الحركة الحديثة

في العالم العربي

تنتج أعمالاً تستحق الترجمة فهناك فرصة

لهذا الأدب أن يطل

عبر لغة أخرى

 

يشعر المرء، أخيراً، بأن الترجمة في العالم العربي على الأقل، يجري الآن إعطاؤها الاهتمام الذي تستحقه، فحيثما ولى المرء وجهه فإنه يجد جائزة تمنح، وتسفر عن القيام بترجمة عمل ما من العربية أو إليها.

 

وقد تمثلت المشكلة في أن الترجمة قد نظر إليها منذ وقت طويل باعتبارها أمراً مسلماً به، فالمرء يتقبل أن روائع الأدب الإغريقي وروايات تولستوي وديستوفسكي العظيمة وقصص تشيكوف القصيرة ومسرحياته، وروائع سيرفانتس وروزايت فلوبير، وروايات توماس مان هي جميعها وكأنما بسحر ساحر متوافرة للقارئ باللغة الإنجليزية. ولم يبد أن أحداً يدرك أنها قد شقت طريقها عبر الترجمة إلى الإنجليزية من خلال جهود شخص كرس وقته ومعرفته لتحقيق هذا الأمر.

 

أتذكر أنني اقترحت منذ سنوات مضت على مارك لينز مدير دار النشر التابعة للجامعة الأميركية في القاهرة أن نقوم سوياً بزيارة الكاتب العربي، الوحيد حتى الآن، الذي حصل على جائزة نوبل في الأدب،.

 

وأن نسأله عما إذا كان يوافق على إنشاء جائزة باسمه من قبل الجامعة الأميركية في القاهرة. وكما تنبأت فإن نجيب محفوظ وافق في التو على الاقتراح وأتذكر جيداً دهشتي عندما استفسرت من مارك لينز عما يدور بخلده بشأن الجائزة.

 

والقيمة التي ستمنح للفائز بها، فقال لي إن الجائزة ستتألف من ‬1000 دولار أميركي فقط، ولكن بالإضافة إلى ذلك فإن الرواية التي سيفوز مؤلفها بالجائزة ستترجم إلى الإنجليزية وتنشر، وأعرب عن اعتقاده بأن هذا كان بمثابة الفائدة الحقيقية للفائز بالجائزة وليس المبلغ النقدي، وقد كان بالطبع على حق.

 

كان نجيب محفوظ حتى قبل نيله جائزة نوبل للأدب يدرك تمام الإدراك أهمية ترجمة أعماله، وأتذكر جيداً أنني في الوقت الذي كنت أقيم فيه خارج مصر وأمر بالقاهرة وألتقيه في مقهاه المفضل، أنني سألته عما إذا كان صحيح حقاً .

 

كما قيل لي انه قد تنازل عن كل حقوق ترجمة أعماله للجامعة الأميركية في القاهرة ولم يتلق مليماً واحداً مقابل ذلك، وقد أقر بأن هذا هو ما حدث بالفعل، ولما بادرت إلى الإعراب عن عدم تصديقي لما يقوله، التفت إلي بابتسامة وتساءل: «وكم رواية من رواياتي قمت أنت بترجمتها؟

 

» وقد اضطررت بالطبع إلى الإقرار بأنني لم أترجم رواية واحدة منها، وقد كان الأمر كذلك حقاً في ذلك الوقت، حيث بلغ ما ترجمته من كتاباته العديد من القصص القصيرة. فرد قائلًا: «حسناً على الأقل فإن الجامعة ستترجم أعمالي».

 

وبالطبع لم تكن لديه فكرة عن أنه من خلال ترجمة أعماله إلى الإنجليزية قد يفوز بجائزة نوبل للأدب، وفي حقيقة الأمر فإنه لم يكن هناك أحد أكثر منه في عدم تصديقه لخبر فوزه بالجائزة، عندما تم الاتصال به هاتفياً فجأة، وإبلاغه بأنه قد فاز بهذه الجائزة.

 

ما الذي جعل من الممكن بالنسبة له أن يفوز بالجائزة؟ الإجابة هي ببساطة الترجمة، فكم من أعضاء اللجنة التي تقرر الفائز بالجائزة يعرف اللغة العربية؟ لقد تم التوصل إلى القرار بأن مؤلفاً عربياً يستحق الجائزة قد تم الوصول إليه لأن عدداً كافياً من أعضاء اللجنة كان بمقدوره أن يقرأ أعماله بالإنجليزية والفرنسية من خلال الترجمات التي ظهرت في ذلك الوقت.

 

إنه لأمر طيب أن العالم العربي أصبح أخيراً يعطي الترجمة الأهمية التي تستحقها، وأن هناك فرصاً حقيقية أمام الأدب العربي لكي يطل عبر لغة أخرى. فقبل سنوات ليست بالبعيدة نجحت في أن أنشر بالتعاون مع دار نشر جامعة أكسفورد أول مجموعة قصصية مستقاة من العالم العربي، وقد صدرت المجموعة في طبعة ذات غلاف سميك، وعلى الغلاف تصميم بديع وظف فيه الخط العربي من قبل الفنان السوداني إبراهيم الصلحي.

 

وقد تم بيع ما تبقى من نسخ الكتاب بالجملة بسعر رمزي، لأنه ما من حكومة عربية أو مؤسسة عربية واحدة قد اشترت نسخة واحدة من هذا الكتاب. بعد ذلك بوقت قصير وفي ضوء شعوري بأن الحركة الحديثة في العالم العربي تنتج أعمالًا تستحق الترجمة،.

 

وأن الناشرين اللندنيين الكبار يترددون في المغامرة بنشر أعمال من أدب كان حتى ذلك الحين مجهولًا، قمت بإقناع الناشر اللندني هيانمان بالبدء في نشر سلسلة جديدة تحت عنوان «مؤلفون عرب». وقد كان هذا الناشر يقوم بالفعل بإصدار نوعيات ومجلدات من القصص القصيرة في سلسلة تحمل اسم «مؤلفون أفارقة».

 

وقد تساءلت في ذلك الوقت: ماذا عن كتـّاب مثل غسان كنفاني أو محمود درويش، الذين على الرغم من أنهم عرب إلا أنهم ليسوا أفارقة؟ وهكذا صدرت سلسلة «مؤلفون عرب».

 

ومن الواضح أنه بما أن أحداً لا يعرف اللغة العربية في دار هيانمان، أو يعرف أي شيء من الأدب العربي الحديث، فقد عهد إلي بالمسؤولية عن هذه السلسلة وقد حققت رواجاً معقولا وصدر فيها حوالي ‬25 عنواناً، واشترى ناشرون في الولايات المتحدة حقوق نشرها.

 

غير أنه على النقيض من سلسلة «مؤلفون أفارقة»، حيث كانت معظم الكتب مكتوبة بالإنجليزية، وتحظى بقراء في البلاد التي انحدر منها المؤلفون، فإن سلسلة «مؤلفون عرب» قد اعتمدت على مبيعات مصدرها قراء في إنجلترا والولايات المتحدة فقط، والذين تصادف أنهم اهتموا بالأدب العربي الحديث.

 

وفي إحدى زياراتي الدورية للندن تم إبلاغي بأن السلسلة سيتم إيقافها ما لم يتم الوصول إلى دعم مالي لها، وقد استفسرت بالقول: «عن أي نوع من المبالغ تتحدثون؟».

 

وقد قيل لي في معرض الرد ان ‬10 آلاف جنيه ستكون مبلغاً جيداً، بل إن ‬5000 جنيه ستنقذ السلسلة.

 

حسناً الحقيقة المحزنة هي أنني عجزت عن الحصول على مثل هذا المبلغ من أي مصدر، فتم إيقاف السلسلة، وحصلت دار النشر التابعة للجامعة الأميركية في القاهرة على حقوق العناوين المنشورة بالفعل.

 

الآن، وعلى حين غرة استيقظت بعض مناطق العالم العربي على أهمية معرفة العالم الخارجي بـأدبها، الأمر الذي يعني في المقام الأول ترجمة أدبها إلى أكبر عدد ممكن من اللغات.

 

وهناك في الوقت الحالي عدد مهم من الجوائز المقدمة لتشجيع الكتاب العرب على كتابة أعمال يمكن أن تنافس، لدى إصدارها مترجمة، على استقطاب الاهتمام في السوق العالمي. وهذا يحدث على نحو ما يمكننا أن نراه في الأعمال الحديثة، وبالمبيعات التي حققتها والتي أبدعها مؤلف كان في السابق مجهولًا، وهو الروائي المصري علاء الأسواني.

 

وبينما من الطبيعي أن معظم الترجمات تتم إلى الإنجليزية أو الفرنسية، فإن هناك لغات أخرى تلعب دوراً في هذا الشأن، وعلى سبيل المثال، سألني ناشر في كوريا الجنوبية، أخيراً، عما إذا كان بمقدوره استخدام بعض ترجماتي لقصص عربية وترجمتها إلى اللغة الكورية.