»فجأة دوى انفجار كبير.. فأصبت بشظايا كثيرة.. وأعرب الرجال عن سعادتهم لرؤيتي في وضع صحي جيد معتذرين عن أن صديقاً طيباً لمصر وقع ضحية قنبلة رميت عشوائياً«
كنا قد خرجنا لتناول الغداء في أحد المطاعم المفضلة لدينا، وانطلقنا في طريق العودة ونحن نمشي على امتداد شارع سليمان باشا، باتجاه ميدان طلعت حرب، حصل هذا في الأيام الأولى التي تلت انتهاء الحرب العالمية الثانية، عندما كانت القاهرة عاصمة بعدد سكان لا يتجاوز مليون نسمة.
وفي تلك الأيام، كانت المقاهي بمعظمها، يديرها يونانيون أقاموا في مصر، وكانوا يشعرون بأنهم مصريون بقدر ما يشعر المصريون بذلك، إلى أن وجدوا أنفسهم غير مرحب بهم، وذلك مع مجيء الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، إلى الحكم.
كنا قد تناولنا وجبة جيدة من الكباب والأرز كالمعتاد، وقررنا البقاء بعض الوقت في سبيل أن يستمتع كل منا بطبق من الكراميل بالكريمة. وفي طريق العودة ونحن نقترب لتونا من ميدان طلعت حرب، حصل الانفجار، وبدأت جماعة من الناس تتجمهر خارج بناء على بعد مئات الأمتار أمامنا، وهم رجال بثياب عسكرية ينتمون إلى الجنسية الإنجليزية، إلى جانب امرأتين ترتديان زياً عسكرياً أيضاً. وكانت القاهرة في ذلك الوقت تحوي عدداً من طواقم القوات المسلحة البريطانية.
وفجأة، دوى انفجار كبير أمامنا، صاحبه صراخ وعويل وحالة من الرعب المعمم. فأمسكت بيد رفيقتي وركضت معها، عائدين من حيث أتينا عبر شارع سليمان باشا، وما أن توقفنا حتى أدركـــت أن سروالي كان يلتصق بساقي وبفخذي وقد تبلل، فاعتقدت أنني بلت على نفسي. وفيما كنت أنظر بشكل جانبي إلى رفيقتي، ارتعدت فرائصي من رؤية قميصها الأبيض الخفيف، وكنا في فترة الصيف، ملطخـــاً ببقع حمراء.
وفي تلك اللحظة خطر على بالي أن بقاءنـــا بالمطعــم في تلك الدقائق المعدودة لتناول الكراميل بالكريمة، هو ربما ما انقذ حياتنا، وإلا لكنا الآن بين تلك الحشود التي انفجرت فيها القنبلة. تم نُقلنا إلى مخفر محلي للشرطة، حيث جرى فحصنا من قبل أحدهم، والذي زعم أنه طبيب. ولقد أكد لي أن شظية صغيرة قد اخترقت الكتف اليمنى لمرافقتي، وأن هذا الجرح هو الذي تسبب بكل هذه البقع الحمراء على قميصها.
ومن ثم تم اصطحابي إلى غرفة داخلية، حيث خلعت سروالي المخضب بالدماء لفحص جروحي، وقد شدد الطبيب على أن جروحي سطحية تسببت بها الشظايا التي أصابت ساقي وفخذي، لكنه أصر على عدم وجود شظية داخل جسدي. فتجادلـــت معه حيـــث انه على الرغــــم من ان السروال كان قد تمزق في أماكن مختلفة، لم يكن هناك تمزيق متناسق يظهر اختراق شظيــة جسدي وانطلاقهـــا من الجهــــة الأخرى، إلا أنني أكدت له وجود قطـــع شظايـــا مستوطنــة في جسدي.
ولقد رأيت ان الطبيب كان متــوتــراًً بسبب انتقادي لتشخيصه، لذا قام أحد رجال الشرطة بطلب سيارة أجرة لنقلـــي، فأخذت مرافقتــي إلى الشقة التي تسكنها مع أهلهــــا، الذين أصيبـــوا بالذعر لرؤيــــة البقع الحمراء على قميصها الأبيض، أخـــيراً غادرت الشقة وركبت سيارة أجرة عائداً إلى شقتي. وبمزيد من المشقـــة، تمكنـــت من صعود الدرجات المفضية إلى شقتي الكائنــــة تماماً وراء المقهـــى الشهير كافية ريش، وهي المقهى المفضلة لدى المثقفين في القاهرة.
لم استطع النوم ليلتها، وفي الصباح التالي وجدت أنني بالكاد استطيع المشي، فنزلت الدرج الطويل إلى الشارع، وركبت سيارة أجرة إلى المستشفى الأنجلو -أميركي. وقد وافقني الطبيب، بعد أن القى نظرة سريعة على ساقي، في أنها مليئة بشظايا صغيرة، فأعطى للممرضة مهمة إزالة قدر ما يمكن من هذه الشظايا، من دون إحداث ألم لا فائدة ترجى منه.
وهذا ما قامت به بمهارة فائقة، وكانت ما إن تنجح في إزالة إحدى الشظايا، حتى ترميها في كأس صغيرة محدثة رنيناً. وبين فترة وأخرى، كانت تشير إلى حقيقة أن إحدى الشظايا شديدة العمق حيث انها قررت تركها حيث هي. وفي الواقع لاتزال لدي نصف دزينة من هذه القطع في فخذي وساقي اليمنى، وهي تظهر في المناسبات لتذكرني بوجودها.
ولاحقاً بعد أن تم فحصي مجدداً من قبل الطبيب، وأخذ صور أشعة لي، تم اكتشاف شظية تلمع، مستوطنة في الجزء الأسفل من المعدة. وتقرر ان هذه الشظية لا يفترض بقاؤها في مكانها. وانه ولا بد من إزالتها بعملية جراحية. ولقد تم اعدادي للعملية بإخضاعي لتخدير موضعي بالحقنة، ثم حاول طبيبان إيجاد الشظية وإزالتها، وعلى ما يبدو، فإن صورة الأشعة كانت قد أخذت في اليوم السابق للعملية، وكانت الشظية قد انزاحت من مكانها خلال هذه الفترة الوجيزة. وتصرف الطبيبان كرجلين يبحثان عن لؤلؤة قيمة في قاع البحر، وكنت اسمعهما يتحدثان الواحد مع الآخر. وهما يقولان:
لنحاول قليلاً في جهة اليسار ثم: لا أظن، أنها أسفل قليلاً من جهة اليمين.
وبين فترة وأخرى، كان احدهما يقوم بإدخال مشرطه عنوة، في جزء من معدتي لم يصل إليه تأثير المخدر، وكنت أطلق صرخة ألم مدوية، فيعتذر منــي الطبيب، ثم ينتقل إلى موقع آخر. وفي النهاية، توصل الطبيبان إلى نتيجة مفادها انهما لم يتمكنا من إيجاد الشظية المفقودة وتم تقطيب الجرح مجدداً. وإلى اليوم، وبعـــد مرور أكثر من 65 عاماً على تلك الحادثة، فإن هذه الشظية تعاود الظهور لامعة في كل صور الأشعة المأخوذة لمعدتي.
ولم يكن الوقت الذي قضيته في المستشفى ممتعاً كله، فقد أمضيت الفترة الأولى في عنبر، ثم تم نقلي إلى غرفة خاصة، حيث كان يأتي عدد من الأصدقاء لزيارتي. وعدا ذلك، كنت اقضي وقتي وحيداً بمفردي متفرغاً لقراءة الروايات الطويلة لهنري جيمس، والتي لم يتسن لي الوقت الكافي لقراءتها.
ثم أتى اليوم الذي جاءت فيه ممرضة إلى غرفتــــي، وهي في حالة من الذهول، وقالت لي منقطعــة الأنفاس: لديك مجموعة كبيرة من الــــزوار الملتحين جميعاً. فقلت لها: أدخليهم، وخلال دقيقة كان نصف دزينة من الرجال ذوي اللحى الكثيفة، قد دخلوا غرفتـــي ووضعوا باقة كبيرة من الورود على طرف السرير. وقد أعرب هؤلاء الرجال عن سعادتهم لرؤيتي في وضع صحي جيد نسبياً، معتذرين عن أن صديقاً طيباً لمصر قد وقع ضحية قنبلة تم رميها بشكل عشوائي في الشارع.