حوالي نهاية الوقت الذي أمضيته في قطر سُئلت عما إذا كنت على استعداد للذهاب إلى دبي  التي قيل لي إنها ليست بعيدة عن الدوحة  للعمل مترجما للمغفور له بإذن الله تعالى الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم حاكم دبي  آنذاك 

مضيت إلى لندن في عام 1949، وكنت أعتزم العودة إلى القاهرة لمواصلة عملي هناك محاضراً في جامعة القاهرة، التي كانت تعرف آنذاك بجامعة فؤاد الأول. غير أنني خلال الوقت الذي أمضيته في لندن، وفيما كنت أقيم مع أبي، اتصل بي أحدهم هاتفياً ليقول لي إن شخصاً ينزل في فندق دورشيستا في باركلي يبحث عن شخص يتقن اللغة العربية للعمل في إحدى شركات النفط في الخليج.

وبعد مقابلة قصيرة عرض علي العمل مندوباً رئيسياً لشركة نفط أميركية كانت قد أحرزت حقوق التنقيب عن النفط في المياه المحيطة بقطر، وكانت شروط العقد جذابة، حيث سأتقاضى راتباً شهرياً شاملاً قدره 200 جنيه استرليني، وستكون لي دار في العاصمة القطرية الدوحة، بالإضافة إلى فريق العاملين الأساسيين. وسيقدم لي كل الطعام الذي أحتاجه، والذي سيتم استيراده من الولايات المتحدة.

غير أن هذا العمل لم يدم إلا حتى صيف العام التالي، حيث اتخذت الشركة التي كنت أعمل بها قراراً مفاجئاً قوامه أن منطقة امتيازها لا تضم أي نفط على الإطلاق، وقد كان ينبغي أن أكون أكثر تشككاً مما كنت عليه حيال هذا الإعلان المفاجئ، خاصة وأنني تلقيت أخيراً تعليمات من البحرين، التي كانت مقراً لكل كبار المسؤولين الأميركيين عن الشركة، تقضي بأنني لا بد لي من بناء مقر للسكنى في شمالي شبه جزيرة قطر لاستيعاب أطقم العاملين بالحفر عن النفط، الذين كانوا سيصلون قريباً من الولايات المتحدة.

وقد عجل بعدم وضعي هذا الخبر موضوع التساؤل أنني لم أكن أستمتع بوقتي في الدوحة، ولو أنني كنت أكثر لماحية لاستطعت التوصل إلى اتفاق من نوع ما مع الشركة يتم بمقتضاه تشجيعي على الموافقة على عدم إكمال العقد الذي كانت مدته عامين.

في حقيقة الأمر أنني كنت لا أزال في الدوحة عندما اتصل بي رجل من شركة نفط أخرى كبيرة، وعرض علي شروطاً أفضل لمواصلة البقاء في قطر كممثل لهذه الشركة لدى حصولها على حق التنقيب في قطر، وكنت قد رفضت هذا العرض، على الرغم من أنه لم يعد بمقدوري العودة للعمل بالتدريس في جامعة القاهرة، حيث كان قد تم الاستغناء عن جميع الأجانب العاملين بها.

في حوالي نهاية الوقت الذي أمضيته في قطر، سئلت عما إذا كنت على استعداد للذهاب إلى دبي، التي قيل لي انها ليست بعيدة عن الدوحة، للعمل مترجماً للمغفور له بإذن الله تعالى الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم حاكم دبي آنذاك، وذلك في إطار المناقشات التي يجريها مع شركة تسعى للحصول على امتياز التنقيب عن النفط في دبي.

وتم إبلاغي بأن دبي ليست لديها من الموارد ما يتيح لها أن تدفع أتعابي عن العمل مترجماً لدى الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم، ولكنني تم إبلاغي أيضاً أن شركة النفط المعنية ستقدم لي إمكانية السفر جواً إلى دبي، وانني هناك سأقيم في دار شخص ما، حيث يبدو أنه لم تكن هناك في دبي في ذلك العهد أي فنادق على الإطلاق.

كما سيقدم لي كل الطعام الضروري، وقد سعدت للغاية بالموافقة على العمل مترجما في اللقاءات بين الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم وممثل شركة النفط دون أن أتلقى في المقابل أي أتعاب، حيث ان ذلك سيكون بمثابة تغيير لطيف مقارنة بحياتي المعتادة في الدوحة.

أذكر أنه في ذلك الوقت لم يكن هناك مطار في دبي، وأنني قد قطعت رحلة طويلة وشاقة بالسيارة فوق وحول العديد من التلال الرملية المختلفة، قبل أن نصل إلى دبي، وهناك أقمت مع الصديق عاشق التصوير الفوتوغرافي رونالد كودراي.

أجريت كل المناقشات في بيت الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم، وكان في ذلك الوقت رجلاً أوغل في مسيرة العمر، وكان ابنه المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، يشارك بنصيب وافر في المناقشات، والقليل الذي أتذكره عن دبي في تلك الفترة، تتصدره الواجهة البحرية والمتاجر البديعة التي تناثرت قريباً من الشاطئ، وود وكرم أصحاب هذه المتاجر خلال تجوالي فيها.

وأتذكر أيضاً النشاط الكبير للعبّارات، وهي زوارق صغيرة تعمل بالمجاديف، تقطع الخور جيئة وذهابا بين بري دبي وديرة، وكان بيت الحاكم موجوداً في بر دبي جنباً إلى جنب مع مساكن أثرياء الإمارات وتجارها، بينما كانت ديرة أكثر ازدحاماً بالمتاجر والمكاتب.

ولم تكن هناك بالطبع كهرباء في دبي آنذاك، وأتذكر أنني قد دهشت حيال وجود ما يعرف بـ(البراجيل)، وهي عبارة عن أبراج طويلة نسبياً مقارنة بالبيوت، تضم فراغات من جوانبها الأربعة تتيح سحب النسيم إلى داخل الدار، بحيث إن النسيم كان يتدفق من الأعلى إلى الأسفل، حيث يتوزع في غرف الدار، وكانت هذه البراجيل بمثابة طريقة فعالة في التخفيف من حدة الحر، الذي كانت هذه المنطقة بأسرها تخضع له خلال أشهر الصيف الطويلة، وان المنطقة المحيطة ببيت الحاكم كانت مليئة بها، الأمر الذي شكل مشهداً يستعصي على النسيان.