عندما مدحني الأصدقاء بحضور الطيب صالح، أظن أن ما يميزك هو لونك السوداني الوحيد ذا البشرة البيضاء

 

قمت بتشغيل التلفاز، أخيراً، لأجد نفسي أمام مقابلة مع كاتب شهير من شبه القارة الهندية في الدقائق الأخيرة منها.

 

وكان هذا الكاتب قد أمضى سنوات عدة في إنجلترا والولايات المتحدة وكتب كتاباته كافة بالإنجليزية. سأله المحاور عن المجموعة من الناس التي يحسب بأنه ينتمي إليها، فأجاب مباشرة أنه يشعر في قرارة نفسه بأنه هندي، مضيفاً أن السنوات الخمس الأولى من عمر الإنسان هي التي تحدد انتماءه وأنه امضى سنوات يفاعته الأولى في الهند.

 

بدأت أتأمل في غمار الاستماع إلى هذا الحوار في وضعي؟ سألت نفسي من أنا؟ انني أحمل جواز سفر كندياً وقد ولدت في فانكوفر في كندا وفي الوقت نفسه أنا بريطاني. وهكذا يتعرف على الناس عندما يتحدثون إلى أو يستمعون إلى الطريقة التي أتكلم بها باعتباري إنجليزياً.

 

لكن هل اشعر فعلا بأني إنجليزي؟ في الواقع الأمر ليس كذلك. لقد ذهبت إلى إنجلترا لأول مرة ولدي من العمر اثنا عشر عاماً، وقد وجدتها كذلك باردة جداً أكثر من أي مكان آخر عشت فيه، كما اذكر أني وجدت الناس مختلفين جداً وغير ودودين.

 

لا، بصراحة لم أكترث لهذا البلد عندما وصلت إليه، وبالرغم من بقائي فيه سنوات عدة، وجدت نفسي في وقت من الأوقات يائساً تماماً من فكرة الاستمرار في العيش فيه.

 

واذكر تماماً أنني ذهبت إلى دكتور صديق لي، واعترفت له بأني أعاني من نوبة إحباط. ما الذي يمكنني عمله؟ أجابني ان هناك بدائل عدة للخروج من ورطتي: أولًا، هناك العلاج الكهربائي الخاص، والذي يستخدم في حالات معينة من الاعتلال العقلي، لكنه لا ينصحني باللجوء إليه.

 

ثانياً، بإمكاني حضور جلسات علاج لدى طبيب نفسي لمناقشة مشكلاتي، أو ثالثاً، تغيير طريقة حياتي بمغادرة إنجلترا والعيش في مكان آخر. في ذلك الوقت، بدا هذا الأمر صعب المنال، وكنت قد أسست عملًا خاصاً في إنجلترا واشتريت شقة، ثم كانت سنوات الشباب قد ولت. وتساءلت: أين يمكنني إيجاد عمل باستخدام معرفتي بالعربية وهي مؤهلي الرئيسي؟

 

وكما يحدث في الغالب، جاءني صديق فلسطيني إلى لندن قادماً من بغداد، وقادني هذا إلى لقاء صديق كنت قد عرفته في قطر، وقيل لي إن هناك وظيفة في دبي كمسؤول عن محطة الإذاعة المحلية. وعلى ما يبدو، تم ذكر اسمي في معرض شغل هذه الوظيفة، لكن أحدهم قال انه من الصعب توظيفي حيث لدي عمل خاص في لندن وهناك صعوبة في مجيئي إلى دبي التي كانت في حينها ؟ منذ حوالي ‬50 سنة مضت ؟ بهذا التطور مقارنة بما هي عليه اليوم.

 

على أي حال، تقدمت للوظيفة، وتمت الموافقة على إسنادها لي، واستمتعت بالأوقات التي أمضيتها في دبي.

 

بعد ذلك، ذهبت إلى بيروت، ومنها إلى القاهرة التي أكتب لكم منها هذه السطور، واشعر بالالفة فيها أكثر مما أشعر في إنجلترا. استمرت أوضاعي على ما هي عليه، إلى أن مررت بتجربة غريبة أخيراً، فقد ركبت سيارة أجرة، وجلست كالعادة في مقدمة السيارة إلى جوار السائق، وعندما وصلت إلى مقصدي، ودفعت للسائق أجرته، وكنت قد شرعت في مغادرة السيارة، قال لي السائق فجأة:

 

«أتدري انك شبيه طبق الأصل بمدرب كرة القدم في فريق الأهلي»، وعلى الرغم من عدم اهتمامي بكرة القدم، كنت أشاهد في صحيفتي اليومية، بين الفينة والأخرى، صورة رجل كبير السن قيل إنه مدرب فريق الأهلي. وعلى سبيل المزاح مع سائق سيارة الأجرة، قلت له: «وما أدراك أني لست ذاك الرجل، مدرب نادي الأهلي»؟

 

نظر السائق إلى مندهشا وأومأ برأسه، ثم قال بشكل حازم «لا، لا يمكن، فمدرب نادي الأهلي خواجه» بمعنى أن مدرب نادي الأهلي أجنبي وليس مصرياً. وتعجبت من أمره، لأنه في بعض الأحيان كان هناك من يعتقد أني مصري وأنا أتحدث عبر الهاتف، ولكن ليس وجهاً لوجه، كما يحصل الآن مع السائق.

 

استحضرت حينها الأوقات التي كنت أعيشها في لندن وأتولى رئاسة تحرير المجلة الدورية التي أنشأتها تحت مسمى «أصوات».

 

وأذكر أنني كنت أيضاً مسؤولًا عن برنامج تلفزيوني بالعربية تحت عنوان «أضواء وأصوات» حيث كنا غالباً نجري حوارات مع عرب مشهورين يتصادف وجودهم إلى لندن.

 

ومن هؤلاء كان هناك الممثل عمر الشريف والمغني عبد الحليم حافظ، الذي توفي لاحقاً في لندن، وهو في مقتبل العمر. وقد كتب العديد من العرب في مجلة «أصوات» من بينهم جمال محمد أحمد، وهو سوداني. كان يعمل حينها سفيراً للسودان في لندن.

 

كان مثقفاً ذا إلمام واسع وحاصل على شهادة من جامعة أكسفورد. وقد تولى فيما بعد منصب وزير الشؤون الخارجية في السودان. تعرفت عليه من خلال صديق سوداني هو الكاتب الطيب صالح، ولقد أمضينا نحن الثلاثة معا أمسيات عدة. وأخبرت جمال أحمد كيف أمضيت بعضاً من سنوات طفولتي في السودان.

 

وفي الواقع، عندما غادر والدي السودان بعد ذلك وذهب للعمل في أوغندا كمحام، قام بتدبير اعتناء أحد السودانيين بي، لأنه ليس لدي أي إلمام باللغة السواحلية واسعة الانتشار في أوغندا.

وعموماً، عندما كنت موجوداً مع صديقي السودانيين، كنا نتكلم بالعربية، بالرغم من أنهما يتكلمان الإنجليزية بطلاقة، والطيب صالح متزوج أصلًا من سيدة إنجليزية. فجأة، في منتصف الحديث، نظر جمال أحمد إلي وقال:

 

«أتدري، أظن أن ما يميزك هو كونك السوداني الوحيد ذا البشرة البيضاء؟» ضحكنا جميعاً، لكن لغرابة الموقف كان هناك الكثير من الحقيقة في كلامه. وكما أفاد ذلك الأديب من شبه القارة الهندية في حديثه على محطة البي. بي. سي، فإن السنوات الأولى من حياة الإنسان هي التي تحدد من يكون، حتى لو أفاد جواز السفر غير ذلك.