأنني عاجز عن حله بنفسي.

ومن الطبيعي أنني أحسست بأنه عندما غطى الإعلان الذي أدخلته على المحطة كل النفقات، فإن رئيسي سيبتهج عندما أبلغه بأن الحكومة البريطانية لم تعد مضطرة لدفع المبالغ الضرورية. وفي حقيقة الأمر أنني دهشت عندما وجدته غارقاً في الحرج حيال هذا الخبر.

أشار بقوله: «كيف يمكن لي أن أفسر لهم هذا الأمر في الديار؟ لسوف يقولون لماذا قمنا ببث إعلانات من البداية ؟».

وكان بمقدروه أن يرى أنني أشعر بخيبة الأمل حيال رد فعله على هذا الخبر، فضحك وقال: «أحسب أنني ينبغي أن أهنئك على توفيرك لنفقات صوت الساحل للحكومة البريطانية، أحسنت، سأحاول تفسير الأمور لهم بأفضل طريقة أستطيعها».

ثم مضى لتذكيري بأنني عندما توليت وظيفة مدير محطة صوت الساحل فإنني اشترطت ألا تُعهد إليّ أيّ مهام في السفارة نفسها، وقد احترم طلبي هذا، ولكن موقفاً برز الآن؛ سيقدر في إطاره أن يقدم بعض المساعدة له، فالعديد من الشخصيات البريطانية، من بينها أعضاء في البرلمان وغيرهم، كانوا في طريقهم إلى المنطقة، بعد أن حصلت الإمارات على استقلالها التام عن بريطانيا.

وذلك لمقابلة بعض حكام المنطقة. فهل أنا على استعداد للعمل مترجماً لمثل هذه اللقاءات مع بعض قادة المنطقة، حيث إنه شعر بأن معرفته هو باللغة العربية ليست على مستوى مثل هذه المهمة؟ وفي حقيقة الأمر أن لغته العربية كانت أفضل من لغة كثيرين ممن تعينهم الخارجية البريطانية، بسبب إلمامهم باللغة العربية، ولكنني على الرغم من ذلك وافقت على الترجمة في اللقاءات التي يجري الترتيب لها مع قادة المنطقة.