00
إكسبو 2020 دبي اليوم

مبدع مدينة برازيليا وآخر عظماء عمارة القرن العشرين ..

أوسكار نيماير .. عملاق الحداثة المعمارية

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

يشكل رحيل، أوسكار نيماير، أحد أهم رموز الحداثة المعمارية، عنواناً لنهاية فترة معمارية مميزة، تبخرت مقاصدها الاجتماعية السياسية الراديكالية من التاريخ. إذ أوجد ثورة حقيقية في مفاهيم إبداعية معمارية، متنوعة، قلبت التصورات والرؤى في هذا المضمار. وتقديرا لعظمة أعماله، خصصت الصحف البريطانية، في الفترة الأخيرة، عقب وفاته، مساحات واسعة من صفحاتها، للإضاءة على منجزات هذا المبدع الذي صمم مدينة برازيليا، من الصفر.

 يصف النقاد المعماريون أوسكار نيماير، بسيد المنحنيات في العمارة، وبالمعماري الذي جلب للحداثة المعمارية شيئا من الحركة، مبتدعاً نسخة تعبيرية عن العمارة لا تؤدي وظيفة محددة. ويقول عنه اللورد نورمان فوستر، أحد أهم المعماريين البريطانيين:

"بالنسبة للمعماريين الذين تلقوا تعليمهم في حركة الحداثة في التيار العام، فإن نيماير قلب القول المأثور، إن الشكل يتبع الوظيفة، وبرهن، بدلا عن ذلك، على أن الشكل عندما يخلق الجمال، تصبح له وظيفة. وبالتالي، فهو أمر أساسي في العمارة".

 نماذج فريدة

يعد نيماير، المعماري الحداثي الأول، من خارج أوروبا أو شمال أميركا، الذي يحقق شهرة عالمية. وهو الذي شكل الصورة العصرية لبلاده، البرازيل، أكثر من أي معماري آخر. فمدينة برازيليا، عاصمة البلاد، بحسب لورد فوستر "لم يجر تصميمها فحسب، وإنما تشكيل حركاتها المتتالية".

كما يرى الناقد المعماري في صحيفة "أوبزرفر"، روان مور، ان أعماله، لاسيما البرجين التوأم والقبة المعكوسة ومبنى البرلمان، إضافة إلى الكاتدرائية الشبيهة بالتاج في برازيليا، التي أرسلت نسخ عنها بالتلغراف، إلى بلدان بعيدة، تمثل نسخا مطورة للبيت الأبيض ومبنى تل الكابيتول في واشنطن، أي أنها صروح لديمقراطية حديثة باللون الأبيض، وإنجاز رائع له، ذلك عبر منحه تلك المدينة المنشأة حديثا، ميثولوجيا قوية.

 أسلوب مميز

تجد صحيفة "إندبندنت"، بالنسبة لأسلوب نيماير في الابداع المعماري، في تقرير حديث لها، أنه على الرغم من معرفته بالمدرسة الاشتراكية الفنية لحركة ال"باوهاوس"، إلا أنه أدخل عاملا آخر في عمارته، فصله عن أسلوب هذه الحركة، وهو مزجه للحركة الحسية المتأثرة بمدينة البندقية.

وهذا الأمر برأي الصحيفة، أبعده، لاحقا، عن الاتجاه نحو التعبيرات للبناء المستقيم المصقول في الخمسينيات من القرن الماضي، والذي وصل إلى مستوى ممتاز جداً، مع المعماري، فان دير روه، في مبنى "سيغرام" في نيويورك. وتؤكد الصحيفة نفسها، أن فن الباروك، كان مفتاحا لرؤية نيماير المعمارية الناضجة، وبحثه عن شكل من الحداثة التشكيلية الفنية كان قد وجده في إحدى الواجهات في البندقية.

والصورة التي أثرت فيه وألهمت نهجه الفريد من نوعه، كانت واجهة قصر "الدوج" العائد الى القرن الرابع عشر، مع طبقاتها وكذا مزجها الخطوط المستقيمة والمنحنيات الجريئة، إلى جانب قوامها وألعاب خيال الظل فيها. وهذا المثال الوحيد، كان كافيا، ومنه استحضر مبدأ معماريا ممتعا جديدا، كسر قالب التصميم الحداثي المنظم بإحكام. واما عن الازدواجية في إبداعه، فترى أنها كانت واضحة في إدخاله الباروك في بنى الحداثة، بمنحنياته الكبيرة.

وشاشاته الخرسانية المشغولة برشاقة، والصناديق الزجاجية في داخل المظروفات المقسمة بإطارات رفيعة. وأدى صهره الطابعين، الرسمي والغنائي، إلى إفساح المجال لبروز معماريين حسيين حداثيين، مثل: أيرو سارينين. . كما آمن نيماير بمفهوم العمارة الخاصة بالشعوب، ولكن فقط إذا كانت ملهمة حسيا. وقال عن نفسه، إنه عندما يشغله مشروع ما، يمتلكه "الآخر" الفني، وهو شخص لا يحلم بإرث الباوهاوس المجيد، بل يحلم بالجمال والمتعة لا غير.

 بعد مستقبلي

يصل الناقد روان مور، في دراسته لإبداعات نيماير، أنها تجسد نموذجا فريدا في حقل العمارة الجريئة، إذ تبدو المنحنيات الممتلئة في عمارته، في حالة من التوازن، برشاقة وبخفة رهيبة، وكأنها تكاد لا تلامس الأرض أحيانا. لذا تبدو رائعة، نزقة، مرحة، فضاؤها رحب.

وتستجيب لموقعها. وفي برازيليا، تمكن نيماير من إنجاز تصميم صعب، فوقوف الحراس في زيهم العسكري القديم، إلى جانب منحنيات، على شكل نصف مخروط مقلوب، مزج التشريفات مع البعد المستقبلي بشكل غير متوقع.

وفي الريف، شيد فيلات تتدفق خلالها المناظر الطبيعية والخضار، في ساو باولو في مدينة الأعمال صمم كتلاً متينة، الواحدة تدعم الأخرى. كما صمم خلال مرحلة نفيه، بعد أن تولت ديكتاتورية عسكرية السلطة في البرازيل، أعمالاً عظيمة، في بلدان عديدة، بما في ذلك، باريس والجزائر وميلان ولبنان. وتجد صحيفة "إندبندنت"، أن أعظم أعماله، تتضمن: حرم جامعة "قسطنطينة" في الجزائر، مقر الناشرين في ميلان "موندادوري".

لا يتردد مور في التشديد على أنه لا ينبغي أن ينظر إلى تصميم الحركات عند نيماير، كونه تتابع أشكال فحسب، وإنما أيضا لا بد من النظر إلى حركة الناس في التصميم، وكيفية تفاعلهم معه، ومشاركتهم في تلك المسرحية من الحركة المعمارية والإنسانية، مستشهدا بالسلالم المتعرجة في مبنى "ايبيرابويرا" للمعارض في ساوباولو، التي تأخذ الحشود صعودا ونزولا إلى قاعته المركزية في نزهة معمارية رائعة.

 تميز يغطي على السلبيات

لا تقتصر تصنيفات ووجهات النقاد، إزاء أعمال نيماير، على الايجابية، إذ يجدون أسلوبه، أحيانا، يحوز جانبا سلبيا، يتمثل في التضحية بوجهة الاستخدام على حساب الشكل. فمتحف الفنون المعاصرة في نيتيروي، المصمم ك"صحن طائر" على ساق نبتة- خارج ريو، يحتوي أسوأ الفضاءات، طبقا لرأي الناقد مور، خاصة في جدرانه المائلة والمنحنيات والألواح الزجاجية في مواقع غير ملائمة.

وذلك كله، في سبيل إظهار الجانب الفني. وكانت إحدى شخصيات القصص القصيرة، للأديبة راجينا ريدا، قد وصفت بناء الشقق الضخم "كوبان"، في ساو باولو، للمعماري نيماير، أنه "ملائم لالتقاط الصور، لكنه غاية في السوء للعيش فيه".

فالشمسيات الخرسانية الأفقية، التي تضيف كثيرا لدينامية المبنى الخارجي، تأتي على حساب رحابة وأريحية تصاميم الشقق في الداخل. وكذل فإن رؤية المناظر من الداخل، تجري من خلال خرسانة سميكة، لا تمنع نفاد أشعة الشمس. ولكن مور يبين أنه ما عدا ذلك، فإن كل شيء في المبنى رائع، إلى حد يجعلك تنسى سلبياته.

 " قصر الفجر"

طالما بقي نيماير، المعروف بسيد المنحنيات، يردد، على الدوام، انه استلهم منحنياته من جبال بلاده ونسائها، مروجا لمشهد عن البرازيل يتسم بالكسل. وأما أهم أعماله، بحسب الناقد المعماري نيك مارتن، من صحيفة "إندبندنت"، فهي:

 أولا، قصر "ألفورادا" في برازيليا:

يقع المقر الرسمي للرئيس البرازيلي على ضفاف بحيرة "لاغو بارانوا". والاسم يعني "قصر الفجر" وهو مقتبس من قول للرئيس البرازيلي السابق جوسيلينو كوبيتشيك: "ما هي برازيليا إذا لم تكن فجرا ليوم جديد للبرازيل". وكان المبنى الحكومي الأول المقام في المدينة، وأنجز في عام 1958. كما أن القصر لقي اهتماما كبيرا في الفترات اللحقة، إذ جدد واستعاد روعته الأصلية في عام 2004، ذلك ضمن إطار مشروع استغرق عامي، بلغت تكلفته 18.4 مليون دولار.

 ثانيا، مبنى الحزب الشيوعي في باريس:

يمتاز هذا المبنى برونقه المتموج، واستكمل مشروع إنشائه نهائيا، خلال الفترة 1967-1972، في المنطقة الإدارية التاسعة عشرة. وتنازل نيماير عن أجره في المشروع. كما انه صمم مقر صحيفة الحزب "لومانيتيه"، في سان دنيز في فرنسا.

 ثالثا، وزارة العدل في برازيليا:

صمم قصر العدل في العاصمة البرازيلية، في عام 1957، واكتمل بناؤه في عام 1963. وهو المفضل لدى مسؤول الجوائز في المؤسسة الملكية للمعماريين البريطانيين، طوني تشابمان، والذي أشاد بتصميمه الرائع" المتضمن نباتات كثيفة ومناظر طبيعية غير مألوفة". وذلك إلى جانب حديقته المائية، التي صنعها المعماري الاختصاصي في المناظر الطبيعية روبرتو بيرل ماركس. وفي عام 2006 سمي القصر باسم الكاتب، خوسيه بونيفاسيو.

 رابعا، كاتدرائية متروبوليتان في برازيليا:

تعد "متروبوليتان" في العاصمة البرازيلية، من أبرز المباني التي اشتهر بها نيماير، وتتميز بقبتها التي تأخذ شكل تاج من الشوك. وهذا المبنى الذي وضع حجر أساسه في عام 1958، لم ينجز تماما، إلا في عام 1970. ويشتمل على 16 عمودا من الخرسانة يفصل بينها زجاج.

وأما في الداخل، فتوجد منحوتات معلقة فوق صحن الكنيسة بأسلاك من الحديد. وكان قد حاز نيماير على جائزة "بريتزكر" عام 1988 عن هذا المبنى. ويشكل، حاليا، أهم موقع سياحي شعبي في برازيليا. ويصفه تشابمان بالاستثنائي.

 خامسا، متحف نيتيروي للفن المعاصر في ريو:

يبدو هذا المتحف، كالصحن الطائر، في مدينة رويو دي جينيرو. وانتهى مشروع بنائه في عام 1996. ويشرف على خليج غونابارا وجبال سوجارلوف. وكان نيماير قد عمل مع المهندس برونو كونتاريني، على تشييد المبنى، الذي يبلغ ارتفاعه 16 مترا، بقبة قطرها 50 متراً. وتمحورت رؤيته للمتحف، على أساس "ان يكون مرتفعا إلى الأعلى، مثل الوردة أو الطائر". ويقول طوني تشابمان: "المتحف يبدو كأنه سقط من الفضاء الخارجي".

تنبئ سيرة حياة وإبداع أوسكار نيماير، بالتميز المتجاوز أي أطر ومستويات محددة. وهو اشتهر بذلك، في شتى المحافل والامكنة. واختبرت بريطانيا مهارته، في هذا السياق، مرة واحدة، من خلال تصميمه الجناح المعاصر ل"غاليري سربنتاين".

وهذا الجناح الذي صممه عن بعد، تختلف آراء النقاد حوله، فمنهم من لا يراه جديرا بالذكر، بينما يجده آخرون، غاية في الرشاقة المعمارية التي تستحضر في إيقاعاتها وتناسب أشكالها، فكرة العمارة بوصفها ناصعة ودائمة. فالأسلوب الخاطف، وكذا المخطط والمنظور المرسومان على عجل، تشبههما صحيفة إندبندنت، بقدرة ماتيس على إظهار الشكل والحركة القوية، بمجرد تجسيد لمسات محدودة.

 دور بارز

 اختط نيماير، نهجا خاصا به. إلا أن أسلوب عمارته الحسية الفريدة، يتجاوزها في الفردية، حسب اندبندنت، كل من: فرانك لويد رايت، لو كوربوزيه، مي فان دي روه، الفار آلتو، ولويس كان. كونهم اكثر انفتاحا وانتشارا منه.

وترى الصحيفة، أنه في عصر يبحث عن عمارة وفضاءات رائعة، تتداخل التيارات مع النظرة الاستهلاكية والمثل الاشتراكية الغربية، لإعادة تعريف العلاقة بين الناس والمباني، وبين المباني والأماكن. وفي هذا الصدد، وفي خضم تلك التوجهات، طالما كان نيماير شخصية مهمة، لكنها غامضة، في قلب هذه الثورة، وهو ما ميزه عن العظماء الذين أصبحوا معروفين ومشهورين في "الأسلوب الدولي في العمارة".

بطاقة

ولد المعماري البرازيلي، أوسكار نيماير( 1907 - 2012)، في مدينة ريو دي جانيرو. انخرط في المجالات السياسية، والثقافية المتنوعة، إلى جانب توجهه الابداعي البارز في حقل العمارة. وكان قد أنهى تحصيله الجامعي عام 1934، في المدرسة الوطنية للفنون الجميلة في ريو. ووقع في بداية حياته الابداعية المعمارية، تحت تأثير مدارس العقلانية و الوظيفية، وتأثر بشكل خاص، بأفكار وعمارة لوكوربوزييه.

كما اختبر أحداثاً تاريخية كبرى، كالثورة الروسية عام 1917 والحرب العالمية الثانية. ومن ثم انضمّ إلى الحزب الشيوعي البرازيلي مع نهاية الحرب.ونفي إلى أوروبا في عهد الحكم العسكري في البرازيل.

مبنى فريد

صمم نيماير، مباني كثيرة، فريدة ومتميزة، ومن بينها: قصر العدل في العاصمة البرازيلية، في عام 1957، إذ اكتمل بناؤه في عام 1963. وهو المفضل لدى مسؤول الجوائز في المؤسسة الملكية للمعماريين البريطانيين، طوني تشابمان، والذي أشاد بتصميمه الرائع" المتضمن نباتات كثيفة ومناظر طبيعية غير مألوفة". وذلك إلى جانب حديقته المائية، التي صنعها المعماري الاختصاصي في المناظر الطبيعية روبرتو بيرل ماركس. وفي عام 2006 سمي القصر( المبنى) باسم الكاتب، خوسيه بونيفاسيو.

فنون وأفكار

 نجح نيماير، في طبيعة اعماله، بتجسيد رؤى فكرية نوعية ضمن تفاصيل التصميم المعماري، وعكس هذا التوجه، في جملة نماذج إبداعية له، منها في برازيليا، حيث تمكن من إنجاز تصميم صعب، نرى فيه الحراس وهم واقفون ويرتدون زيهم العسكري القديم، إلى جانب منحنيات، على شكل نصف مخروط مقلوب. ولذا مزج التشريفات مع البعد المستقبلي بشكل غير متوقع.

كما شيد في الريف، فيلات تتدفق خلالها المناظر الطبيعية والخضار.

وصمم في ساو باولو، مدينة الأعمال، كتلاً متينة، الواحدة تدعم الأخرى.

 نظرة مغايرة

لا تقتصر تصنيفات ووجهات النقاد، إزاء أعمال نيماير، على الايجابية، إذ يجدون أسلوبه، أحيانا، يحوز جانبا سلبيا، ويتمثل ذلك، في التضحية بوجهة الاستخدام على حساب الشكل.

فمتحف الفنون المعاصرة في نيتيروي، المصمم ك"صحن طائر" على ساق نبتة- خارج ريو، يحتوي أسوأ الفضاءات، طبقا لرأي الناقد روان مور، خاصة في جدرانه المائلة والمنحنيات والألواح الزجاجية في مواقع غير ملائمة، وذلك كله، في سبيل إظهار الجانب الفني.

وكانت إحدى شخصيات القصص القصيرة، للأديبة راجينا ريدا، قد وصفت بناء الشقق الضخم "كوبان"، في ساو باولو، للمعماري نيماير، أنه "ملائم لالتقاط الصور، لكنه غاية في السوء للعيش فيه".

 

طباعة Email