الكتب في العالم العربي ظلت حتى الآن سلعة تبرز في حياة نسبة محدودة ممن يوصفون بالمتعلمين ولا يزال يتعين تقبل الفكرة القائلة ان الكتب ايضا لديها شيئاً تعطيه للناس الذين لا يعتبرون مثقفين دعوني اولا، وقبل كل شيء، أن أبادر بالقول إنني لا اعتقد أن الناس يقدرون حقا ما أنجزه المترجمون لهم، فنحن نعتبر أن من المسلم به أننا يمكننا أن نقرأ في ترجمات موجزة روائع كتاب مثل تولستوي وديستوفسكي. ولكن كم منا يعرفون، على سبيل المثال، اسم كوليستانس جارنيت التي ترجمت العديد من الروائع الكبرى في الأدب الروسي؟
وأيضا لا تلقى التقدير المناسب الحقيقة القائلة بأننا في نهاية المطاف نقرأ كلمات المترجم وليس كلمات الكاتب نفسه. من الذي يكلف نفسه عناء النظر إلى صفحة الكتب التي تحمل العنوان وتبين اسم المترجم؟ لقد تم لفت نظري إلى هذا الغياب لهوية المترجم ذات يوم، عندما قال أحدهم لي إنني يتعين علي حقا أن أقرأ رواية عظيمة كان قد فرغ لتوه من قراءتها، وأنه سيعيرني نسخته من هذا الكتاب،.
وأشار في حديثه معي أنه يقصد كتابا ألفه مؤلف سوداني يدعى الطيب صالح. وعنوانه يحمل شيئا يشير إلى الهجرة إلى الشمال. فقلت له أن العنوان الكامل للرواية هو «موسم الهجرة إلى الشمال»، وأنني قد قرأت هذه الرواية بل إنني في الحقيقة أنجزت ترجمته من العربية إلى الإنجليزية.
كما أذكر عندما كنت أعد فيه ترجمة لمجموعة من قصص نجيب محفوظ القصيرة، حيث كنت قد شارفت على نهاية إحدى القصص، عندما وجدت فجأة ان الجملة التي في السياق لا معنى لها، وقد سألتا العديد من الأصدقاء المصريين عن معنى هذا النص فعجزوا جميعا عن التقدم بإجابة واضحة، وكان المؤلف لا يزال على قيد الحياة في ذلك الوقت، لذا بادرت بالاتصال به هاتفيا، فقال لي: «انتظر قليلا سأحضر نسخة من القصة».
وبعد أن قام محفوظ بذلك اعترف لي بأنه لا يبدو أن العبارة لها معنى، ثم أدرك أن القائمين بطباعة الكتاب قد أسقطوا سطرا بكامله من نص القصة، ولم يدرجوه في النص المطبوع، وهكذا بادر نجيب محفوظ فأملى علي عبر الهاتف السطر المفقود، وتم حل المشكلة.
إذا لم تكن لديك معرفة كاملة باللغة التي تترجم إليها، وليس باللغة التي تترجم عنها، فإنك لا تستطيع القيام بشيء. وكما سبقت لي الإشارة، فإن الترجمة لا تعني مجرد وضع كلمة محل أخرى، ولو أن المرء كان كذلك فسوف يكون كافيا بالنسبة لمترجم ما أن يتسلح بقاموس جيد حقا.
لا، ليس الأمر كذلك، فأنا على اقتناع بأن الترجمة الجيدة تقتضي درجة من الإبداع، وهي ليست مسألة إحلال كلمة محل أخرى. ودعني أضرب لكم مثلا بسيطا في هذا الشأن.
فأنا أـذكر أنني كنت أكتب جملة مفادها: «عندما وصل ناصر إلى السلطة». والشخص الذي ترجم هذه العبارة إلى اللغة العربية قام بذلك على الوجه الصحيح، وبهذا الشكل تماما، ولكن هل كان على صواب في حقيقة الأمر في ترجمة اسم ناصر إلى اللغة العربية على أنه ناصر؟ إننا باللغة الإنجليزية نعرف جوهر الأمر.
ونكتفي ببساطة بأن ندعوه ناصر، ولكن إذا كان هناك اثنان من العرب يتجاذبان أطراف الحديث فهل يوردان اسمه على هذا النحو؟ من المؤكد أن اسمه سيرد في اللغة العربية عبد الناصر أو جمال عبد الناصر. والأمر مشابه للعديد من الروايات الإنجليزية التي تتضمن شخصية عربية فليس من المحتمل أن تحمل هذه الشخصية اسم «عبدول».
أتذكر أنه طلب مني ذات مرة الحديث عن موضوع الترجمة، وعهد إلى بمهمة كتابة عنوان لمسرحية توفيق الحكيم بعنوان «ورطة سلطان». وقيل لي أن العنوان العربي يتضمن اسما وصفة لذلك الاسم، وأنني بالتالي ينبغي أن أجعل العنوان يتضمن اسما وصفة لذلك الاسم، وأن أترجم العنوان بـ «السلطان الحائر» وقد رددت على ذلك بالقول:
«ولكن ألا يبدو العنوان «ورطة سلطان» أفضل، ويعني في حقيقة الأمر الشيء نفسه؟». أعتقد أن الشخص الذي كنت أحادثه لم يقتنع بما قلته، وقال لي إنني كان يجب أن ألتزم بالعنوان العربي، وأن أترجمه باسم وصفه.
لا، إنني أعتقد أن الترجمة فن وليست علما، وأن المرء في نهاية المطاف لا يترجم الكلمات الفعلية للنص، وإنما يترجم معنى النص. وهناك أيضا المسألة ذات الأهمية البالغة، المتعلقة بالكتب التي ينبغي ترجمتها، وكيف يحدث ذلك، ومن الذي يختار مثل هذه الكتب.
وفي هذا الصدد كنت محظوظا، حيث كنت على امتداد فترة طويلة الشخص الوحيد تقريبا المهتم بترجمة الأدب العربي الحديث، وفي ذلك الوقت كانت الصعوبة التي واجهتها لا تتعلق بما ينبغي أن أترجمه، وإنما إلى أين ينبغي أن أمضي للعثور على شخص ينشر ما أقدمه.
ومن المهم أنه عندما وافق ناشر، لا يقل في شموخ قامته عن دار النشر التابعة لجامعة أكسفورد، على إصدار هذا الكتاب، كان الشرط الوحيد للدار أن يتضمن الكتاب مقدمة بقلم باحث شهير، وبالطبع أبديت احتجاجي قائلا: « إن مجموعة القصص القصيرة ليست عملا بحثيا، ولكن القائمين على الجدار أكدوا أن جمهور القراء باللغة الإنجليزية لم يسمعوا من قبل قط بقصص تكتب باللغة العربية، لأن هذه الحقيقة ينبغي إيضاحها للجمهور.
وقد صدر هذا الكتاب في عام 1967، وكشف نشره عن حقيقة أخرى محزنة، وهي أن العالم العربي بدوره بدا أنه ليس مهتما بمثل هذا الإصدار لأنه لم تقم أي حكومة أو مؤسسة أو مكتبة في العالم العربي بشراء نسخة واحدة من الكتاب.
في تلك الأيام المبكرة كنت أنا الذي أختار الكتب التي أترجمها، ومن الطبيعي أنني اخترت الكتب التي أحبها، والتي ساورني الشعور بأنه ينبغي تداولها على نطاق أوسع، وهكذا قمت، على سبيل المثال، من الناحية العملية بترجمة كتاب الطيب صالح، وقد برهنت الأيام على أنني كنت محقا في تقديري له باعتباره كاتبا روائيا موهوبا على نحو خاص.
مما يدع للسعادة هذه الأيام أن مسألة الترجمة بأسرها قد أصبحت منظمة بشكل أكبر كثيرا، وبمقدور المرء باعتباره مترجما أن يكون له رأي فيما يترجمه، حيث أن قلة من الناشرين الأجانب، من الذين لديهم في طاقم من العاملين، عندهم شخص لديه معرفة مناسبة باللغة العربية.
وهكذا فإنهم يعتمدون على التوصيات القادمة من الخارج. والمترجمون باللغة العربية يدفع الآن لهم أجرهم على أساس كمّ العمل الذي يترجمونه، كأن يدفع لهم مبلغ معين مقابل كل ألف كلمة، وغالبـــا ما يتعين عليهــــم أن يساومــــوا من أجل الحصول على معدل جيد لمكافــــأة الترجمــــة.
وأنــــا أشعر بأن دفع أجر المترجـــم وفقـــا لعدد الكلمات التي تضمنها النص ليست طريقة منصفة بشكل خاص لقياس جهد المترجم، ففي المقام الأول تعد بعـــض النصـــوص أكثر صعوبـــة من النصوص الأخرى، وأيضا بعض المترجمين أفضل من البعض الآخر.
ومع ذلك فإن الأدب العربي الحديث في نهاية المطاف قد قطع شوطا طويلا في وقت قصير نسبيا، ووضع المترجمين الآن أفضل من ذي قبل.