«كيف تأتّى أن رجلاً معروفاً بشكل شخصي لصدام حسين باعتباره بطلاً خلال محاولة تحرير العراق من الاحتلال البريطاني أمضى اسابيع رهن السجن تحت طائلة التعذيب؟».
كان ذلك في بداية السبعينات من القرن الماضي، وكنت قد قررت الرحيل عن دبي، واتصلت هاتفيا بصديقي يوسف الخال، الشاعر اللبناني الكبير ورئيس تحرير مجلة "شعر" البيروتية، وطلبت منه أن يبحث لي عن شقة لأسكنها في بيروت. وبعد يومين اتصل بي ليقول إن هناك شقة صغيرة ذات غرفة نوم واحدة في البناية التي يقطنها، فطلبت منه أن يستأجرها لي.
كان يوسف الخال مشهورا، إلى جانب شاعريته الفذة، بحفلاته التي كان يقيمها في شقته بالطابق الأرضي من البناية التي يقطنها، والتي كانت تمتد أمامها حديقة صغيرة. وخلال الحفلة التي حضرتها، أشار يوسف إلى رجل يجلس وحيدا في ركن منها.وبعد أن عرّفني يوسف بذلك الرجل، أبلغني بأنه كان قد وصل لتوه من بغداد، وأنني ربما أود أن أسأله عن صديقي يحيى الثنيان.
وقد قمت بذلك في التو، وقوبلت من الرجل بنظرة مفعمة بالدهشة، وسألني كيف عرفت الثنيان، فأجبت بأن يحيى صديق قديم لي، وأنني لم أتلق اتصالا منه منذ فترة طويلة، فقال الرجل: " أعتقد أنه ما كان يمكن أن تتلقى أي اتصال منه، فقد أودع السجن خلال الأسابيع القليلة الماضية". وواصل الرجل حديثه مشيرا إلى أن صديقي يعاني متاعب جمة، فقررت ألا أواصل الحديث معه، حول الموضوع أكثر من ذلك، خصوصا وقد ساورني شعور بأنه لا يكن تعاطفا مع صديقي.
وعقب ذلك بأسبوع أو اثنين، تلقيت اتصالا هاتفيا من الثنيان، قال فيه إنه يتصل من بيروت، ولكنه لا يعرف عنواني، فبادرت إلى إعطائه إياه، وجلست في مقعد بالقرب من النافذة المطلة على الشارع ورحت أنتظر وصوله. وبعد نصف ساعة اقتربت سيارة أجرة وخرج منها يحيى بكيانه الجسيم، ثم مضى نحو الباب الأمامي للبناية التي أقطنها، فبادرت إلى انتظاره بجوار المصعد وتعانقنا، ولكن سرعان ما بدا جليا أن شيئا ما تغير في يحيى.
دلفنا إلى الشقة ، فبادر يحيى إلى فتح قميصه، وكشف عن صدر تكسوه علامات إطفاء سجائر مشتعلة في جسده، بينما كان معلقا من ذراعيه على امتداد ساعات، وقال إنه كان يتم إخضاعه لأنواع شتى من التعذيب، ثم روى لي قصة اعتقاله المفاجئ عندما اقتحم رجلان فجأة، مكتبه، واصطحباه" للرد على أسئلة قليلة".
وبعد ذلك تم إيداعه السجن 3 شهور. وأخضع للتعذيب بصورة يومية. وكنت لاحظت أن يحيى ينتعل خفا، وعندئذ أخرج قدميه لإطلاعي عليهما، وإيضاح كيف أن القدمين والساقين، تعرضت جميعا للضرب المبرح، اذ تغير منظرها تماما.
وقال لي: "إنني بحاجة للذهاب إلى طبيب". وبعد يومين استقلينا الطائرة إلى لندن، واصطحبته إلى الطبيب ذاته الذي كان قد حاول علاج صديقي الشاعر الراحل بدر شاكر السياب. وكنت أخشى بالطبع، من أن صداقتي ربما كانت السبب في إيداع يحيى السجن واستجوابه وتعذيبه. فسألته:" حول ماذا على وجه الدقة إستجوبوك؟".
أطلق يحيى الثنيان إحدى ضحكاته الشهيرة. ورد قائلا: " لم أفلح في اكتشاف ذلك بالفعل، فقد طلبوا مني أن أوقع على اعتراف بأنني على اتصال مع عناصر أجنبية معادية للعراق ولرئيسه صدام حسين. وقالوا إنني، اذا فعلت ذلك ينتهي التعذيب في التو". وسألته: " وبعد ذلك؟ هل أتوا على ذكر اسمي؟".
اجاب يحيى: " لم أكتشف قط جلية الأمر". ومضى يحيى في الرد على أسئلتي، فحدثني عن شاب كان معه في السجن، مشيرا إلى أنه ذات أصيل، عاد الرجل إلى الزنزانة منخرطا في البكاء، وقال إنه يعجز عن احتمال المزيد من التعذيب، لذا بادر إلى التوقيع على الاعتراف. واستفسر منه يحيى: " بم اعترفت؟ كان كل ما يعرف هو أن التوقيع على الاعتراف يعد السبيل الوحيد لإيقاف هذا التعذيب اليومي". أبلغني يحيى :" في صباح اليوم التالي اقتيد الشاب إلى خارج الزنزانة، إلى مقر إحدى المحاكم. وأعدم شنقا حتى الموت في ذلك الأصيل نفسه".
أعلن طبيبي اللندني أنه ما من شيء يمكنني القيام به ليحيى، فقد أخضعت قدماه للضرب المنتظم والمبرح، بحيث أن جلطة دموية ستشق طريقها إلى قلبه، وتؤدي إلى وفاته.
هكذا شق يحيى الثنيان طريقه عائدا إلى بغداد، وقرر أن يعطي مطبعته لابنه الشاب. وأطلق لنفسه العنان في الاستمتاع بحياته على أكمل وجه مستطاع. ها هنا رجل التحق في الخدمة في سلاح الطيران العراقي، وكان أحد قادة الثورة على الاحتلال البريطاني لبلاده، وعندما منيت الثورة بالإخفاق حكم عليه بالإعدام، ففر هاربا إلى تركيا، حيث أمضى الفترة المتبقية من الحرب العالمية الثانية.
ولدى عودته إلى بغداد أنشأ مطبعة وحصل على عقد لطبع المجلة الشهرية التي تصدرها شركة النفط العراقية، والتي كان رئيس تحريرها صديقي جبرا إبراهيم جبرا.
كنت قد أمضيت مع صديقي يحيى ليال عدة في جلسات سمر وأنس. وكنا في كثير من الأمسيات، نمر بالرجال الذين يقومون بإعداد السمك "المسكوف"، في الهواء الطلق على ضفتي دجلة.
كيف تأتى أن رجلا معروفا بشكل شخصي لصدام حسين، باعتباره بطلا، خاطر بحياته في محاولة تحرير العراق من الاحتلال البريطاني، أمضى هذه الأسابيع رهن السجن تحت طائلة التعذيب؟ كان جليا أن هناك شخصا ما يمقته أشد المقت.
ما زلت أتذكر أن يحيى، وفي إحدى المناسبات، حدثني كيف أنه كان يمشي في أحد شوارع بغداد، عندما اقتربت منه سيارة سوداء فارهة، ولم يكن الرجل الذي ترجل منها إلا صدام حسين نفسه، الذي أقبل نحو يحيى وأمسك بكتفه، ودعاه إلى أن يعود معه إلى أحد قصوره ليكون له نديما في ليلة من سكر. واعتذر يحيى بمزيد من التهذيب عن قبول الدعوة، ومضى سائرا على مهل في طريق عودته إلى داره. وبعد شهر أو شهرين تلقيت اتصالا هاتفيا من جبرا ابراهيم جبرا، أبلغني فيه أن صديقي يحيى الثنيان قضى نحبه، بعد إصابته بأزمة قلبية.