»ما من أحد يحب أن يسأل عن رأيه في كتاب ما دون أن يزعم أنه يتضمن بعض الأخطاء وأخشى أن تلك هي طبيعة البشر«

بعد أسبوعين من العمل الشاق، وجدت أنني أنجزت تأليف الكتاب الذي يدور حول حياة الرسول صلى الله عليه وسلم. وهكذا انطلقت مع زوجتي مجددا إلى لندن، ومن هناك هاتفت وفيق في مكتبه، وحددت موعدا معه. تسلم وفيق مخطوطة الكتاب، ومضى يتصفحها فيما جلست مقابلا له في مكتبه. وبادرني: (يبدو هذا جيدا بالنسبة لي، وكل ما يتعين القيام به الآن، العثور على ناشر له، وعندما أنجح في ذلك سأبادر إلى الاتصال بك، ويمكننا أن نلتقي مجددا ونتحدث عما إذا كنا نرغب في أن يقوم الناشر بالبحث عن فنان تشكيلي يبدع بعض رسوم من أجله من عدمه، وكذلك الاتفاق على تفاصيل أخرى فيما يتعلق بنشر الكتاب).

خرجت من مكتب وفيق بنفس مفعمة بالسرور، وساورني الشعور بأنني أنجزت مهمة كبرى، إنه ليس هناك المزيد للقيام به، باستثناء تعليق الآمال على أن صديقي سينجح في العثور على ناشر جيد للكتاب. ولكن في بعض الأحيان تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فبعد حوالي شهر تلقيت اتصالا هاتفيا من سكرتير وفيق، وأدهشني أنه لم يتحدث معي بنفسه، وطلب مني، على لسان سكرتيره، القدوم إلى مكتبه بأسرع ما يمكن. ولم أكد أبادر إلى تحيته فيما هو يجلس أمام مكتبه، حتى أدركت أن هناك شيئا لم يسر على ما يرام. قال لي بصوت أبعد ما يكون عن الود : (تفضل بالجلوس). ثم ألقى ورقة إلي عبر المكتب، وكانت هذه الورقة رسالة مكتوبة بخط اليد باللغة العربية موجهة إلى وفيق، وكانت الأسطر الأولى فيها كافية لوضعي في حالة من الارتباك والحيرة. قال لي وفيق:( ينبغي أن لا تلومني لرغبتي في الحصول على نصيحة شخص خبير فيما يتعلق بالكتاب الذي طلبت منك تأليفه، وبعثت بالكتاب إلى خبير في الرياض، وهذا هو الرد الذي تلقيته منه).

كنت أرتجف من فرط الانفعال فيما كنت أرد:( يؤسفني أن أقول لك، إن صديقك في السعودية مخطئ، فهو يقول لك إن الكتاب مليء بالأخطاء ولا ينبغي أن ينشر، فأين الأخطاء التي وجدها في الكتاب؟).

ابتسم وفيق ابتسامة معبرة وهو يرد: (إن هذا الرجل عالم في السعودية، ولن يتظاهر بأنه وجد أخطاء في كتابه، وأنا لا يمكنني أن أكون شخصا يدعم تأليف كتاب عن النبي(ص)، دون أن يكون مؤلفه على صواب بنسبة مئة في المئة. خذ مخطوطتك ورسالة هذا الرجل وأمعن لتفكير في الأمر برمته). انبعث وفيق سعيد واقفا من كرسيه، ومد يده لي بالمخطوطة، وكذلك بالرسالة التي تلقاها من الرياض. بدا جليا أنه حسم أمره فيما يتعلق بالكتاب، ولا يرغب في مواصلة النقاش حول الأمر. غادرت المكتب في حالة من الحيرة والارتباك. ترى هل يمكن حقا أن أكون على نحو ما أو آخر، خلال تأليف الكتاب، وقعت في بعض الأخطاء فيما يتعلق بحياة النبي (ص)؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما الذي يتعين القيام به، بخلاف أن أحرر شيكا لوفيق سعيد بالمبلغ الذي كان أعطاني إياه لقاء تأليف الكتاب، ومحاولة نسيان الأمر برمته؟

جلست في أحد المقاهي وحاولت الوصول إلى قرار حول ما الذي يتعين عليه أن تكون خطوتي التالية، وتذكرت فجأة أن صديقي الطيب المغفور له، بإذن الله تعالى، الدكتور عز الدين إبراهيم ، تصادف أنه موجود في لندن ذلك الوقت. فما الذي يمكنني القيام به أفضل من السعي للحصول على نصيحته بشأن الأمر برمته؟ وهكذا فقد اتصلت به هاتفيا في الفندق الذي ينزل به، وكنت محظوظا حيث لم يكن خرج بعد، وأبلغته باختصار بما دار خلال مقابلتي لوفيق سعيد. وقال الدكتور عز الدين إبراهيم : (تعال وتناول طعام الغداء معي، ويمكننا أن نناقش الأمر كله، وأنا على يقين من ان المرء ليس سيئا على نحو ما تصوره. انتعش وسنتناول طعام الغداء معا في -سباغيتي هاوس- في الشارع الذي يوجد به الفندق الذي يقيم فيه). وبينما كنا ننتظر وصول طعامنا عكف الدكتور عز الدين ابراهيم على قراءة الرسالة القادمة من الرياض، ثم أعادها إلي مصحوبة بإحدى ابتساماته العريضة المألوفة. وقال:(ما من أحد يحب أن يسأل عن رأيه في كتاب ما دون أن يزعم أنه يتضمن بعض الأخطاء، وأنا أخشى أن تلك هي طبيعة البشر، صدقني يا دنيس إن كتابك لا يحتوي على أي اخطاء، على الإطلاق، وهو بالطبع لا يحتوي على كل الحقائق عن حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنك وفقت في اختيار بعض من أكثر الأحداث إثارة للأهمية في حياته، فأنت في نهاية المطاف طلب منك أن تؤلف كتابا للأطفال، وواكبك الصواب في اختيار معظم القصص الدراماتيكية في تلك الحياة الحافلة للرسول الكريم محمد (ص). ألم أقل لك انني سأكتب مقدمة لكتاب كهذا؟ ترى هل كنت أوافق على القيام بذلك إذا كان الكتاب يتضمن أخطاء).

هززت رأسي نافيا ورددت قائلا: (بالطبع لا).

قال الدكتور عز الدين إبراهيم:( يبدو أن ضيقك استبد بك إلى حد كبير خلال اجتماعك مع صديقك، بحيث انك لم تلاحظ أن هذا الخبير العظيم في الرياض، لا يعرف كيف يكتب بلغتك على نحو صحيح). وعندما أعاد لي الرسالة رأيت أنه وضع دوائر حول ثلاث كلمات، ولاحظت أن كل كلمة من الكلمات الثلاث كانت مكتوبة بشكل خاطئ. ففكرت في الأمر مليا، ثم سألته: (هل تتفضل بالقدوم معي لمقابلة وفيق سعيد؟). وافقني صديقي الدكتور عز الدين إبراهيم: (سيكون هذا أفضل حل، خذ موعدا معه في أقرب وقت ممكن، لأنني يتعين علي العودة إلى أبوظبي قريبا). قمت بتقديم الرجل، وأوضحت لوفيق سعيد هوية الدكتور عز الدين إبراهيم والمناصب الأكاديمية الرفيعة التي كان شغلها. وعندئذ قال إبراهيم إنه يعرفني منذ وقت طويل، وإنه يثق بي تمام الثقة، حيثما تعلق الأمر بالإسلام وبالنبي صلى عليه وسلم. وأضاف: ( قرأت بإمعان مرات عدة، ويمكنني أن أؤكد لك أنه خال من الأخطاء، وفي حقيقة الأمر فإن هذا الكتاب في رأيي، من النوع الذي يتعين تأليفه للصغار بتعريفهم بالرسول الكريم(ص)، وما كنت لأوافق على كتابة مقدمة له لو أنه يساورني أدنى شك فيما يتعلق به، وفي اعتقادي أن كل ما نحتاج إليه الآن، العثور على ناشر جيد لهذا الكتب).

كنت أعرف أن رياض الريس له مكتبة في (نايتس بريدج)، مقابل مطعم سباغيتي هاوس، وكان بالإضافة إلى مكتبته الرئيسية في لندن، متخصصا في نشر الكتب بالعربية والإنجليزية عن العالم العربي، وقرر أخيرا التوسع في ميدان النشر، ولما كان كل من وفيق سعيد ورياض الريس، سوريين، فلم يكن أمرا مدهشا أن يبلغني وفيق أنه بعد محاولة الاتصال بالعديد من الناشرين الإنجليز أعطى الكتاب لرياض الريس لينشره، ولم أكن بعيدا عن السرور بهذا الترتيب، حيث انه كان يعني أنه سيكون بمقدوري الإشراف على إصدار الكتاب، والرد على أية أسئلة قد تطرح في غمار ذلك. غير أن رياض الريس بعد أن تلقى الكتاب لنشره قرر فجأة مغادرة لندن، ومضيت في مساءلة وفيق بين الحين والآخر عن مدى التقدم في نشر الكتاب، وبالفعل تلقيت نسخة منه ولكنني ازعجني أن أجد أن رياض الريس طلب من شخص ما في مكتبه أن يقرأ الكتاب للتأكد من خلوه من الأخطاء، وأفزعني أن أجد أن هذا الشخص قام بما يسمى (تصويبات للكتاب). وضايقني ذلك أشد الضيق، حيث وجدت العديد من الخطاء التي ارتكبها هذا الشخص، في الهجاء وغير ذلك. ومن الطبيعي أنني اعترضت على كتاب يحمل اسمي، مليء بأخطاء من هذا النوع، وهكذا ظل الكتاب غير متاح للقراء على امتداد عشرين عاما. غير أن سوء الحظ الذي واكب الكتاب طويلا، انتهى الآن، حيث ان الكتاب صدر أخيرا من أبوظبي في ضوء الجهود الحثيثة التي بذلها الشاعر والناشط الثقافي الإماراتي البارز حبيب الصايغ.