».. منذ ذلك اليوم ازدهرت نخلات التمور التي أعطاها لي صديقي عبد الله بالهول في دبي.. وكانت مفاجأة سارة لأصدقائي أن تمور البرحي تنمو وتزدهر في التربة المصرية« سيجد قرّاء هذه المقالة في الإمارات من الصعوبة بمكان أن يصدقوا أن كاتبها زار هذا البلد الكريم للمرة الأولى، منذ أكثر من 60 عاماً. فقد انتقلت وقتها من دولة قطر المجاورة للعمل مترجماً لدى حاكم دبي آنذاك، المغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ سعيد آل مكتوم. ثم ارتحلت عن قطر آنذاك، إلى أن وجدت نفسي في دبي مجدداً في عام 1969، وفي هذه المرة من خلال العمل مديراً لمحطة إذاعية محلية، هي (صوت الساحل). وخلال تلك الفترة تعرفت إلى الصديق عبدالله بالهول، الذي كان وقتها، الرجل الثاني في قوة الشرطة المحلية، وكان الرجل الأول حينها، جاك بريغز، الذي اعتقد أنني كتبت عنه من قبل، في هذه السلسلة من المقالات.
كان عبدالله متزوجاً بسيدة بريطانية، كانت أتت إلى دبي للعمل كمدرسة، لكني في ما بعد فقط، حينما كنت أزور دبي بشكل متقطع، توطدت معرفتي به وبالسيدة عقيلته، بشكل أفضل، لا سيما عندما قامت هذه السيدة بإنشاء أولى مكتباتها الرائعة في دبي، ومن ثم اقتحمت مجال النشر. أتذكر عندما دُعيت إلى منزلهما في حديقته الجذابة المطلة على مياه الخور، وفيما كان عبد الله يودعني، فاجأني بإبراز كيس محشو بكثير من التمر الممتاز الذي كان زرع في المزرعة التي حصل عليها في مكان ما بضواحي دبي. فقد استمعت بالفعل بتذوق تلك التمور الصغيرة واللذيذة التي تعرف حسبما أذكر بـ«البرحي». وجهت له الشكر على هديته الكريمة، ولكني تساءلت في الوقت نفسه، رغم أنني كنت أسافر على درجة رجال الأعمال، كيف سأتمكّن من أخذ هذا الوزن الزائد، بالإضافة إلى عدد كبير من الكتب ثقيلة الوزن التي كنت اصطحبها في سفري دوماً.
وفي المطار، كان يجري وزن أمتعتنا أنا وزوجتي باولا، عندما قمت بإخراج كيس التمور. فأومأ إلي الموظف برأسه فوراً، قائلاً لي إن هناك زيادة في الوزن لدي. فأخذنا نتجادل لبعض الوقت، وبعدها أكّد لي أنه لن تتم محاسبتي على الزيادة في الوزن، لكنه كان من غير الممكن أن أحاول أخذ التمور معي. وحاولت مناقشته بالأمر، لكنه كان متعنتاً، لذا انتقلنا إلى حيث يجري وزن الأمتعة التي سنأخذها معنا على الطائرة. وهناك أيضاً أومأت الموظفة المسؤولة برأسها وسألتني: «ماذا لديك في الداخل؟» فقلت لها: «تمور، من نوع خاص، من تمور تدعى برحي، وهي هدية من صديق. ماذا تريدينني أن أفعل، هل أرمي بها بكل بساطة؟». ابتسمت وقالت لي: «لا عليك، خذها معك».
لدى وصولي مصر، أخذت التمور معي إلى منزلي الصغير وقطعة الأرض التي كنت اشتريتها في الفيوم، التي كانت تطل على بحيرة قارون الشاسعة. وكان لي صديق يسمى سعد، وهو فلاح من الفيوم، مسؤول عن المنزل وقطعة الأرض التي كنت أملكها، حيث امتدت علاقتي به طوال عدة سنوات. كان سعد ينتقد على الدوام أي شيء يأتي من الخارج، أي شيء ليس مصرياً، لكنه اعترف بأن التمور لها مذاق حلو وممتع، على الرغم من حجمها الصغير. وسرعان ما أكلت كيس التمور الكبير كله تقريباً. ووجدت نفسي أقوم بعزل نوى بعض التمور جانباً، بينما كانت الكومة تتناقص. وسألت سعد:
«هل يمكنك زراعة نخلة وسط حجر؟».
أكد لي أنه بإمكانه فعل ذلك، لكنني لا بد من الانتظار لسنوات عدة، قبل أن يبدأ أي شيء يشبه النخلة بالظهور. وهكذا قمت بمساعدة سعد بزراعة البذور على طول مساحة الجدار، الذي يفصل بيني وبين جيراني. وبعد مرور أكثر من ثماني سنوات، قام سعد في أحد الأيام، وعلى وجهه ابتسامة النصر، بإعطائي جذعاً صغيراً تتدلى منه عدة تمور متناهية الصغر. وقال لي: «لو صبرنا قليلاً، فسوف يكون لدينا المزيد من التمور». بالطبع هناك وسائل أسهل لزراعة نخلة من غرسها في حجر، ولكن بما أن هذا كان كل ما لدينا، فماذا كان بوسعنا أن نفعل؟ قلت لسعد: «ربما أكون أنا، إن شاء الله، المسؤول عن إدخال فصيلة جديدة من التمور لمصر تدعى (برحي)، ويحتاج الأمر مساعدتك، وعندما يتعلق الأمر بري الأرض نهار الجمعة، لا تنس إعطاء تمور (البرحي) الصغيرة معاملة أفضل، فقط القليل من المياه أكثر من ما تعطي أي شيء غيرها».
ضحك سعد موافقاً على ما قلته، ومنذ ذلك اليوم ازدهرت نخلات التمور التي أعطاها لي صديقي عبد الله بالهول في دبي، وشكّلت حالياً سوراً بيني وبين جيراني. كذلك قام بعض أصدقائي بزراعة نوى التمر الذي أهديتهم إياه، وكانت مفاجأة سارة، بقليل من الصبر، عندما وجدوا أن التمور من فصيلة «البرحي» تنمو وتزدهر في التربة المصرية.