لم يطل الوقت قبل أن تقرر شركة النفط التي كنت أعمل بها فجأة التخلي عن امتياز التنقيـــب الذي كانــت قد حصلت عليه من الحكومة القطرية للبحث عن النفط في المياه القريبة من قطر، وقد بدا لي هذا قرارا غريبا، خاصة وأنه طلب مني بناء مسكن عند طرف شبه جزيرة قطر لإيواء الفنيين الأميركيين القائمين على حفر آبار النفط

حصلت على منصب الممثل الرئيسي لإحدى شركات النفط الأميركية في العاصمة القطرية الدوحة، قبل سنوات طويلة بسبب معرفتي باللغة العربية في المقام الأول، وقد حاولت أن أكتشف ما الذي تقتضيه هذه الوظيفة، ولكن تم إبلاغي بأنه ما من شيء يتوقع مني إلا أن أكون مسؤولاً عن مكتب الشركة في الدوحة.

حيث يقيم إنجليزيان آخران من العاملين في الشركة. وبين الحين والآخر. كان يتم إبلاغي أن زورقا مليئا بالأميركيين سيصل الدوحة، وأنه في ذلك الوقت سيطلب مني الإشراف على سكناهم وتناولهم وجبات منتظمة. وبالمناسبة فقد كان الطعام كله يرسل من البحرين التي كانت تضم المقر الرئيسي للشركة. وبدا لي ان مهمتي الأساسية بحكم منصبي، زيارة الحاكم بصورة منتظمة، وأن أكون على صلة طيبة به.

غير أن قول هذا الأمر يعد أسهل كثيرا من إنجازه، لأن الشيخ علي، الحاكم آنذاك، بدا لي غير مكترث على نحو يذكر بالعالم الخارجي، واقتصر اهتمامه على ما يتعلق ببلاده التي كانت آنذاك، بعيدة كل البعد، عن التقدم الكبير الذي أحرزته الآن. وأتذكر على سبيل المثال أنه سألني: فرنسا هذه التي يتحدثون عنها. أين تقع على وجه الدقة؟ وقمت بإبلاغه انها إحدى الدول الرئيسية في اوروبا، وأدهشني أنه لم يواصل استفساره عنها على نحو ما توقعت.

وفي كل مرة قمت بزيارة ديوان الحاكم، كنت أحاول التفكير في موضوع للحوار يمكن أن نتجاذب أطرافه، ويثير اهتمامنا سويا، وبصفة عامة كنا نتحدث عن صيد السمك وكنت أروي كيف أن بعضنا ينطلق بزورق في يوم جمعة، ويأمل في أن يكلل مسعاه باصطياد العديد من الأسماك. غير أنه، لفت نظري إلى أن الحاكم كان ينظر إلى الجانب العملي والمهني من الأمر. وقلما تقف عند المتعة التي كنا نجدها في إمضاء يومنا بعيدا بهذه الطريقة، وكان يشير إلى أنه سيسعده أن يهدينا بعضا من الأسماك ويوفر علينا مشقة انطلاق إلى البحر وتكبد مشاق إلقاء الشص في البحر، بعد تحميله بالطعم على أمل اصطياد سمكة بين الحين والآخر.

ثم جاء يوم طرح فيه الشيخ علي بنفسه، شيئا منحني الأمل في أننا سنجد موضوعا للحوار، يثير اهتمامنا كلينا. ولم أكن قد أمضيت معه إلا دقائق معدودة، عندما حدثني فجأة عن شخص في الدوحة معروف لنا كلينا، كان قد ابتاع سيارة وتعرض لحادثة وهو يقودها، أسفرت عن اشتعال النار في هيكل السيارة.

انطلقت في التو في الحديث، مشيرا إلى أنه أمر مألوف تماما بالنسبة لبعض اللغات، لتستعيد كلمات من لغات أخرى. وأننا في اللغة الانجليزية نقلنا كلمات عديدة عن العربية وأدمجناها في صميم لغتنا، وأسعدني أن أجد الحاكم وقد بدا عليه الاهتمام بما أقوله، فضربت أمثلة من كلمات عربية أصبحت الآن جزءا لا يتجزأ من اللغة الإنجليزية، وأشرت إلى أنه في اللغة العربية أيضا يقوم العرب أحيانا بتوظيف كلمات متخذة من اللغة الإنجليزية، وضربت مثلاً بكلمة كان هو استخدمها لتوه.

حيث كان تحدث عن بودي السيارة، فابتسم الشيخ وطلب مني أن أوضح المزيد في هذا الصدد، فأشرت إلى ان كلمة بودي التي استخدمها، والمتداولة لدى العرب، هي كلمة إنجليزية. وسرعان ما بدأ الشيخ نفسه في إبراز كلمات في اللغة العربية منقولة من اللغة الإنجليزية، وذلك في إطار إدراك هذه العلاقة الفريدة بين اللغتين العربية والإنجليزية خصوصا، والتي أدت إلى إثراء اللغتين معا.

على الرغم من ذلك فقد كنت أميل إلى التحفظ في تناول هذا الموضوع ذاته، وذلك رغم أن الحاكم أشار مرارا، إلى دخول العديد من الكلمات الإنجليزية في اللغة العربية، ولكن مع نطق العرب لها بما يقارب مخارج الألفاظ والكلمات عندهم.

لم يطل الوقت قبل أن تقرر شركة النفط التي كنت أعمل بها فجأة التخلي عن امتياز التنقيـــب الذي كانــت قد حصلت عليه من الحكومة القطرية للبحث عن النفط في المياه القريبة من قطر، وقد بدا لي هذا قرارا غريبا، خاصة وأنه طلب مني بناء مسكن عند طرف شبه جزيرة قطر لإيواء الفنيين الأميركيين القائمين على حفر آبار النفط، والذين تم تشغيلهم لحفر مجموعة من الحقول النفطية التجريبية في الساحل الشمالي لقطر.

وقد أحسست بصورة صائبة أن الشركة التي كنت أعمل فيها قد باعت، محققة ربحا كبيرا، الامتياز التي كانت قد حصلت عليه في مجال التنقيب عن النفط، والحقيقـة القائلة إن قطر اليوم تعد إحدى أغنى دول العالم النفطية، تؤكد أنني كنت مصيباً.