«عاد بي ذهني شهوراً إلى الوراء وأدركت أن الرجل الذي كان يلوح لي هو الطبيب عبد السلام القيرواني.. التقينا في الشارع وتعانقنا كصديقين قديمين ووجدت نفسي وزوجتي باولا مدعوين لتناول طعام العشاء في بيته» لم أكن، أنا وزوجتي باولا، قد طال بنا المقام في مراكش، ولم نكوّن أي صداقات جديدة بعد.
ولذا فإنني خلال سيري في السوق القديم الذي كانوا هدموه، ويقومون الآن بإعادة بنائه، مشيدين مركزا كبيرا للتسوق، رأيت فجأة شخصا يبدو أنه يلوّح لي من بعيد. ولم أصدق أن هذه التلويحة موجهة لي، ونظرت خلفي ولكني لم أجد أحدا هناك، فألقيت نظرة فاحصة على الرجل طويل القامة، والذي يرتدي بذلة أنيقة، اذ مضى يلوح لي.
وخلصت سريعا إلى أنني في حقيقة الأمر قابلت هذا الرجل من قبل، وأنه يلوح لي انا. وعاد بي ذهني شهورا عديدة إلى الوراء، وأدركت أن الرجل الذي كان يلوح لي؛ لم يكن في حقيقة الأمر إلا الطبيب الذي قام على نحو أقرب الى المعجزة بوضع أداة طبية في حلقي، وأخرج قطعة من لحم الدجاج، كانت استقرت في نهاية بلعومي. وفي حقيقة الأمر لم يكن إلا الدكتور عبد السلام القيرواني.
التقينا في الشارع وتعانقنا كصديقين قديمين ووجدت نفسي وزوجتي باولا، مدعوين لتناول طعام العشاء. وسألني أين أقيم، فأعطيته عنواننا في حي سملالية، وبعد ليلتين أقبل إلى دارنا وأقلنا في سيارته إلى تارغا، حيث يمتلك هناك دارا أندلسية ضخمة، لها حديقة تضم مسبحا كبيرا. وهناك التقينا زوجته إحسان الروميكي، وابنتهما اللطيفة غالية.
جلسنا إلى جانب المسبح، ومضى كل منا يسأل الآخر عن أحواله، وقد اصطحبت معي نسخة من كتابي «ذكريات في الترجمة»، وعلمنا أن إحسان اشتهرت كمغنية متخصصة في غناء الموشحات الأندلسية، وسعدنا لاحقا بحضور إحدى حفلاتها في مراكش. وفي وقت لاحق، حضر كلاهما إلى القاهرة، حيث أحيت احسان حفلا غنائيا أيضا.
كانت الدار التي يقيمون فيها غير عادية في تصميمها، وألحقت بها حديقة غناء، وتألف الطابق الأرضي بصورة أساسية، من قاعة كبيرة علقت على جدرانها نماذج من الفن التشكيلي المغربي الحديث، الذي يعد عبد السلام القيرواني واحدا من أكثر مقتنيه حماسا.
وأتذكر بصفة خاصة اللوحات العديدة التي اقتناها لفنان من الشمال توفي حديثا، ويدعى الإدريسي، حيث تخصص في رسم الشخصيات النسائية بشكل ملهم يلفت الأنظار. وفي الطابق الأعلى كان لديه المزيد من اللوحات، وبدا جليا من أنه على الرغم من أن تعليمه، كان مكرسا لدراسة الطب، لكنه كان مفتونا على نحو مماثل، بالفنون التشكيلية.
حان الوقت لتناول طعام العشاء ووجدت أن الطعام يتميز بنوعيته الاستثنائية، حيث طهي كله تحت إشراف إحسان، ولما كان المرء لا يعلم كم عدد الأطباق التي ستقدم، فإنه كان يحار فيما يأكل أو يدع، وامتدت زيارتنا طويلا عبر الليل، وكان الوقت تجاوز بالكثير، موعد نومي المعتاد عندما انطلق بنا عبد السلام عائدا إلى دارنا بسيارته.
ومنذ تلك اللحظة أصبحنا أصدقاء حميمين، واتفقنا على أن نلتقي أخت إحسان وزوجها الذي كان يقيم في طنجة في الشمال، وكانت الأخت تتمتع بالبراعة ذاتها التي تتمتع بها إحسان في مجال الطهي. والتقينا أخيرا، وخلال الزيارة إلى لندن، شقيق إحسان الذي يشغل منصبا مرموقا بالسفارة المغربية هناك، ويتحدث الإنجليزية بطلاقة، كأحد أبنائها. بعد لقائهم بوقت قصير، قمت أنا وباولا بإحدى زياراتنا المعتادة إلى دبي وأبوظبي.
وهناك أدركت أنني أعاني من الآلام الأولية التي تبين أنها ليست إلا آلام البروستات، ولدى عودتي إلى مراكش مضيت إلى صديقي عبد السلام القيرواني لأشكو له ما أعانيه من الألم، وبعد أن استمع إلي وأنا أصف الأعراض التي أعاني منها، وعقب فحص قصير لي، أوضح لي أنني أعاني من البروستاتا، وأن هذا سيقتضي مني إجراء عملية جراحية.
كنت كالمعتاد على اتصال عبر الهاتف باستمرار مع صديقي الدكتور عز الدين إبراهيم، ولدى سماعه لمتاعبي الصحية أشار إلى أن بمقدوره أن يجري لي ترتيبات لإجراء الجراحة لي في أبوظبي، وإذا لم يناسبني ذلك فإن بالإمكان أن أجريها في القاهرة، غير أن حالتي الصحية سرعان ما تبين أنها تقتضي اجراء العملية الجراحية بصورة فورية، واقترح صديقي عبد السلام أن يقوم جراح يدعى عبدالله بإجرائها.
مضيت في نهاية المطاف إلى مستشفى محلي في مراكش، حيث أجريت لي العملية الجراحية الضرورية، وهناك كنت أتلقى اتصالا هاتفيا، أو زيارة من عبد السلام، خلال فترة النقاهة بعد إجراء الجراحة، وكنا في ذلك الوقت أيضا منشغلين في محاولة بيع داري في مراكش، وهو الأمر الذي قمنا به بالفعل في ظروف غريبة، قبل أيام قلائل من حجزنا بطاقات السفر إلى القاهرة.
الآن ها قد عدنا مجددا إلى مراكش، ومن جديد عدنا لزيارة عبد السلام القيرواني وإحسان، بصورة منتظمة.