مغامرون رفعوا رايات بلدانهم عالياً

الرحالة وحكاياتهم.. مهرجان ثقافي عـالمي في دبي

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

يغامرون بأرواحهم لرفع رايات أوطانهم عالياً، ويجازفون بمستقبلهم من أجل غايات نبيلة تفيد البشرية، كما يمضون في الحياة رحالة متجولين، يطالعون أحوال الشعوب وحضاراتها وتاريخها، ويقفون كل يوم في مكان ما من الأرض، على مشهد مختلف.. ومن الثقافات، على تجل مغاير، ربما يكون رقصة أو متحفاً أو كرنفالاً. ولكن معظم هؤلاء، لا يأخذ حقه كاملاً، معنوياً ومادياً.

وهو ما دفع فريق رحالة الإمارات، أخيراً، إلى إطلاق "مهرجان الرحالة"، الأول من نوعه في الوطن العربي، إذ لمت دبي، معه، شمل أشهر المغامرين العرب والأجانب، من أصحاب الإنجازات العالمية، على أرضها، غاية تحفيزهم ولفت أنظار العالم إليهم من جديد.

 لم يكن الاحتفاء بالرحالة البارزين، الهدف الوحيد من إطلاق مهرجان الرحالة في دبي، بل، أيضاً، إثراء الساحة الثقافية بمعلومات فريدة وشاملة، كان قد اكتسبها الرحالة أثناء تجوالهم عبر قارات العالم، لتطرح وتناقش خلال جلسات ومحاضرات يستفيد منها عامة الناس، بحيث يقدم كل رحالة نبذة عن نفسه وتجربته والصعوبات التي واجهها وتغلب عليها، وكذا ما حققه من إنجازات ونجاحات. وهو ما كان أبرز الغايات التي مهدت لإطلاق المهرجان. وفي هذا الصدد، يقول عوض محمد بن مجرن، مدير ومؤسس فريق رحالة الإمارات ورئيس اللجنة المنظمة للمهرجان:

"كان الإيمان بوحدة التاريخ والثقافة والمصالح المشتركة، بين مختلف الدول العربية، التي امتلكت حضارة حيوية، من الثوابت التي تزداد نمواً ورسوخاً.. وصحيح أن التلفزيون ينقل إلى الناس يومياً مشاهد ومناظر من مختلف بقاع العالم، وهم في بيوتهم، إلا إنه لا يزال عاجزاً عن وصف العلاقة بين الإنسان وعالم الأشياء البعيدة عنه.

ومن هنا جاءت فكرة إقامة مهرجان للرحالة العرب والأجانب، إذ أردنا أن ينقلوا إلى الجمهور خبرتهم ومشاعرهم التي حصدوها خلال أسفارهم الفريدة والاستثنائية، إضافة إلى انطباعاتهم عن الشعوب والبلدان التي زاروها، ليتمكن الجمهور المتنوع، في دبي خاصة والإمارات عامة، من اختراق صمت الأشياء، والتعرف على أهمية التجوال الحر وسحره وتأثيره على النفس والحياة والأخلاق".

 ظاهرة حضارية

لا شك أن التميز والتفرد صفتان أساسيتان للإبداع والنجاح، ولم يسبق لفريق جماعي أن دار حول العالم بالسيارات لنقل الوجه الحضاري المشرق لدولة الإمارات إلى مختلف دول وشعوب العالم. وفي هذا الصدد، يقول عوض محمد بن مجرن، عن فريق رحالة الإمارات الذي حظي بإعجاب الشرق والغرب:

"أسهمت رحلاتنا المتنوعة، في بلورة الانطباعات الإيجابية عن العرب عموماً، والإمارات على وجه الخصوص، إذ كانت ظاهرة حضارية وتجربة فريدة للشباب العربي ولابن الإمارات، كي يقدم نفسه إلى شعوب العالم بطريقة لفتت انتباه الجميع، وحظيت بالاهتمام والتقدير من قبل وسائل الإعلام في جميع دول العالم التي زارها الفريق، والتي حرص فيها على زيارة مناطقها السياحية والأثرية للاطلاع على شواهد التاريخ لهذه البلدان، رابطاً ماضيها بحاضرها، ما كان له الأثر الفاعل في إثراء معلومات أعضاء الفريق، وبلورة ثقافة شمولية ومعرفية لهذه التجربة الرائدة".

 رحالة الإمارات

"مسارات" انفرد بأحاديث خاصة مع الرحالة المشاركين في المهرجان، بحثاً عن تفاصيل دقيقة شائقة، تأسر النفس البشرية وتسافر بها إلى ذكريات الرحالة. والبداية مع المقدم عارف السويدي، عضو في فريق رحالة الإمارات، الذي يعد أول فريق يجوب العالم بالسيارات. إذ يوضح طبيعة الرؤى والغايات المرسومة:

"إن الأهداف التي رسمها فريق رحالة الإمارات تعدت الجانب السياحي والترويجي، مثل الاطلاع على جغرافية البلدان وبيئاتها وتاريخها وشواهدها الحضارية، فضلاً عن زيارة المتاحف والمؤسسات الثقافية والتعليمية. إذ اطلع على تجارب الشعوب وخبراتها المختلفة، ومشاهد تعبر عن موروثها وفولكلورها وعاداتها وتقاليدها وأنظمتها الاجتماعية والاقتصادية والتربوية والتعليمية.. اكتسب الفريق الخبرات والمهارات المعرفية وفق منهج ثقافي وتربوي مدروس.

إضافة إلى البعد الإنساني الذي كان أحد المحاور الرئيسية التي اعتمدها الفريق في رحلاته حول العالم، باعتباره ينتمي إلى أمة قدمت للإنسانية فكراً وأدباً وعلماً وحضارة متألقة، نهل من ينابيعها، القاصي والداني. كما أسهمت في رسم ملامح الفكر الإنساني، وهي تسعى إلى التواصل مع الأمم الأخرى، على طريق السلام والمحبة والتفاهم والتكاتف ما بين الشعوب والأمم المختلفة، من أجل مستقبل مشرق للبشرية جمعاء".

ويتابع: "كنا مركزاً إعلامياً متجولاً بين شعوب الأرض، أدى دوره كاملاً في الترويج للعرب والإمارات، لإيماننا بروح الصبر والعطاء والعمل الجماعي، والقدرة على مواجهة الصعاب والمخاطر، الأمر الذي جعلنا في مركز الصدارة، بجدارة، في مجال الترحال حول العالم بالسيارات، ذلك بعد أن قطعنا أكثر من مئة وخمسين ألف كيلومتر، بين قارات العالم، وبحصيلة مهمة من الخبرات والثقافات والصور، التي تجاوز عددها 30 ألف صورة فوتوغرافية، إضافة إلى المئات من ساعات التصوير التلفزيونية، لتكون أرشيفاً ثقافياً شاملاً لهذه التجربة المثيرة".

 خطة متكاملة

يشرح السويدي، مراحل السفر، الثماني، التي خاضها أعضاء فريق رحالة الإمارات: "استغرقت مدة التجهيز والإعداد للمرحلة الأولى، ستة أشهر. أما مدة الرحلة فكانت ستة أشهر أيضاً، زرنا خلالها، دول الخليج وبلاد الشام وأوروبا والمغرب العربي وأميركا الشمالية والجنوبية وغابات الأمازون.

وبالنسبة للمرحلة الثانية، استغرقت مدة التجهيز والإعداد لها ثلاثة أشهر. واستغرقت الرحلة خمسة أشهر، إذ زرنا خلالها: شرق آسيا وأستراليا وإندونيسيا وماليزيا وسنغافورة وتايلاند والهند ونيبال وباكستان، إضافة إلى إيران والعراق.. كما زرنا في المرحلة الثالثة، التي استغرق الإعداد لها، ثلاثة أشهر، وأنجزناها خلال أربعة أشهر: جنوب إفريقيا، زيمبابوي، زامبيا، تنزانيا، كينيا، السودان، مصر، ليبيا، تونس. كما اتسمت المرحلة الرابعة من الرحلة، بالسهولة بعض الشيء.

حيث استغرق الفريق في التجهيز لها، شهراً واحداً فقط، وأنجزت خلال شهر واحد أيضاً.. واتجهنا فيها إلى شبه الجزيرة العربية وسلطنة عمان واليمن، ونجحنا بفضل الله، في زيارة الصين وروسيا ومنغوليا وإيران وكازاخستان، في المرحلة الخامسة، إذ استغرقنا شهرين في التحضير لها، وشهرين آخرين حتى أنهيناها على أكمل وجه.. كما زرنا جيبوتي وإثيوبيا في المرحلة السادسة، خلال مدة زمنية لم تتعد الشهر، وكذا بيرو والإكوادور في المرحلة السابعة، خلال مدة زمنية لم تتعد الشهرين، ومدغشقر في المرحلة الثامنة والأخيرة، خلال مدة زمنية لم تدم أكثر من شهرين كذلك".

 إجراءات وذكريات وقصص

يوضح السويدي ماهية الإجراءات المهمة، التي يعتمدون عليها لضمان سلامتهم خلال الرحلة، مبيناً أن الفريق يدرس الخرائط بدقة، لمتابعة خط سير الرحلة بأمان وعدم الضياع خاصة في الغابات الشاسعة. ويتابع: "نجهز السيارات ونعتني بصيانتها باستمرار، قبل التحرك، كما نجري تجربة لعملية إسعاف أولية، إضافة إلى التأكد من عمل معدات التصوير، وأذكر أننا واجهنا مشكلة ارتفاع درجات الحرارة في دول الخليج العربي، والتي وصلت إلى أكثر من 40 درجة مئوية، ما أثر على كفاءة أجهزة التصوير الفوتوغرافية والتلفزيونية وأجهزة الكمبيوتر".

ويسرد السويدي، مجموعة ذكريات مميزة: "لا أزال أذكر هنود الأمازون الذين يعيشون، إلى الوقت الحالي، حياة بدائية. وأتذكر كيف كنا نرش أجسامنا بالمبيدات الحشرية لنحمي أنفسنا من لسعات البعوض والحشرات، وكذلك عبورنا أكثر من 200 جسر خشبي في منطقة الأمازون، فضلاً عن شربنا حليب الخيل في منغوليا.

والأطرف والأغرب من ذلك كله، معايشاتنا قبائل الماساي، حيث إن أفراد هذه القبائل يستطيعون التجول بين الحيوانات المتوحشة، دون أن تفترسهم، وسر هذه الحالة غير معروف حتى يومنا هذا، كما يتناولون دم البقر مخلوطاً بالحليب، كوجبة رئيسية في غذائهم".

 سفير العرب على الجمال

جاب الرحالة اليمني أحمد عبده زيد القاسمي، الوطن العربي، في 360 يوماً، مستخدماً الجمل، إذ قطع آلاف الكيلو مترات على ظهر سفينة الصحراء. يتحدث عن تجربته ومغامرته تلك: "كنت أواجه المخاطر، صباحاً ومساءً، ففي المدن كنت أحس بالخوف لأنني أستخدم وسيلة مواصلات انقرضت أو هي في طريقها إلى الانقراض، إذ كنت مضطراً إلى أن أسير باستخدام الجمل، بين السيارات .

وفي الشوارع الضيقة والواسعة. وكان قلقي يزداد في الأرياف والصحاري، لأنني كنت أبيت، في العراء تحت نجوم الليل، في حماية الجملين اللذين كانا يشكلان بجسديهما مثلثاً لصد الوحوش ومنع الهوام من الاقتراب مني ومن صديقي الذي رافقني، فمجموعة المخاوف التي يصنعها الليل المظلم والصحراء وهواجس القلق من المجهول، حرمتنا لذة النوم والهدوء.. وفي الشتاء، كنت ألتصق بالجمل، حتى أستفيد من حرارة جسمه في تدفئة نفسي، وفي الصيف كنت ألتصق به أيضاً لأن نسمات الهواء الباردة التي تنبعث من جسمه، تخفف من قساوة درجات الحرارة المرتفعة".

موقف مؤلم

جال أحمد عبده زيد القاسمي، على العديد من الدول، حاملاً رسالة الوحدة والسلام، ولكن بعد أن أدار ظهره للأرض المصرية بكى بشدة، ويحكي عن ذلك: "سمعت أصوات عويل وصراخ أطفال، ووجدت مجموعة من النساء وكبار السن، تتسابق باتجاهي، وعندما اقتربوا قالت لي سيدة فلسطينية:

(نحن مجموعة من الفلسطينيين أبعدتنا السلطات الليبية، ورفضت دخولنا السلطات المصرية منذ أشهر عديدة، ونحن هنا عجزت عن هلاكنا كل المآسي التي قاسيناها من أعدائنا، لكن تركنا أهلينا ليهلكنا البرد والجوع، منفيين في هذا المكان لا أرض ولا وطن ولا أصدقاء، الكل يرفضنا). وما كان مني إلا أن اختنقت بالبكاء، وأطرقت رأسي خجلاً وهمست بحياء العاجز: (أنا رحالة أجوب الوطن العربي حاملاً معي رسالة الوحدة والسلام، فماذا أفعل من أجلكم؟). فقال شيخ كبير السن: (تحدث عن قضيتنا لكل من تصل إليه). وحينها امتدت يدي أكثر من مرة، تتلقف الدمع، ومضيت وفي القلب غصة وفي العقل حيرة".

ومن المواقف التي أدهشت الرحالة اليمني، استبدال الليبيين أسماء الشهور الميلادية، بأسماء عربية مختلفة، ويسرد هذا: "يسمي الليبيون شهر يناير بـ"أين النار"، وفبراير بـ"النور".. إلخ، وفي الحقيقة لم أجد تفسيراً لذلك، هل هو ولع الليبيين بتأكيد تميزهم؟ أم هي الرغبة في مخالفة ما هو سائد..

وأما عن المواقف الطريفة التي واجهتها، فمنها، أنني اعتليت ذات مرة ظهر جملي، وذهبت إلى جرش في الأردن، المدينة التي طالما تمنيت زيارتها، وهكذا تنقلت بين بقايا العهد الروماني فيها، حيث يختلط الخيال بالواقع ليشكل اللوحات الفنية التي تصنعها المهرجانات على خشبة المسرح.

والذي يتألف من مدرج نصف دائري مع منافذ للدخول والخروج، وغرف صغيرة مخصصة للممثلين والأوركسترا. وظن زوار المكان أنني وجملي، جزء من إحدى الفعاليات الثقافية التي كانت تقام هناك، فأخذوا يلتقطون الصور التذكارية لي، وأنا بالملابس التقليدية اليمنية.. وعمومــــاً، وفي مـــرات كثيرة، لولا الفأس وقوتي البدنية ورعاية الله لي، لكانت حياتي انتهت على يد الحيوانات المفترسة أو قطاع الطرق واللصوص".

 مغامر إماراتي

تسلق المغامر الإماراتي سعيد المعمري، جبل إفرست الذي يعد أعلى جبل في العالم، مرتين، إذ استغرق في كل مرة نحو 45 يوماً، كما نجح في تسلق عدد من القمم الجبلية العالمية مثل: كليمانجارو في أفريقيا، وأكونكاجوا في أميركا الجنوبية، والبروز في أوروبا. وهو يشير في حديثه إلى "مسارات"، إلى أن الارتفاعات لم تعد تقلقه، لأنه لا ييأس من صعوبة أي طريق يسلكه في حياته.

ويتابع: "قد قيل قديماً: الحكمة أن تعرف ما الذي تفعله، والمهارة أن تعرف كيف تفعله، والنجاح هو أن تفعل، وأنا واثق من قدراتي وخبرتي، والحمد لله. فرؤية مئات الجثث المتجمدة في الطرق المؤدية إلى قمم الجبال الشاهقة، لم تكن تؤثر على عزيمتي أو تقنعني حتى بالتراجع، لأن حبي لرفع راية الإمارات عالياً، كان أقوى من أي عقبات.

وهالني كثيراً مشهد الجثـــث وهي مـــن دون عيون في محطات رحلاتي، إذ كانت هناك طيور تحلـــق حول قمم الجبـــال وتتغـــذى على عيون الرحالة الذين ماتوا من شدة البرد، وحينها كنت أمام خيارين، إما أن أصمد حتى بلوغ القمة أو أكون وجبة شهية لتلك الطيور. وهكــــذا اخترت الصبر والمضـــي قدماً نحو تحقيق الهدف، وتغيير وضعيـــة الجثـــث التي أراهـــا، بحيـــث أقلب وجههـــا باتجـــاه الأرض حتـــى لا تشوهـــها الطيور".

ويبين المعمري أنه كان يحصل على الطاقة اللازمة للبقاء حياً، من خلال كبسولات غذائية، كما كان يقوم بتسخين الثلج وصبه في علب، يضعها لاحقاً في سترته للتدفئة. ويضيف: سئمت الروتين في حياتنا اليومية، وقررت تسلق القمم الجبلية لأثبت للعالم أن الإماراتيين قادرون على صنع المعجزات، تماماً مثل شيوخهم وقادتهم، حيث اعتمدت على مدخراتي الشخصية واشتريت كل المعدات والأدوات اللازمة لتسلق الجبال.

وأذكر أن تكلفة رحلتي الأولى تراوحت بين 45 و55 ألف دولار. أما التحديات التي كنت أواجهها، فتنحصر في صعوبة أداء الصلاة، والمخاطر الصحية والبيئية التي ربما يتعرض لها أي متسلق للجبال، بتأثير الانهيارات الثلجية والخوف من حدوث زلزال أثناء التسلق، وكذلك البرودة الزائدة وتجمد الأطراف. والحرارة المرتفعة، وما يصاحبها من ذوبان ثلوج وقلة في الأكسجين، وانخفاض في الضغط الجوي، لاسيما كلما ارتفعت إلى الأعلى.

 مشياً على الأقدام

يحكي الرحالة البوسني، سناد هادزيتش (47 عاماً)، لمسارات، تفاصيل رحلته التي قطع معها، مسافة 5500 كم، سيراً على الأقدام، من سراييفو إلى مكة المكرمة: "أنا بروفيسور أشتغل في إحدى جامعات البوسنة، ولكنني لم أكن أمتلك الإمكانات المادية التي تساعدني على أداء فريضة حج، وبدلاً من الاقتراض أو طلب المال من أحد، فكرت أن أحل مشكلتي بنفسي، علماً أنه لم يكن معي حينها إلا 500 دولار فقط، وبعد تفكير طويل، قررت السفر إلى السعودية مشياً على الأقدام، ونجحت في تحقيق غايتي، عابراً كل الحدود، بعد رحلة مثيـــرة استغرقت 11 شهراً..

وكنت أحمل في حقيبتي، الطعـــام والشراب وبعـــض الأدوية. وفي قلبي كنت أحملــ الإيمان، الذي يمدني بطمأنينة القلب والقناعة بما كتب الله لي. ولم تكن البراري والجبال والطرقات المظلمـــة، تثنيني عن هدفي، حيث كنت أسمع أصوات الذئاب والحيوانــــات المتوحشة، وأصبت مرات عديدة بشد عضلي في قدمي.

لكني بقيت مقتنعاً أنني محاط بعناية إلهية.. وكنت عندما أشعر بالذعر والقلق والتوتر، أذكـــّر نفســـي بأن اللــه معــــــي في كل مكان، وهـــو أقرب إلي مـــن حبـــل الوريد، ومن رحمته - عز وجل - أنه كان يسخر لي أناساً طيبــين في كل مدينة أدخلها، إذ يقـــدمون لي المساعدة، ويدعـــون لي بالنجـــاح في مهمتي".

 دراجة هوائية

اختار الرحالة الماليزي محمد عدنان (70 عاماً)، جوب معظم دول العالم على دراجته الهوائية. ويتحدث عن بعض من مواقف وتفاصيل رحلته: "سافرت من كوالالمبور إلى لندن، في عام 2011، باستخدام دراجتي الهوائية، قاطعاً مسافة 11 ألف كيلومتر، ذلك كي أثبت أن السفر لا يفيد فقط في توسيع مدارك الإنسان، بل يقوي لديه الشعور بالشباب والحيوية، حتى لو تقدم كثيراً بالعمر. فإن كانت الشيخوخة عملية بيولوجية بحتة، تظهر آثارها في التغيرات الجسمية أو الفزيولوجية التي يصل إليها الشخص المسن، مثل:

ضعف البصر أو ضعف السمع أو بطء الحركة، فهذا لا يعني انتهاء صلاحية كبار السن في المجتمع، وعدم الاستفادة من خبراتهم المتنوعة في الحياة.. إن شد العضلات والجوع والبرد والإحساس بالوحدة وظلام الليل وتعطل دراجتي مـــرات كثيرة، أمور كانت تجعلني في الرحلة، أكثر إصراراً على إثبات ذاتــي ووجـــودي في المجتمـــع وتضاعف رغبتي بالتفوق على صغار السن، وأحمد الله لأنه أبعد عني الأمراض والاضطرابات النفسية خلالها. ووصلت إلى لندن سالماً معافى، بفضل ذاكرتي القوية وأفكــاري المترابطة وقراراتي الحكيمة".

 الرحالة الأزواج

سبع سنوات، قضاها الرحالة البريطاني آندرو (47 عاماً) وزوجته آنا، في سفرهما من أستراليا إلى عُمان، قطعا خلالها 220.000 كم. والتقيا في أثنائها، أكثر من مرة، مع الرحال الماليزي محمد عدنان، الذي يجوب معظم دول العالم على دراجته الهوائية، خلال أسفارهما، حيث نظر كل منهما إلى الآخر وبدآ يتذكران بعضهما.

ويسرد آندرو طبيعة التحضيرات والأحداث، الخاصة بالرحلة: "بِعنا جميع ممتلكاتنا. وجمعنا مدخراتنا لنقوم برحلة استثنائية، وانطلقت من سدني بسيارة لاندكروزر، حولتها إلى غرفة نوم؛ ومررنا بالكثير من البلدان، منها: إندونيسيا، ماليزيا، الهند، باكستان، كمبوديا، لاوس، بنغلادش، سريلانكا. كما واجهنا مخاطر لا تعد ولا تحصى، وتعطلت سيارتنا كثيراً. وتعرضنا لخطر قطاع طرق، ولكن زوجتي كانت تشعرني بالأمان والقوة، في لحظات الضعف".

وحول إذا مـــا كان الزوجـــان يفكران بتكرار التجربة، تقول آنا:

"نحن مستقران الآن في دبي، لإعادة بناء حياتنا من جديد، ومن يدري، فربما نفكر في خوض تجربة أخرى في المستقبل".

تتشابه قصة الرحالة السويسري إيميل (70 عاماً) وزوجته ليليانا (71 عاماً)، مع نظيريهمـــا السابقين، إذ جابا أقطار العالم بالسيـــارات، خلال 28 سنة، ليدخلا "موسوعة غينيس للأرقام القياسية". ويتحدث إيميل عن ذلك: "نشعر بالفخر لأننا أول عائلة في العالم، تجوب كل أقطار العالم، باستخدام السيارات. إذ نجحنا في قطع مسافة 665 ألف كيلومتر، حيث انطلقنـــا من مونتريـــال، ثم سافرنا إلى كندا.

وبعدها إلى أميركا الشمالية وأميركا الجنوبية وأفريقيا، وكذلك أستراليا ودول شرق آسيا. واعتمدنا على مدخراتنا الشخصية في تأمين مصاريفنا، في أثناء الرحلة، وكلما نظرنا إلى المحفظة ووجدنا فيها بعض المال، كنا نقرر مواصلة الرحلة بعزيمة وهمة عاليين.

ولكن في إحدى المرات، نفد لدينا المال، وكنا في ورطـــة حقيقيـــة، إلى أن تلقت زوجتي ليليانا، اتصـــالاً هاتفياً، كان محزناً، إذ أخطرت فيه بوفـــاة والدها، ومن ثم حصلت على نصيبها من الميراث، الأمر الذي مكننا من الاستمـــرار بالتنقـــل والسفر".

ومن جهتها، تقول ليليانا: "كنا نستقبل الأعوام الجديدة وسط الصحراء وفي رحاب الليل المخيف والنجوم، وادمنا سماع أصوات الذئاب. وكنا ننجو بأعجوبة من قطاع الطرق واللصوص".

 قارب شراعي

الرحال العُماني محسن آل بوسعيدي (37 عاماً)، الذي يعد أول بحار عربي يجوب البحار بقاربه الشراعي، يسرد لـ"مسارات"، جملة حكايات ومواقف وشجون، عن رحلاته تلك: "كنت أعمل في البحرين، كرجل أمن، ولم يكن أحد يعرفني، إلى أن انطلقت من مسقط نحو العالم.

وعدت إليها بعد 76 يوماً سفراً، من دون توقف، إذ خضت تلك المغامرة بناءً على توجيهـــات جلالة السلطان قابوس، الذي شجع الشباب لخوض تلك التجربـــة لعدة أهـــداف، وأبرزهــــا: الترويج السياحي لعُمان، إحياء الإرث البحري، جعل الإبحار الشراعي إحدى الرياضات المهمـــة إلى جانب كرة القدم في السلطنة، وذلك نظراً لجمال سواحلنا.. ولم أفكر للحظة، خلال رحلتي، بالموت، لأنني مؤمن بأنه سيأتيني حتى لو كنت في المنزل، ولا حتى بتقلبات البحر وغدره، لأن البحر لعب دوراً فاعلاً وحيوياً في بلاد الخليج العربية.

ودوراً اجتماعياً وثقافياً واقتصاديـــاً لا يستهـــان به. كما إن مهارة أهل الخليج في الإبحار كانت معروفة منذ القدم، وما البحار العربي أحمد بن ماجد إلا نموذج من هذه النماذج، فضلاً عن خوض الكثير من الرحالـــة الأجانب للمغامــرة ونجاحهم فيها، الأمر الذي حفزني أكثر، على المضـــي قدماً نحو تحقيق الهدف. ورافقني في الرحلة، بحارة فرنسيــون وبريطانيـــون. لكن المشكلة أنني لم أكن أجيد التحدث باللغة الإنجليزيـــة، ما دفعني للتواصل معهم طوال الرحلة، بالإشارات فقط" ويضيف:

"تعلمت الصبر والقيادة والتكيف مع الظروف مهما كانت، وكذلك أهمية العمل الجماعي. كما تعرفت على ذاتي خلال الرحلة، وأصبحت أكثر مهارة في التعامل مع الأمراض، وخاصة النفسية منها، فلا مجال للتقاعس عن العمل، أو حتى الشعور بالكسل، إضافة إلى ضرورات وأحكام انعدام وسائل الراحة والطعام الشهي، حيث كنت أسكت جوعي بالوجبـــات المجففـــة وشبه الناضجة، مثل:

الأرز والباستا والدجاج. لأن مطبخ القارب كان عبارة عن سخان ماء فقط.. رأيت اليابسة مرتين فقط، خلال سفري: الأولى كانت أرض نيوزيلندا. أما الثانية فهي أرض تشيلي، وفي كلا المرتين كنت أتصل بوالدتي للسلام عليها وطمأنتها، ولكنها لم تكن تتحدث بل تبكي، وحينها كنت أغلق الخط حتى لا يضعفني الحنين".

 أول عربية

تعد الفلسطينية، سوزان الهوبي، أول سيدة عربية تصل إلى قمة جبل إفرست. وتقول حول مغامرتها تلك: "استغرقت نحو 51 يوماً في تسلق جبل إفرست، ضمن فريق مؤلف من أربعة أشخاص، كما أنني أول عربية تتسلق قمة (إلبروس)، الأعلى في أوروبا. وأول فلسطينية تتسلق قمة كلمنجارو الأعلى في أفريقيا.. كما تسلقت:

مون بلان"، أكونكاجوا (أعلى جبال أميركا الجنوبية)، وطوبقال (أعلى الجبال في سلسلة جبال الأطلس شمال أفريقيا).. وأود الإشارة هنا إلى أن دبي أضاءت على منجز وقيمة عدد كبير من المغامرين العرب والأجانب، الذين قضوا حياتهم في الترحال والسفر وتسلق الجبال والتجوال الحر، في مبادراتها الأخيرة بهذا المهرجان النوعي".

كهوف ووديان

المغامر اللبناني خالد عبدالملك، كان أحد ضيوف مهرجان الرحالة في دبي، أيضاً. ويقص تجربته ومغامراته في الحقل: "أقيم في عُمان، وأعمل في مجال طب وجراحة الأسنان، ولكنني مولع باستكشاف الكهوف والوديان، لما فيها من سحر وهيبة تقشعر لها الأبدان؛ وسافرت إلى العديد من بلدان العام. ولكنني لم أجد روعة المشاهد التي وجدتها في عُمان".

وعن التحديات التي واجهها ورحلاته في ربوع السلطنة، يقول: "إذا احترم الإنسان الطبيعة فلن تؤذيه أبداً، وأنا لا أجرؤ على تحديها لأنها الأقوى، وتحظى السلطنة بإرث طبيعي فريد.

كما أنها تعتني جيداً بعناصر تنوعها الإحيائي في موائلها الطبيعية. وضعت خلاصة تجربة 16 عاماً من الرحلات وتسلق الجبال في عُمان، فضلاً عن التجوال بين كنوز الطبيعة العُمانية في معرض صور حمل عنوان (طبيعة عُمان.. كنوز وأسرار). كما وثقت تلك الصور في كتاب (رحلة في عُمان) الذي يتضمن معلومات عن كل المواقع المصورة".

 ترويج

يقص الرحالة البحريني، علي مشيمع، الذي جاب العالم بسيارته، لتعريف الدول والشعوب المختلفة، ببلاده والترويج لها: "كانت أولى رحلاتي عام 2004، حين سافرت من البحرين إلى مدينة دبلن مروراً بلندن، أما الرحلة الثانية فاستغرقت أكثر من 40 يوماً، مررت خلالها عبر 12 بلداً عربياً وأوروبيـــاً.. ومن أبـــرز التحديات التي يواجهها الرحالة والمغامرون عادة: قطاع الطرق، الحيوانات المفترسة، الجوع، الأمراض، العطش، رؤية الجثث، الإفلاس".

حيل

يوضح عوض محمد بن مجرن، مدير ومؤسس فريق رحالة الإمارات ورئيس اللجنة المنظمة للمهرجان، أن الفقر والجهل وارتفاع نسبة البطالة في أفريقيا، عوامل ضاعفت نسب الجرائم فيها، الأمر الذي كان يدفعه، في رحلاته، إلى الاعتماد على الحيل والخدع لحماية نفسه ورفاقه، إذ كان يجلب معه زميله.

وهو من الجنسية السودانية ويتميز ببشرته الداكنة اللون، ويدع له مهمة قيادة السيارة، لأن وجود رجال بيض البشرة مع رجل داكن البشرة، ما يعني لدى الأفريقيين، أنه حارس شخصي وخطير وذو قوة، فيبتعدون عن السيارة ولا يقتربون منها مطلقاً.

 رحلات إنسانية

كان الهلال الأحمر الإماراتي في دبي، واحداً من المشاركين المميزين في المهرجان، كممثل للرحلات الإنسانية، إذ أسهم في تقديم العون لكثير من دول العالم التي تعرضت لنكبات وكوارث طبيعية.

كما عمل على مساندة الضعفاء في كل بلدان العالم، لإيمانه بأن المعاناة البشرية لا هوية لها، فضلاً عن توفيره لمتطلبات الحياة الأساسية لمستحقيها، في الوقت الذي تزايدت فيه الأعباء على المنظمات الإغاثية والإنسانية بسبب تفشي الأمراض وشح الغذاء وارتفاع أسعار عالمياً.

 شيخ المجانين

 "شيخ المجانين".. لقب أطلقه أصدقاء المغامر اللبناني خالد عبدالملك، عليه، لأنه في نظرهم يقوم بأعمال خطيرة، من تسلق للجبال وهبوط في الوديان والتنقل بين الكهوف. ولعل تمكنه من الوصول إلى "كهف التري"، أثبت لهم أنه مجنون لا محال، لأن الكهف غير معروف بصورة كبيرة. ونجح خالد في اكتشاف غرفة فيه، تحتوي على تشكلات كلسية نادرة.

 كمائن على الطريق

 يتحدث المقدم عارف السويدي، عضو في فريق رحالة الإمارات، عن كمائن قطاع الطرق في جنوب أفريقيا، للإيقاع بضحاياهم، مشيراً إلى أن غالبيتهم تلجأ إلى طرق ماكرة، وأبرزها: ارتداء الزي العسكري، الوقوف بهيئة نقاط التفتيش، تأدية أدور تمثيلية توحي بتعطل سيارة أحد الأشخاص.. أو أن مريضاً أو جريحاً يحتاج إلى مساعدة. كما أن عصابات أخرى، كانت تلقي بالمسامير في بعض الطرقات، لإجبار السيارات على التوقف، ومن ثم نهب وسلب ركابها.

طباعة Email