حدث شي ء ليس في الحسبان غير حياة صديقنا وفيق سعيد كلياً وأيضاً من يدورون في فلكه بعد زيارة وفد لمطعمه بدأت هذه القصة منذ زمن بعيد، في تلك الأيام التي كنت خلالها أمتلك مكتبا في لندن، وأقضي أيامي عاكفاً على ترجمة الوثائق المكتوبة باللغة العربية، أي حين كان كسب العيش أمراً محفوفاً بالمخاطر. وكانت الحياة مملة، حيث كنت أعمل وحيدا، ونادرا ما كنت أحظى ببهجة الالتقاء بأشخاص جدد، والأمر الوحيد الذي كان يدخل تغييرا على رتابة حياتي هو الترتيب الذي أجريته مع صديقي توفيق صايغ، الذي يقضي بأن نلتقي مرة في الأسبوع لتناول طعام الغداء معا، على أن يدفع هو مقابل الوجبة أسبوعا، وأقوم أنا بالأمر ذاته في الأسبوع التالي. وتوفيق صايغ، إن كنتم لا تعرفونه، كان شاعراً يدرّس اللغة العربية في كلية الدراسات المشرقية والإفريقية في لندن.

ثم جاء ذاك اليوم الذي قال لي فيه توفيق: (دنيس، لدي أخبار طيبة لك، الأسبوع المقبل سوف نتوجه سويا لتناول وجبة غداء مجانية، لن يدفع أي منا مقابل وجبة الغداء في الأسبوع المقبل، فسوف تقدم لنا من قبل شخص التقيت به بالصدفة. ولا تسألني المزيد عن الأمر الآن، كن صبورا وانتظر إلى ان نلتقي الأسبوع المقبل كالعادة).

التقينا سويا في الأسبوع التالي، وتوجه بي توفيق إلى مطعم فخم وسط لندن، في مناطق (نايتسبردغ)، وفيما كنا جالسين في المطعم تقدم لنا قائمة طعام رائعة لنختار من صنوفها غداءنا، وعندما كنا حصلنا على إحدى أفضل وجبات الغذاء، تقدم منا رجل، وعرف نفسه بأنه مدير المطعم. وقال: (أتمنى أن تكونا استمتعتما بوجبة الغذاء). ثم قدم قائلا إن اسمه وفيق سعيد، واشار إلى أن الغداء الذي تناولناه سيكون على حساب المطعم. وشرح لي أن توفيق صديق قديم له، وأنه كان أستاذه، في الفترة التي كان يحاول خلالها إتقان اللغة العربية كي لا يرتكب الأخطاء الشائعة التي يرتكبها معظم الناس، حتى عندما يتكلمون بلغتهم الأصلية. ثم توجه إلي: (أما أنت، يا دنيس، إذا أذنت لي بان أناديك بهذا الاسم، فإنه يشرفني ان التقي شخصا فعل هذا القدر للغتنا، بترجمة هذا الكم من الأدب العربي إلى اللغة الإنجليزية).

وبهذه الطريقة تعرفت إلى وفيق سعيد، وهو سوري الأصل قرر الاستقرار في لندن، وتزوج سيدة إنجليزية.

حدث شيء ليس بالحسبان، غيّر حياة وفيق كليا، وحياة الذين يدورون في فلكه. ففي أحد الأيام، جاءت مجموعة من الناس لتناول وجبة طعام في المطعم. وحدث ان وفيق عرف هوية الكثيرين من بينهم، كانوا جميعا من السعودية وعلى صلة وثيقة بعدد من الشخصيات البارزة هناك، وعندما أنهوا وجبتهم، أصر وفيق على أن تكون على نفقة المطعم، ومن بين السعوديين البارزين الذين تناولوا طعامهم في ذاك اليوم السفير السعودي لدى واشنطن، وكذلك وزير الشؤون الخارجية السعودي. وشعر الرجلان أن وفيق سعيد، بإتقانه التام للغة الإنجليزية وإقامته الدائمة في لندن، يمكنه ان يكون ذا فائدة كبيرة لهما. وهكذا وجد وفيق نفسه يعمل مع مؤسسات سعودية وكان يُطلب منه في الغالب، القيام بزيارات قصيرة إلى الولايات المتحدة بالنيابة عن هذه المؤسسات.

وبطريقة أو بأخرى، أصبح وفيق سعيد واحداً من أغنى الرجال في العالم، واشترى لنفسه منازل فخمة في مناطق عدة من إنجلترا، وايضا في أماكن مختلفة في الخارج، بما في ذلك قصر فخم في حدائق غناء تزينها النوافير، على اطراف منتجع العطلات المشهور (مديترانيان) في مربيا. وخلال تلك الفترة، اشتريت انا فيلا متواضعة على الشاطئ، عند نهاية الشارع الذي يمتد من مدينة غرناطة التاريخية إلى الشاطئ المتوسطي. وكان هذا جزءا جميلاً من الريف الإسباني لم تلطخه قدم إنسان، وكنا نقضي أنا وزوجتي أوقاتا كثيرة فيه.

وفي أحد الأيام، تلقينا دعوة من وفيق وزوجته لقضاء بضع ليال في مكان عطلتهم في جنوبي إسبانيا. وأوضحا أنه بإمكاننا قيادة السيارة إلى ذاك المكان، وقضاء ليلتين أو ثلاث هناك، ومن ثم العودة بسيارتنا والاستمرار في رحلتنا في الاتجاه المقابل، حيث كان منزلنا الصغير.

وكنا سعيدين بقبول دعوة وفيق.