00
إكسبو 2020 دبي اليوم

متحف باردو التونسي

فضاء ثقافي وترفيهي في حضن التاريخ

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

حلة ورونق جديدان، يزهو بهما مبنى المتحف الوطني التونسي في ضاحية باردو، غرب مركز العاصمة التونسية. إذ يشمخ بصرحه الغني بالدلالات والقصص، في محاذاة مقر المجلس الوطني التأسيسي.. وما بين عامي 1888 (سنة تأسيسه) و2012، لا اختلاف أبدا في طبيعة الجانب المضموني في هذا المعلم الوطني الذي يعد أكبر متاحف تونس وأعرقها، وكذا أكثرها استقطاباً للزائرين، سوى في اغتنائه المتتابع. وبذا فإنه يبقى، كما أريد له، عنواناً بارزاً على صعيد حفظ مكونات ومفردات الذاكرة الحضارية والفكرية والثقافية، للبلاد.

أسس المتحف على يد الملك علي باي بن الحسين، الذي حكم تونس، في الفترة ما بين عامي 1882 و1901. إذ قرر إنجاز متحف أطلق عليه اسم «المتحف العلوي»، يقع ضمن أحد أجنحة القصر الصغير، الذي بني على الطراز التونسي الأندلسي، ليكون قصرا لحريم الأسرة الحسينية الحاكمة، بمقتضى أمر من الملك الحسين بن علي، مؤسس الدولة الحسينية وملك البلاد، في ما بين العامين 1705 و 1737.

 

مقومات

لا يزال متحف باردو، والى اليوم، يتسم بطابع فخامة ورونق أبّهة وجمال يحاكيان حال القصور الملكية. وحافظ على ألقه بشكل مستمر بفضل مقومات التجديد فيه، علاوة على الترميمات والتحسينات المتعددة والمختلفة، عليه، خلال القرن الماضي، بهدف جعله يتسع للكنوز الأثرية التي كانت تكتشف، حينها، من قبل فرق التنقيب والبحث عن الآثار، وكذلك بفعل تزايد عدد زائريه، من التونسيين والاجانب.

يمثّل المتحف الوطني في ضاحية باردو التونسية، أهمّ وأكبر المتاحف التونسية، والتي يبلغ عددها 37 متحفاً، موزعة على مناطق البلاد. كما أنه يحتوي على أكبر مجموعة من لوحات الفسيفساء في العالم، إضافة الى تضمنه مقتنيات ثمينة تعود الى فترات ما قبل التاريخ، وكذا إلى العهود الليبية القديمة والفينيقية والبونية والرومانية والوندالية والبيزنطية والإسلامية، وغيرها من العهود والحضارات التي مرت في تونس.

 

تاريخ «إفريقيّة»

تحكي مقتنيات المتحف عن تاريخ تونس، والحقب والحضارات التي مرت بها وعليها، إذ كانت تسمى خلال العهد الروماني، أفريكا. ومن ثم عرّب المسلمون الاسم ليصبح «إفريقيّة»، وهو الاسم الذي أصبح يطلق، في ما بعد، على القارّة السمراء، بشكل عام.

يحتوي متحف باردو آلاف القطع الأثرية الثمينة التي عثر عليها خلال حفريات عرفتها البلاد، في القرنين 19 و20، وهي مجمعة ضمن أقسام عديدة، تتوزع على أكثر من 50 قاعة ورواقا للعرض، لتعطي صورة متكاملة عن الحضارات التي مرّت بتونس، بدءا من عصر ما قبل التاريخ، والى أواسط القرن العشرين، وهي حسب الترتيب: ما قبل التاريخ، العصر البوني، العصر الليبي، العصر الفينيقي، العصر الروماني، المسيحي القديم. فالمرحلة الوندالية والبيزنطية، ثم العهد الاسلامي، والذي يمتد الى غاية اليوم.

 

كنز فني

اكتسب المتحف الوطني، شهرة عالمية، بسبب احتوائه على مجموعة من لوحات الفسيفساء، هي الأكبر والاثرى والاجمل، على الصعيد الدولي. ومن أبرزها، لوحة الشاعر فرجيل محاطاً بربّات الفن، والتبليط الذي يمثّل ديونيزوس وهو يهدي الكرم الى إيكاروس، أو ذلك الذي يشيد بانتصار نبتون.

وتصور لوحة فرجيل، الموجودة في المتحف، والتي بلغ طولها 1.4 متر، بعرض 1.38 متر، الشاعر الروماني فرجيل وهو بصدد قراءة الانياذة (ملحمة فرجيل) امام الامبراطور أوغيست. ويبدو فرجيل فيها، مرتديا جلبابا ابيض مطرزا ومحاطا بملائكة الالهام، ويحمل في يديه رقاً كتبت عليه أبيات من الانياذة، وتحديدا الثامن: «يا ملائكة الإلهام ذكريني لأي سبب قولي لي لأي انتهاك للحقوق المقدسة...».

وثبت عبر أبحاث علمية تاريخية عديدة، أن لوحة الفسيفساء لفرجيل، تلك، تمثل الصورة الأقدم للشاعر، كما أنها الاقرب شبها به، وعثر عليها عام 1896، في موقع ضمن حضرموت القديمة (سوسة حالياً). وتمثل إنياذة فرجيل، ملحمة شعرية تعود الى القرن الاول قبل الميلاد، إذ يصور فيها الشاعر، الحياة الاسطورية لإنياس الطروادي الذي فر غربا إلي الأراضي الرومانية، بعد حرب طروادة، وهو من تعتبره الميثولوجيا، أب الرومان.

 

آثار من عصور مختلفة

يحكي الطاهر بن غالية، مدير المتحف، عن طبيعة محتوياته، وقيمة ما يتضمنه من آثار ومقتنيات، فيقول: «إن المخزون الكبير من لوحات الفسيفساء في المتحف الوطني في تونس، متأتّ عن كون مخزون العمران كان كبيراً في البلاد، عبر التاريخ، وكذلك تميزت المعالم بأنها كثيرة ومتنوعة. كما أن سكّان المنطقة، كانوا عموما، يتقنون هذا الفن، وهو ما جعلهم يبدعون لوحات خالدة وفائقة الجمال، غدت تمثل، حاليا، مرجعا مهما في دراسة وفهم طبيعة الأيديولوجيا والتفكير في ذلك العصر، وذلك فضلا عن تجسيدها طريقة العيش في تلك الحقبة التاريخية، وتغطي هذه اللوحات (عددها بالآلاف)، مساحة تعادل الخمسة آلاف متر مربع».

 

«هارمايون»

يبرز من بين أهم مقتنيات المتحف، معلم «هارمايون»، والذي يعود الى العهد الموستيري ( 40 الف عام قبل الميلاد). ويعد من أول أشكال التعبير الروحاني لدى البشرية، وهو عبارة عن كدس مخروطي الشكل، يبلغ طوله 75 سنتيمترا، بعرض 1.5 متر. ويتكوّن من 4000 قطعة من الصوّان و العظام والأكر الكلسية. كما يصادف زائر المتحف، لقى ومقتنيات فريدة، تعود إلى العهد البوني، ومنها: درع من الذهب المصمت لمحارب من كمبانيا، أصناف من الحلي، لوحة تصوّر كاهنا يحمل طفلا ليقدمه قربانا، أثاث جنائزي من عدة دول متوسطية( تتشكّل منه المجموعات المصرية واليونانية في المتحف).

وتتميز المجموعة اليونانية في المتحف، بأنها تمثل كنزاً أثرياً نادراً في قيمته ومستوى أهميته. وعثر عليها في عقد الاربعينيات من القرن العشرين، قبالة شاطئ مدينة المهدية الساحلية، في حطام سفينة أغرقتها عاصفة خلال القرن الاول للميلاد، ذلك بينما كانت تحمل على ظهرها أثاثا، وعناصر معمارية لمنزل من منازل الأشراف في العهد الهلينستي، ومن بين تلك العناصر: تمثال (أغون) البرونزي الذي يبلغ طوله 1.20 مترا.

وأما قسم العصر الروماني في المتحف، فيضم لوحات الفسيفساء والتماثيل والأواني الفخارية والحلي والقطع النقدية، وأيضاً مستلزمات العبادة والأثاث. وكل ما كان يعتمد ويستخدم في الحياة اليومية وفي ميادين القتال.

 

مخطوطات

تتنوع محتويات القسم الإسلامي ضمن المتحف الوطني، إذ نجدها تشتمل على باقة غنية وجاذبة من المخطوطات والحلي والمنحوتات الحجرية والخشبية، وغيرها. كما تحتوي إحدى غرف المتحف على مستلزمات الشعائر والطقوس الدينية اليهودية. وتتضمن غرفتان صغيرتان، فيها، وحول صحن أنيق، مجموعة أمتعة كانت على ذمة الأسرة الحسينية المالكة.

 

إعادة تهيئة

استمر المتحف يشهد رعاية واعتناء نوعيين، من قبل جهات كثيرة. إلا ان قيمة كبيرة وسمت نوعية الرعاية والتجديد اللذين نالهما، أخيراً. إذ افتتح في 25 يوليو الماضي، في مناسبة الذكرى الخامسة والخمسين لإعلان الجمهورية، عقب إنجاز مشروع التهيئة الخاص به، الذي انطلق في العام 2009، بأمر من الرئيس السابق زين العابدين بن علي.

وتندرج أشغال التهيئة والتوسعة التي شهدها هذا المعلم التاريخي، ضمن خطة متكاملة، تهدف إلى توفير مزيد من العناية بالتراث الوطني، وصيانة المعالم الأثرية الوطنية، بما يدعم السياحة الثقافية لتونس، والتي كانت قد أطلقت في العام 2007، برنامجا نوعيا، تسعى من خلاله إلى تنويع ركائز صناعة السياحة، خصصت له مبلغ 27 مليون دولار، ذلك في اطار خطط متكاملة لإحياء التراث الثقافي، وتحديث المتاحف ودعم السياحة الثقافية، بالتعاون مع البنك الدولي. ومن بين المواقع والمتاحف التي اهتم بها مشروع ادارة واحياء التراث الثقافي، متحف باردو (المتحف الوطني)، المصنف ضمن المتاحف العالمية، عبر توسعة مساحته من خلال مسالك مؤمنة ومحددة ومهيأة حسب المعايير الدولية، إضافة إلى تخصيص بهو استقبال يتسع لألفي زائر، وتركيب مصعد كهربائي لتسهيل زيارة الطوابق العلوية.

وجرى مضاعفة القطع الأثرية المعروضة في المتحف، لتصل الى ثمانية آلاف قطعة، مع زيادة عدد لوحات الفسيفساء.

 

2800 زائر يومياً

تضمنت خطة إعادة تهيئة المتحف، جملة جوانب مهمة في صالاته وأروقته وتجهيزاته. كما أضيفت أقسام جديدة، وأدخلت تحسينات فارقة، وأطلقت مشروعات أشغال على التحسينات القديمة، من أجل إبراز المخزون الحضاري لتونس عبر مختلف العصور والحضارات التي تعاقبت عليها. وتبدى جليا، أن المساحات الإضافية، سمحت في تزويد المتحف بمجموعة من المرافق، حيث أحدثت عمليات التجديد فضاءات حديثة، متناغمة مع العمارة القديمة للقصر، بما يتيح إبراز المجموعات المتحفية الثرية للمتحف، عبر إضاءة تستجيب للمعايير الدولية، وتسهم في إبراز المعروضات بشكل مميز.

ويعكس المتحف في ثوبه الجديد وطرق العرض الحديثة، المعتمدة، ثراء التراث التونسي وتنوّعه، حيث خصّصت ستّة أجنحة، تهتم حصريا بفترة ما قبل التاريخ والفترة البونية والحضارة النوميدية.

كما خصّص جناح كامل للكنز اليوناني المستخرج من أعماق البحر، في عرض سواحل المهدية. وأفرد آخر مماثل له، لمقتنيات وآثار الفترة العتيقة والعصر الإسلامي.ويمثّل الصّحن الرئيسي للمتحف، المزدان باللوحة الفسيفسائية الضخمة:» انتصار نبتون»، مركز الاستقبال والاستعلام المفتوح لكافّة الزوّار. وهو قادر على استقبال 2800 زائر في الوقت نفسه.

وتحول المكتبات والمحلّات التجارية والمعارض الوقتية والمكتبة متعدّدة الوسائط، في المتحف، إلى جانب الورشات التعليمية الموجودة ومسارات الزيارة الواضحة الموضوعة على ذمّة الزوّار، إلى فضاء ثقافي متكامل.

ويشرح مدير المتحف، الطاهر بن غالية، في هذا السياق، أبرز ملامح الإضافات النوعية في المتحف: «زود المتحف بأجنحة جديدة ليصبح بناؤه بذلك، ممتداً على مساحة 23 ألف متر مربع، عوضا عن 13 ألف متر في السابق». وأشار إلى أن كلفة هذه الأشغال، بلغت حوالي 23 مليون دينار (حوالي 17 مليون دولار أميركي)، موضحا ان أهم الأجنحة الجديدة للمتحف: «قاعة اليهودية» التي تبرز جوانب حيوية من التراث اليهودي التونسي عبر التاريخ.

وكذلك الجناح الإسلامي الذي أغني بقطع أثرية جديدة، تختزل ثلاث محطات تاريخية، وهي: القيروان أول عاصمة إسلامية بالمغرب الإسلامي، «المهدية « عاصمة الفاطميين الذين أسسوا أول دولة شيعية في المنطقة قبل انتقالهم الى مصر، مدينة تونس من خلال الخزف والنقوش الحفصية. كما يضم المتحف، أيضا، بفضل هيئته المحدثة، قاعات للمحاضرات والتنشيط، ومطعماً وعدة مرافق مهمة.

 

الأجنحة القديمة

تبقى الأجنحة القديمة في المتحف، عنوانا لا يخفت بريقه، إذ نجدها تحفظ ملامح جاذبيتها، وتبرز وهي تحتل مساحات اكبر، متصفة بمستوى جودة عالية في مجال العرض، من خلال الإضاءة وتصاميم الواجهات، ذلك على غرار: جناح «ما قبل التاريخ»، الجناح «الفنيقي البوني»، الجناح «الروماني». ويفاجئ الأخير الزوار بإطلالة جديدة، عبر لوحة «فسيفساء سوسة «، وهي من أكبر اللوحات المعروضة في العالم، اذ تبلغ مساحتها 130 مترا مربعا، وتزن أربعة أطنان. وتعود إلى أسطورة النصر لـ «نبتون» إله البحر، الذي كان يحمي مدينة حضرموت (سوسة حاليا) في القرن الثالث للميلاد.

 

خطة ترويج عالمي

يبين مدير المتحف انه، وعلى المستوى الدولي، أخذ بخطة عمل محكمة، إذ اعتمدت، في إطار التشجيع على السياحة الثقافية جمعية عالمية لمتحف باردو، مقرها باريس، وتضم نخبة من المثقفين ورجال الأعمال التونسيين المهتمين بالتراث الوطني، بغرض توسيع إشعاع المتحف، عبر العمل على احتضانه لمعارض دولية كبرى. و

يختم بن غالية مشددا على أن ترسيخ ثقافة المتاحف، يستوجب تقريب الإطار المكاني في حد ذاته، من الأفراد، ولاسيما الناشئة، لتهذيب تصوراتهم ومخيلهم الطفولي، ملمحا في هذا الشأن إلى فكرة إنشاء «القسم المتحفي» التي أطلقها سنة 2009، والمتمثلة في تقديم دروس للتلاميذ ضمن المتحف، بالتنسيق مع وزارة التربية، إلا أن هذا المشروع لا يزال قيد الدراسة. فالمتاحف حسب رأيه، تبقى تلك الواجهة للهوية الثقافية.

وكذلك يظل الازدهار الثقافي، رهين توجهات فكرية وسياسية تؤمن بقدرة الفنان والمؤرخ والباحث، على التغيير والتأثير في المجتمع، على حد قوله، سواء في صميم عملية الإبداع او في عمليات البحث او التأريخ للوقائع، فكل باحث او مبدع، سيكون في يوم من الأيام، برأيه، مسؤولا وشاهدا على عصره.

 

آثار وقصص

تتميز المجموعة اليونانية في المتحف، بأنها تمثل كنزاً أثرياً نادراً في قيمته ومستوى أهميته. وعثر عليها في عقد الاربعينيات من القرن العشرين، قبالة شاطئ مدينة المهدية الساحلية، في حطام سفينة أغرقتها عاصفة خلال القرن الاول للميلاد، ذلك بينما كانت تحمل على ظهرها أثاثا، وعناصر معمارية لمنزل من منازل الأشراف في العهد الهلينستي.

 

50 قاعة ورواقاً

يحتوي متحف باردو على آلاف القطع الأثرية الثمينة التي عثر عليها خلال حفريات عرفتها البلاد، في القرنين الـ 19 و20، وهي مجمعة ضمن أقسام عديدة، تتوزع على أكثر من 50 قاعة ورواقا للعرض، لتعطي صورة متكاملة عن الحضارات التي مرّت بتونس، بدءا من عصر ما قبل التاريخ، والى أواسط القرن العشرين.

 

قيمة

يمثّل المتحف الوطني التونسي في باردو، أهمّ و أكبر المتاحف التونسية التي يبلغ عددها 37 متحفا موزعة على مناطق البلاد ، ويحتوي على أكبر مجموعة من لوحات الفسيفساء في العالم، إضافة الى مقتنيات ثمينة تعود الى ما قبل التاريخ والى العهود الليبية القديمة والفينيقية والبونية والرومانية والوندالية والبيزنطية والاسلامية، وغيرها من العهود والحضارات التي مرت بتونس.

طباعة Email