00
إكسبو 2020 دبي اليوم

مفردات الطبيعة.. ملاذ جميل للروح في زحمة الضغوطات

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

دأب الإنسان، منذ القدم، على ترتيب مكان سكنه وتجميله. ومن ثم مكان عمله، لاحقاً، معتمداً، في الغالب، على مقومات الجمال في الطبيعة والبيئة المحيطة. ذلك لما لها من مردود إيجابي مريح، على نفسه وروحه وأحاسيسه، وكذا لانعكاساتها الخلاقة المفيدة في نجاحه بعمله وحسن تعامله مع الآخرين.

 تعد جوانب وسياقات الجمال والنظافة والترتيب والنظام في حياتنا اليومية: في الشارع والبيت ومكان العمل وماهية المأكل وقضاء وقت الراحة والعطلات، مظاهر حضاريّة، تؤشر إلى رقي الإنسان وتطور ذوقه، وتقدمه في مدارج الحضارة والثقافة والفنون.

ويوفر عامل وجود هذه المقومات في المكان الذي يقيم أو يعمل فيه الإنسان، في نمط محاكاة لروحية الجمال والانتظام في مكونات وعناصر الطبيعة من حولنا، ولأكثر من هدف وغاية، مناخاً مناسباً لهدأة نفسه وانطلاق روحه، وكذلك تفرغه الصحيح والسليم للإنتاج المتقن والعمل المثمر، وأيضاً عافية لنفسه وبدنه.

ولا شك في أن الطبيعة، كانت ولا تزال، في هذا السياق، بمظاهرها المختلفة، من أهم ركائز خلق الجمال والترتيب في المكان، وبالتالي، فهي أبرز مقومات إشاعة الطمأنينة والراحة والهدوء، في نفس الإنسان. بل لعلها ملاذ روحه وغاسلة صدئها. كون أنفسنا تلجأ إلى فضاءاتها الرحبة، كلما كثرت حولها الحصارات وتكدست الهموم وتكرست المشكلات، وازداد ضغط العمل، فتستعيد أرواحنا، بها ومن خلالها، نقاوتها وفطرتها وتوازنها وتوثبها.

 الرذاذ الندي

الحقيقة المؤكدة، أن الطبيعة بتلاوينها كافة، كانت وتبقى، الملاذ الآمن والساحر والبهي، لروح الإنسان وأحاسيسه، كلما علا الصدأ كيانه وتكلست عواطفه، فهي خير مزيل لهذا الصدأ. وأفضل كاشح لذاك التكلس. وكذا الوسيلة الأهم لإطلاق رذاذ الندى المنعش والمجدد، في كيانه!!

ولشدة عشق الإنسان للطبيعة، حاول نقل عناصرها إلى مكان سكنه وعمله، وتطريز دروبه وعمارته ومطارح لهوه واستراحاته بها، وذلك عبر جملة من المظاهر والوسائل التي أصبحت اليوم، ملازمة له، حتى وإن وجد سكنه ومكان عمله في المناطق الغنية بمحيط طبيعي، وعلى تماس مباشر بها، كأن يقع هذا المكان بين أحضان الغابات والأحراش، أو فوق تلال ووهاد خضراء، أو على شاطئ بحر أو بحيرة أو نهر، أو وسط حديقة غناء.

 مظاهر ورموز

من عناصر الطبيعة ومظاهرها التي يُدخلها الإنسان إلى أماكن إقامته أو عمله، أصص الورود والأزهار ونباتات الظل القادرة على الحياة في الأماكن المغلقة، كالغرف والصالونات والأشجار القزميّة وباقات الورود، التي تأخذ طريقها إلى المزهريات، لتسكن إلى جواره، بضعة أيام.

ومنها أيضاً، تلك الورود التي يجففها أو يقلدها، ثم يطرز بها أركان بيته وعمله. وربما يلجأ الإنسان، أيضاً، إلى إقحام الأشجار والنباتات المتسلقة، في عمارته. فيقوم بزرعها في الصالونات والفسح، داخل المبنى أو فوق سطحه أو في الشرفات.

وحتى على واجهاته بدأت النباتات تتسلق، محولةً البيوت والعمائر، إلى ما يشبه الحدائق المعلقة، وكل ذلك كي يشعر الإنسان بقربه من الطبيعة وتواصله مع عناصرها، واستحواذه على جمالياتها التي لا تذبل ولا تشيخ ولا يُمل منها، كونها دائمة التجدد والتبدل والنمو والتلون، تماماً كما الحياة، في صعودها وتجددها الدائم.

 اهتمامات

تتباين اهتمامات الشعوب وتختلف، في طرائق وأساليب إدخال مفردات الطبيعة وعناصرها، إلى منازلها وأماكن عملها. فالألمان مغرمون، بتزيين نوافذ منازلهم بأصص الزهر، وطاولاتهم بالمزهريات والشموع. والعرب يميلون إلى إدخال العرق الأخضر، إلى أماكن عيشهم.

وكذلك إلى مكاتب العمل، حيث صارت أصص النباتات مظهراً مألوفاً في هذه الأماكن. واليابانيون برعوا في تفننهم بطرائق تقديمهم للأشجار القزميّة والأغصان والورود والأزهار في منازلهم وأماكن عملهم، وذلك بوساطة أصص وتشكيلات فنيّة مبتكرة وجميلة، وبصيغة عُرفت باسم (إيكيبانا)، وهي طريقة خاصة بعملية تنسيق الزهور، تترجم ما يشعر به اليابانيون تجاه حيويّة النباتات الساكنة، وكلماتها غير المسموعة.

 «الإيكيبانا»

الغاية الأساسيّة، لطريقة تنسيق الزهور بأسلوب "الإيكيبانا"، القيام بقطف النباتات والزهور من الطبيعة وتنسيقها بطريقة مبتكرة تجعلها تنم عن نمط جمالي ومبتكر، ضمن بيئتها الجديدة، من خلال تكوينات فراغيّة وأشكال بديعة، تعكس قوى وجمال ولطافة وعذوبة الطبيعة، عبر استخدام رموز وعناصر مأخوذة منها، ومن ثم تنسيقها بشكل متوافق ومنسجم ومتآلف.

 فالفروع المنحنيّة في تشكيلات (الإيكيبانا) توحي، كما يعتقد اليابانيون، بالرياح التي أمالتها. والفروع المنبثقة بقوة، تدلل على إرادة الحياة. كما أن تجاور النباتات اليابسة مع النباتات الخضراء، توحي بحواريّة الموت مع الحياة، وغير ذلك من الرموز والدلالات التي يتماهى فيها، المعنى الفلسفي بالمظهر الجمالي.

انتشرت طريقة (الإيكيبانا) في تنسيق الزهور والنباتات، في أرجاء اليابان كافة، ثم خرجت إلى أنحاء العالم المتبقية، وصرح بعض العاملين في حقولها، أنهم يأملون في أن تسهم طريقتهم هذه، بتقريب أحاسيس شعوب العالم من بعضها البعض، لأن هذا النوع من الفن، كغيره من فنون اليابان المختلفة، يعمل على نقاء الروح وازدهار الحياة اليوميّة وإعانة النفس البشريّة، وكذلك على بلوغ السعادة الحقة.

 "الأشجار القزمية"

ومن الابتكارات اليابانيّة الجميلة واللافتة، في أسلوب إدخال الطبيعة، إلى البيوت ومكاتب العمل (الأشجار القزميّة) التي تأخذ شكل الشجرة الكبيرة وهيئتها وألوانها وأغصانها وأزهارها وثمارها، رغم أنها تنبت في أصص صغيرة، أو آنيّة خزفيّة جميلة لا يتجاوز حجمها صحن الطعام العادي، بهدف إدخالها إلى كل ركن في المنزل أو المكتب. وبالتالي، الإيهام بوجود الطبيعة فيها، من خلال رمزها الأهم والأبرز (الشجرة) الحراجيّة أو المثمرة.

الفن والطبيعة

 

يمثل الإلحاح الدائم من قبل الإنسان، على نقل مفردات الطبيعة وعناصرها، إلى المنازل والمكاتب وأماكن العمل والاستراحات وقضاء العطل، نزوعاً جمالياً فريداً، يلتقي مع نظيره القديم الجديد لزخرفة أدواته وتزيين مسكنه ومكان عمله، وكذلك ترتيب مكتبه واقتناء الأثر الفني التشكيلي من لوحة ورسمة وتمثال ولوحة ومحفورة مطبوعة وقطعة خزف، أو صورة ضوئيّة أو عبارة مسطرة بخط جميل، وذلك ضمن إطار من الزخارف النباتيّة والهندسيّة البديعة، للهدف والغاية نفسيهما.

هذا التلازم بين مفردات الطبيعة وعناصرها، وبين الأعمال الفنيّة، متنوعة المواد والخامات والأشكال، يؤكد سعي الإنسان الدائم، لإيجاد ملاذ آمن وجميل لروحه، ووسيلة شحن لأحاسيسه وعواطفه.

وطريقة لتحقيق توازنه المادي والمعنوي الذي أصابه الخلل، بتأثير نزعة الاستهلاك وتطور التكنولوجيا ودخولها في كل مرفق من مرافق هذه الحياة، ما أدى إلى وقوعها في براثن برودة قاتلة، انساحت من التطور العلمي المدهش والمتسارع، لتطال الأدوات الاستعماليّة كافة في حياة الكائن البشري.

ومن ثم، طاولت أحاسيسه وعواطفه وحاصرت روحه، وأدخلت جسده في حالة مرضيّة من العادة والتعود والتكرار، تحوّل معها، إلى كائن مدجن من قبل الآلة، أو تابع صغير لها، يعمل لخدمتها، بدل أن يكون العكس هو الصحيح.

كل هذا تحوّل إلى نوع من الرماد، هطل فوق جمر أحاسيسه وتوقدات عواطفه، فبات يحتاج معها، بين الحين والآخر، إلى ريح تكشحه (الرماد)، ليتوهج الجمر وتشتعل العواطف. وهكذا فإن الطبيعة والفنون، خير موّلد لهذه الريح.

تولي وسائل الإعلام، والمواقع الالكترونية المختلفة، إلى جانب مجموعة من الجهات المعنية، أهمية كبيرة، لقضية تميز فنون تنسيق وتصميم نباتات الزينة، وكذا العناية بها، محيلة ومرجعة سبب ذلك، إلى دورها في إضفاء الراحة النفسية، في المنزل والعمل.

ومن بين أنماط هذا التوجه، نلاحظ تركز موقع الموسوعة الحرة "ويكيبيديا" الالكتروني، على إدراج تفاصيل موسعة ووافية، حول أنواع نباتات الزينة، وأفضل سبل رعايتها، وكذا فوائدها. وغير ذلك الكثير. وذلك من دون أن تغفل الإشارة إلى رونقها الجمالي في تكوين الديكور الداخلي، لافتة إلى أنها من أجمل عناصره، في المنازل والمكاتب.

ويدرج الموقع، المراحل والخطوات السليمة لزرع نباتات الزينة، ومنها: اختيار النباتات، كيفية فحص النباتات، اختيار أواني الزراعة، ري نباتات الزينة، طرق زراعة النباتات ورعايتها، متطلبات النبات من ضوء وحرارة ورطوبة وتسميد، تنسيق الزهور، سمات الأصص والأحواض وميزات كل منها.

16

تحوز مشروعات الزينة عبر توظيف عناصر الطبيعة، في الإمارات، مكانة مهمة، إذ تلقى أقبالاً واهتماماً بالغين، على الصعيد الرسمي والشعبي العام. ويتجسد ذلك من خلال مشروعات الحدائق العامة، وكذا الحدائق الخاصة، ما نجده من أشكال زينة نباتات، ضمن المكاتب والمنازل.

وتعد مشروعات عمل زينة النباتات الطبيعة، ذات أولوية لدى الجهات الأكاديمية والحكومية المتخصصة. ونجد، في هذا السياق، أن كلية الأغذية والزراعة في جامعة الإمارات، أطلقت، أخيراً، أول مشروع من نوعه للزراعة المحمية، تنفذه طالبات مواطنات، قمن بزراعة ثلاثة بيوت بلاستيكية تابعة للقسم، مستخدمات بعض محاصيل الخضروات ونباتات الزينة وبنجاح كبير.

وبحسب رئيس قسم زراعة الأراضي القاحلة في الكلية، الدكتور إبراهيم بلال، اشتمل المشروع على زراعة مجموعة من أصناف نباتات الزينة، مثل: الصباريات، اشنطوني، القفص الصدري، جلد النمر، الجهنمية، نباتات الزينة الأخرى المتسلقة وغيرها من النباتات الأكثر مواءمة مع ظروف البيئة المحلية- ذات الجدوى الاقتصادية.

 «الحديقة الغناء»

صاغ شعراء، كثر عذب الكلام، في وصف تأثيرات نباتات الحديقة، في النفس، وما تبعثه من أحاسيس ومشاعر مريحة. ويتقدم هؤلاء، الشاعر الإماراتي مانع سعيد العتيبة، في قصيدته "الحديقة الغناء"، ومن ما يقول فيها:

 جنة في حضن وادي لم أطق عنها ابتعادِ

كل يوم التقيها واشتياقي في ازديادي

أملأ العينين منها بجـمـال غير عادي

فهنا الفردوس حقاً شاءه رب العبادي

شجر من كل نوع ما تولته الأيادي

ظله الوارف يدعو لجلوس وامتداد

وبه العشب فراشي والزهيرات وسادي

وعلى الأغصان طير أعذب الألحان شاد

ويسيل الجدول الرقراق ما بين الوهاد

منشداً أحلى الأغاني وهو يمضي في عناد

فإذا ولى شتاء وأتى فصل الحصاد

وغدا الوادي مزاراً لكريم وجواد

فظباء راتعات صعبة في الاصـطياد

ذا إلى القمة يسعى بنشـاط واجـتهاد

 وذاعت، كثيراً، شهرة حدائق متنوعة، لأدباء وشعراء كثر، في العالم العربي وعلى الصعيد الدولي. كما قدم شعراء عديدون، مجموعات رقيقة، تحاكي في مسمياتها، زينة الطبيعة في البيت والحديقة. ومثل ذلك مؤلف الشاعر السعودي الراحل، الأديب غازي القصيبي: "حديقة الغروب". ومن ما تضمنه:

 أيا رفيقة دربي لو لدي سوى

عمري. لقلت فدى عينيك أعماري

أحببتني وشبابي في فتوته

وما تغيرت والأوجاع سماري

منحتني من كنوز الحب أنفسها

وكنت لولا نداك الجائع العاري

ماذا أقول؟ وددت البحر قافيتي

والغيم محبرتي والأفق أشعاري

إن ساءلوك فقولي: «كان يعشقني

بكل ما فيه من عنف.. وإصرارِ

وكان يأوي إلى قلبي.. ويسكنه

وكان يحمل في أضلاعه داري»

وإن مضيت.. فقولي: «لم يكن بطلاً

لكنه لم يقبل جبهة العار».

 جماليات لاتشيخ

 يلجأ الإنسان، أيضاً، إلى إقحام الأشجار والنباتات المتسلقة، في عمارته. فيقوم بزرعها في الصالونات والفسح، داخل المبنى أو فوق سطحه أو في الشرفات. وحتى على واجهاته بدأت النباتات تتسلق، محولةً البيوت والعمائر، إلى ما يشبه الحدائق المعلقة.

وكل ذلك كي يشعر الإنسان بقربه من الطبيعة وتواصله مع عناصرها، واستحواذه على جمالياتها التي لا تذبل ولا تشيخ ولا يُمل منها، كونها دائمة التجدد والتبدل والنمو والتلون، تماماً كما الحياة، في صعودها وتجددها الدائم.

 دور و قيمة

تولي وسائل الإعلام، والمواقع الالكترونية المختلفة، إلى جانب مجموعة من الجهات المعنية، أهمية كبيرة، لقضية تميز فنون تنسيق وتصميم نباتات الزينة، وكذا العناية بها، محيلة ومرجعة سبب ذلك، إلى دورها في إضفاء الراحة النفسية، في المنزل والعمل.

طباعة Email