00
إكسبو 2020 دبي اليوم

حكايات مديرين بلا إدارة

زمن لال المسرحي وكوتي يكتب مذكراتــــــــــــــــــه

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

في الأعمال الفنية والأدبية، يبقى البريق للنجوم الذين يظهرون في دائرة الضوء. وأما خارجها، أو ضمن ما نطلق عليه: خلف الكواليس، فهناك بشر فاعلون وعناصر مهمة، لعلهم الميكانيزم المنظم والمحرك لعجلة إنجاز الإبداعات تلك، ومن ثم تتويج العملية بالنجاح في ظهورها الواثق إلى النور.. ولكنهم مهملون لا ينالون حقهم، إذ يحدث أننا في كثير من الأحيان، لا ننتبه أو نفطن للنظر بعين التقدير إلى من يقومون بتلك الأدوار وتناط بهم هذه المهام.

وغالباً ما نجد أنهم فعلياً، لا يحتلون جزءاً ما من ذاكرتنا، ولكن ذاك لا يمكنه، وفي أية حال، أن يقلل من أهميتهم وقيمتهم بشكل يجعلنا ننظر إليهم على أنهم هامشيون، كما هو حادث، في سياق وسيرورة ظاهرة طاغية وغير حبيسة مكان ما، غدت تتضاعف في وتيرتها وألوانها، في أعمال مختلفة، ولدى جهات متنوعة.

ذكريات ومواقف كثيرة تحضرني في خصوص تلك الظاهرة التي قدمت الإشارة إليها. وتطفو على السطح، وببروز، حادثة صادفتني في هذا الصدد، حين كنت أعمل مديراً لإدارة لمسارح والفنون الشعبية في وزارة الثقافية العراقية، في السبعينيات من القرن الماضي.

وكان يتبع للإدارة ضمن البصرة، العديد من الفرق المسرحية والفنية الشعبية، النشطة والمتحفزة، وبذا كان جدول برامج الإدارة، مزدحماً وكثيفاً، بفعل تنوع الفعاليات وكثرتها.

ولم يك ذاك النشاط خالياً من وجهة التنظيم المحكم، بطبيعة الحال، إذ استمرت البرامج المقررة في السير بترتيب وتنسيق فريدين، بفضل جهود مفصلية منبعها محور حيوي لجميع تلك المبادرات، آنذاك، يتمثل برجل صامت لم نك نشعر بتعبه، أو تفانيه اللامحدود، إلا بعد أن يبلغ الإنهاك منه درجة الذروة، إذ نقرأ ذاك في عينيه.. لا بل إن أحداً منا لم يعرف اسمه الفعلي، فجميعنا بقي يناديه: أبو ضياء..

إن هذا الرجل جسد مثالاً لامعاً لنموذج من هم أبطال العمل الفني الذين يقبعون خلف الكواليس. لم نحس يوماً بأنه عابئ بانتظار أي مقابل، أو نجده يبادرنا بطلب تلبية حاجة ما يبغيها..

فقط كان أبو ضياء يوفر متطلبات الأعمال الفنية والشخصية لنا، من دون أن يعنى أي منا بتأمين احتياجاته الإنسانية. وطبعاً لم يك ليفوتني تماماً، الاعتناء بحاله واستدراك ما هو واقع بحقه، وحينها كنت أجده، وفور سؤالي عن متطلباته، البسيطة فعلياً، ينهال عليّ بعبارات الشكر والعرفان، النابعة من الأعماق.

 

خبير متمرس

عملت في مسرح الشارقة الوطني، بعد قدومي إلى الإمارات، كمدير فني ومخرج متفرغ. وكان أن فوجئت خلالها، أن جميع ما أطلبه من زملائي، يحوّل إلى فرّاش المسرح لال. ومن ثم قرأت اسمه مكرراً في "بروشورات" المسرح، جميعها، تحت اسم :"مانيا لال".

يعيش لال، الآن، وكما يقال ويتردد، في الولايات المتحدة، بعد أن تحصل على الجنسية الأميركية. إلا أن ذكراه هنا، لم تغب ولا يمكن أن تفعل، فحين تسأل عنه أي مسرحي في الإمارات، عمل أثناء عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الـ20، ستلمس في الإجابة مدى أهمية ما قام به هذا الشخص من خدمات، للمسرح عموماً، ولمبدعيه بنسبة غالبة، كل على حدة.

ففي الإجابة عن أعمال لال سيحدثك كثيرون عن مدى تفانيه وإخلاصه وحسن تدبيره، فهو من استمر يتجشم أعباء مهام تحتاج كوادر عمل كثيرة، مدربة ومؤهلة.

فالاحتياجات الخاصة بمسرحية جار التحضير لها، توكل، حينها، إلى لال، والذي لم يك ليحار أو يتذمر إزاء ذلك، فهو الخبير المتمرس والمتمكن في السوق، وبذا لا يغيب كثيراً حتى يؤمن كافة تجهيزات ومعدات أي عمل مسرحي جديد.. وفعلياً، كان لال لا تقتصر مهامه في هذا الخضم، على تأمين المتطلبات، فكثيراً ما لعب دور المستشار الفاعل لمخرج العمل، فيشاركه الرأي ويقدم له النصيحة حول المعدات الأنسب في ما يحتاجه.

نشاط دائم وتخصص شامل

كان لال حاضراً بقوة في يوميات "الشارقة الوطني"، إذ تبدأ نهاراته في المسرح، مع كل صباح، ولا تتوقف حركته أو يُعلن انتهاء تأهبه، إلا بعد منتصف الليل، وطوال تلك الأوقات كنت تراه لولباً متحركاً، لا يكل أو يتوقف عن الحركة بنشاط، ففي أي اتجاه أو ركن أو حقل عمل يمس تأمين احتياجات الاشتغال المسرحي ضمن "الشارقة الوطني"، لا بد وأن تجده من يتولى إدارة دفة العمل، كون لال هو عملياً، طاقم..

أو أطقم العمل في جميع المجالات بذلك المكان.. فهو سائق الباص عندما كنا نحتاج أن نقل الممثلين ليحضروا إلى مقر المسرح بغرض انجاز البروفات، وكذا من يقود سيارة الـ(بيك آب) في الحالات التي تتطلب منا نقل بضاعة ما من السوق، إلى قاعة إفريقيا. أ

و جلب قطع الديكور، إلى ومن، قاعة إفريقيا، عند البدء بعرض ما. كما أن لال هو من كان يتابع مراحل العمل في التجهيز لعرض ما، وبذا درج على تولي مسؤوليات الاتصال بالنجارين المعنيين بتركيب الديكورات المسرحية، وأيضاً، الإشراف على أعمالهم ومتابعتهم وتزويدهم بكل ما يحتاجونه من مواد ( أخشاب، مسامير، أقمشة، وما إلى ذلك).

لا أتذكر مرة، أن لال توانى عن عمل معين، مهما كان، فلم نعتد رؤيته في وضعية أو مسار عمل واحد، إذ كثيراً ما عرفناه منخرطاً في الأعمال كافة، فأحياناً نراه يشتغل صباغاً مع الصباغين، ضمن المسرح.

وكذا عامل تمديدات وتصليحات كهربائية، او حتى تقنياً كهربائياً يفيدنا في ربط الـ "ديمير" والكشافات، وما إلى ذلك من أعمال تجهيزية. وفوق هذا وذاك، بقي لال مندوباً لامعاً لمسرح الشارقة الوطني، يشهد على ذلك من يتابع إنجاز معاملاته لدى البنوك والبريد، وشتى الدوائر الرسمية.

هناك ميزات مهمة ومهارات متنوعة لدى لال، جعلته ذا شخصية مؤهلة ومحببة ومفضلة، فهو، وعلاوة عن جودة أعماله وإخلاصه وتفانيه، مرن ويسهل تفاهم أي كان معه، بفضل إتقانه اللغة العربية، إلى جانب الإنجليزية والأوردو.

 

متمسك بالقيم والمسلك السليم

لم ألحــظ أثراً للسنين على نشــاط لال وتميـــز مستوى أهليته، حتى في سنوات متأخـــرة خلال فـترة عملـــي في مسرح الشارقة الوطني، علاوة على انه كان قد سبقنـــي فيه، بأعــــوام عديدة، إذ بدأ مسيرة العمل ضمنه مع مرحلة التأسيس في السبعينيات من القرن الفائت.. وهكذا فإنه بقي يمثل جزءاً حيوياً من مسرح الشارقة، قبل أن يهاجر إلى أميركا، حسب علمي.

كما جسدت قيم قدسيــــة العمــــل ودقته، جوهراً لآليات تعاطي لال ومتابعته تأدية مهامه. وكان اللافت في هذا الخضم، أنك كنت تجده ذا نزعة دكتاتورية في نمط تسييره وتوجيهه للأعمال الموكلة إليه. وليس من شك في أنها نزعة نمت لديه بموازاة ماهية مسؤولياته اليومية، وشعوره بأهميته اللوجستية، وإدراكه حجم أثره على منوال تتابع البروفات المسرحية.

فقبل أن يصل الممثلون إلى مكان البروفة، تكون استعدادات لال تمت على أكمل وجه، فالمكان مجهز وفق أعلى المعايير، واحتياجات الفنانين متوافرة، والشاي والقهوة والحليب، وكذا جميع المشروبات الساخنة والباردة، تكون موجودة، وذلك خاصة في ظل وفرة الميزانيات المخصصة التي تحتاجها هذه العملية، لديه، إذ كانت ثقة مجلس إدارة المسرح به، وبأمانته المالية، غير محدودة.

دور خفي

لم نشعر بالأمان، يوماً، كمخرجين وعاملين في المسرح، من دون يقيننا باستنفار وجاهزية (مانيا لال)، خلف الكواليس. فوجوده كان ضرورة ومصدراً لتعزيز ثقتنا. لكنه، ورغم ذلك، لم يك ليظهر معنا على الخشبة فيبدو في دائرة الضوء.. وكذا لم يحظ بتشجيع الجمهور وهتافه وتصفيقه، مرة، كحال نجومنا: أحمد الجسمي، سيف الغانم، محمد يوسف، عبد الله المناعي، مريم سلطان، وغيرهم من العاملين في مسرح الشارقة الوطني.

إلا أن هذا الأمر لم يك ليقلل من تقديرنا له، ومن وعينا لأهميته الكبيرة، فكل الأعضاء، حينها، يعرف القيمة البارزة، والدور اللوجستي للال، وعلى هذا الأساس، فإن التعامل معه، ومن قبل أي منا، اتصف بروح الاحترام والشفافية الممزوجة بالطابع الإنساني.

 

ثروة معلوماتية

استمر لال يفاجئنا في تميز مستويات أمانته، وكنا نقع، في كل مرحلة، على براهين فريدة ومتنوعة، تؤكد حرصه وإخلاصه الفائقين. وفي هذا السياق، عرفت، ومن خلال عملي اليومي في "الشارقة الوطني"، أنه يشرف أيضاً على مخازن الديكورات المسرحية المستخدمة سابقاً، وكذا على الملابس والإكسسوارات.

كما اكتشفت أنه لم يك يبيع، وكما يفعل غيره، الصحف اليومية والمجلات والأسبوعية التي كانت من مخصصات المسرح، بل يعمد، وبعد الانتهاء منها، إلى خزنها في مكان خاص حاول تنظيمه قدر المستطاع. ووجدت في مضمون تلك المطبوعات التي حفظها لال، ثروة أرشيفية لا تقدر بثمن.

إذ شرعت أخرج أكداسا من الجرائد والمجلات في صباح كل يوم، لنبدأ عقبها، مريم سلطان وسيف الغانم وأنا، قص أخبار المسارح والنشاط المسرحي، ومن ثم أرشفة القصاصات تلك، والتي عدت بمجموعها، لاحقاً، مرجعاً تاريخياً ثراً، استفدت منه كثيراً في إنجاز كتابي الأول عن تاريخ المسرح في الإمارات، وكذلك في كتابي عن تاريخ مسرح الشاقة الوطني.

 

كان لال مهندساً ومديراً ومخرجاً وسائقاً (للباص ولسيارة البيك آب)، وفراشاً أيضاً. إضافة إلى كونه مسؤول المشتريات والمنسق اللوجستي.. كان جميع ذلك متجسدا في شخص.. في رجل هندي واحد، لا نزال، زملائي وأنا، في مسرح الشارقة الوطني، نذكره بكل حميمية وحنين واحترام.. ولعل الفنان عبد الكريم عوض، يذكره معنا أيضاً، إذ طالما كان ساعداً ومساعداً له، في إنجاز الديكورات التي صممها ونفذها عوض، لمسارح الدولة.

 

"الدكتور".. في اتحاد الكتّاب

هناك شخص مماثل لحال لال وأهميته، موجود، حالياً، في مقر اتحاد كتاب وأدباء الإمارات في الشارقة، وهو لا يقل عن لال في مستوى تفانيه وصدقه وإخلاصه، وكذا في قيمة ما يؤديه من أعمال، ذلك على الرغم من موقعه الهامشي.. إنه محيي الدين كوتي، فراش الاتحاد، والذي أثبت جدارة كبيرة في عمله، وكان أهلاً لما ناله ويناله منا، نحن أعضاء الاتحاد، من تقدير واحترام جعلاه يكون بيننا كصديق وأخ.

محيي الدين صاحب سمات شخصية جاذبة، تجبرك على أن تعامله طبقاً للصورة التي أسلفت إيضاحها، إذ إنه رجل مثقف، وذو معرفة وفكر مهمين، كما انه متعمق في مجالات الثقافة الآسيوية، ويتقن ثلاث لغات: العربية والإنجليزية والأوردو. وهو إضافة إلى كل ذلك، يشكل، الآن، المحرك الرئيس في آليات ووتيرة العمل اليومي في الاتحاد، معبراً بهذا، عن مدى كونه وبحق، جزءا ركيزياً في عملية تأسيس الاتحاد، إذ بدأ معه منذ الأيام الأولى للتأسيس، واستمر حتى الآن.

محيي الدين، أو كما نطلق عليه: الدكتور محيي الدين، ليس فقط داينمو الاتحاد ولولبه، بل ذاكرته كذلك. إذ عايش وخبر مجالس وأعضاء إدارة الاتحاد، جميعاً، وتعرف على رؤسائه جميعهم، بدءاً من الأديب عبد الغفار حسين، ووصولاً إلى الشاعر حبيب الصايغ..

هكذا إذاً كان وبقي، فمجالس وإدارات كثيرة ذهبت وأخرى حلت، وثالثة تبدلت، لكن محيي الدين استمر ثابتاً في موقعه ومكانه. يتولى محي الدين مهاماً أساسية في الاتحاد، فهو أمين للمخازن، إذ توكل إليه مسؤوليات جرد محتوياتها من الكتب، في نهاية كل عام.

كما أنه تقني شامل التخصص، يعنى بتركيب وتنظيم الأجهزة في الاتحاد، أثناء الأنشطة. وفوق هذا وذاك، هو المصور الفوتوغرافي والتلفزيوني للأنشطة التي تجري في الاتحاد. ويملك مهارة مميزة في الإعداد والتحضير للندوات والفعاليات المختلفة في الاتحاد، إذ يؤمن احتياجات القاعة وتجهيزاتها، من تقنيات وقرطاسية ومشروبات، وغير ذلك الكثير.

 

مثقف.. ودمث

تكشفت لي خصائل فريدة لدى محيي الدين، بعد أن عملت مديراً لاتحاد الكتاب، عقب انتقالي من دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة. فوجدتــه قارئاً متعلماً لا يعرف أو يرضى بالتوقف عند حد ما. كما تبينت مدى وعيه وتمتعه بميزة التفكير العقلاني، وشدتني كثيراً تلك اللمحات الإنسانية الشفافة التي يحرص على صقلها وحفظ بريقها في دواخله.

إذ هالني مدى حرصه، وانطلاقاً من إدراكه لتأثيرات وألم بعده عن زوجته وأولاده، على متابعته كتابة رسائل منتظمة، إلى رفيقة دربه، في كل أسبوع، يسرد لها فيها، تفاصيل يومياته والأحداث التي يعايشها، مدرجاً أسماءنا، وشارحـــاً مضمون علاقتـــه بنا، وكذا ما نفعله وننجزه..

عـــوّد محيي الديـــن زوجته، على أن تكتب يومياتها ويوميــــات أولاده، فكان يحاول في ذلك أن يهزم الغربة، فيلامس يوميـــات ودقائـــق حياة أسرته. وتجده يحتفظ، منذ سنين عديدة، بجميـــع رسائـــل زوجتــــه، إذ يخزنها في ملفات خاصة، ويشير إلى أنها، تفعل ذلك بدورها.

 

قاموس سير وحكايات

غدا محيي الدين، ومع تعاقب الأيام والأحداث بؤرة تنشيط وتفعيل وتوثيق، جميلة ووقادة، لدى اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات في الشارقة. وأصبحت تجده يمثل، وبحق، ذاكرة متكاملة ووافية لتاريخ الاتحاد وتحولاته وتطوره.

ويشدك في هذا الصدد، مخزون الحكايات والمواقف والقصص التي لديه، عن أعضاء الاتحاد.. وأنا، وإذ أحاول سرد وتصوير سمات محيي الدين، عبر هذه السطور، فليس ذاك إلا لأني لمست وخبرت في شخصه قيماً وأفكاراً مميزة.

فذات يوم، وبينما نتحادث ونتناقش في مقر الاتحاد، تألمت كثيراً بفعل وقع كلمات خاطبني بها:" إننا لسنا بشراً.. هل يمكنك أن تتصور أنه مر على زواجي 20 عاماً، لكن لو تحصي عدد الأشهر التي عشتها مع زوجتي وأطفالي، لوجدتها لا تتجاوز العشرين شهراً فقط..

هل تتخيل ذلك: 20 سنة تعني بالنسبة لعيشي ووجودي بجانب أسرتي، 20 شهراً.. انها حسرة مريرة.. فطالما بقيت بعيداً عن أولادي ولم أتمتع بطفولتهم، كما أنهم ولم يتنعموا بحميمية وحنو أبوتي. وأيضاً زوجتي المسكينة دفعت ثمناً باهظاً، فهي حرمت من وجود شريك حياتها إلى جانبها، في الشدائد والأفراح. وفي مواقف كثيرة احتاجتني لأكون معها".

يجسد محيي الدين نموذجاً مهماً للصدق في العطاء، والعمل بمقتضى ما يمليه علينا ضميرنا الإنساني.. هكذا عرفته دوماً، فما حدث يوماً وأن رأيته مقصراً يتعمد التهرب من واجباته أو يحبذ التسويف والمماطلة، ولو حصل ووقع خلل ما في آليات جهوده وأعماله، فإنه يبادر إلى محاسبة نفسه ذاتياً، من دون أن يحتاج إلى من ينبهه أو يعاقبه.. وتشعر في مثل هذه المواقف، والتي ندر حوثها، أنه يبكي بصمت في أعماقه.

 

صمام أمان

لم أستغرب أن يكون محيي الدين، والذي خبرته، مجافياً للبغضاء.. متسامحاً وطيب القلب، مبادراً بتفان لتقديم خدمات ومساعدات حيوية، إلى أهله وذويه وأقاربه، وإلى كل من يعرفه.. فقد أمّن فرص عمل كثيرة، لمجموعة من مواطنيه، من الأقارب والأصدقاء وأولادهم وذويهم، وحاول أن يحصر مجالات أعمال هؤلاء، في نطاق المؤسسات التي يتعامل معها بحكم وظيفته في اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات.

وقد أفادنا بهذا إلى درجة كبيرة، إذ وفر كادر عمل في مؤسساتنا المتنوعة، عماده أشخاص اختبر محيي الدين تميز مستويات صدقهم وإخلاصهم. وكان موضع الاطمئنان الأكبر بالنسبة لعمل وحرص هؤلاء، بقاء محيي الدين نفسه، بمثابة صمام الأمان الكافل والموجه والمرشد لهم جميعاً.

لا أظنني أبالـــغ في القـــول والتعـــبير، حقيقـــة، حين أشير إلى أن محيي الدين هـــو بمثابـــة خزنـــة ثـــرة من البيانــــات والمعلومات.. فذاكرته طالما سجلت أدق التفاصيــــل، وكــثيرا ما بقي واعياً للمواقف والتصرفات كافة.. وإنك لتجده يعرف بعمق، كنه وسيرة وسمـــات الغالبية العظمى من أعضاء الاتحاد، من الأحياء والأموات، ذلك بحكم معايشته لهم ومعرفتـــه لطباعهم وشخصياتهم.. لا بــل إنه يعلـــم تماماً، صفات ومميزات العديد من الكتاب الذين ينتمون إلى الرعيل الأول في دولة الإمارات، حتى الذين لم ينتسبوا إلى الاتحاد منهم.

" شو.. يريد يصيد سمك؟!"

هناك سمة لدى محيي الدين، حيّرتني وأربكتني في التعامل معه، في مرحلة البدايات، إذ إنه يتمسك، أحياناً، برأي ما، يجده صواباً، وبذا لا يتجاوب في تنفيذ الأمور التي تتعلق بقضية من هذا القبيل، لا يقتنع بها أو يشك في صحتها..

فذات مرة، وكانت جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية، حينها، لا تزال تحت خيمة الاتحاد، كان علي أن أوفر تصميم ديكور متميزا خاصا بحفل توزيع الجوائز في هذه المناسبة، ضمن قاعة الكريستال الكبرى في فندق حياة ريجنسي. وهكذا طلبت منه إحضار خيوط النايلون الشفـــاف والقوي، الذي يستعمل في صنع خيوط شباك صيد السمك.

وأن يجلب أيضاً، ثماني مراوح منضدية صغيرة. وكنت، آنها، قد اشتريت ثماني (طاقات) من قماش الساتان، منسجمة في ألوانها، بغية تصميم أشرعة متحركة على خشبة مسرح الحفل..

وكانت المفاجأة كبيرة بالنسبة لي، لاحقاً، إذ وبعد أن اطمأننت أنني سأحظى بما أحتاجه من مواد سيستقدمها محيي الدين، اكتشفت أن الأخير لم يحضر ما طلبته، وألححت في الطلب، وكررت توجيهاتي له في هذا الصدد، لكن لا شيء تحقق، وذلك إلى أن حانت لحظة تحركي باتجاه فندق حياة ريجنسي، بغية تنفيذ الديكور المزمع، قبل ليلة واحدة من موعد الحفل.

وآنئذ، أمرته بشكل ديكتاتوري، الذهاب فوراً لشراء ما ذكرت له. ولكنني دهشت لرده المباشرة بصيغة كلام منفعل ومتتابع: "أستاذ . . هذا الاتحاد بارد.. حياة ريجنسي بارد.. شو فايدة بانكة صغير".

إلا أنني لم أعر كلامه اهتماماً، فاستأنفت طلبي إليه مجدداً، أن يبادر إلى إحضار المراوح. فوجدته يضيف: ".. هذا خيط مال سمك.. شو أنت يريد يصيد سمك؟! ".

ولم أحتمل تعنته، بعدها، فخاطبته بلهجة آمرة وغضوبة، أن يؤمّن ما أريد من دون أن يزيد في النقاش. ثم أخذته معي، عقب أن جلب المعـــدات اللازمـــة، ليساعـــدني في إعداد الديكور في الفندق، ورأيتـــه ملامح الدهشــة والإعجــــاب مرتسمة على وجهه، عندما أنجزت، أنا والفنان محمد فهمي، صنع أشرعة من القماش، مثبتـــة على الخشبة، ومربوطة بسقف قاعة الكريستال.

 ومن ثم وضعنا المراوح تحت كل شراع، ووصلنا الإضاءة الملونة بكل منها، وبدأت الأشرعة تتحرك في سماء زرقاء، فاكتست خلفية المسرح بمنظر جمالي أخاذ تزينه الستائر الزرقاء. وفي تلك اللحظات، وبعد أن تم العمل وظهر الديكور بأبهى حلة، وجدت محيي الدين يقبل عليّ معتذراً، بينما يذرف الدموع، معرباً عن أسفه، ومثنياً على جهدنا ونجاحنا في تحويل تلك المواد البسيطة إلى ديكور حيوي لافت.

أعتقد أن محيي الدين، سيكتب، بعد أن يتقاعد ويعود إلى بلاده، بلغة أهله وناسه، روايات وقصصاً، تحكي عنه وعنا جميعاً، فهو سجل ووثق من لمحات حياتنا ومحطاتها، ما لم نفعله أو نرصده نحن. كما أنه يعرف من أسرارنا ما نسيناه. إضافة إلى كونه يمتلك تلك الملفات المتضمنة الرسائل المتبادلة بينه وبين زوجته، التي أسلفت الإشارة إليها، إذ تحوي تدوينات عن جملة دقائق وتفاصيل يومية شاملة.

وأظن أن اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات في الشارقة، وكون محيي الدين على وشك دخول عقد الستينيات من عمره، سيواجه إشكالية تفرز ربكة في سيرورة أعماله وانسيابيتها، إذا لم يجد حلاً لمعضلة السن القانونية لتقاعد محيي الدين. وشخصياً، لا أرى بداً من المبادرة إلى هذا الإجراء، ذلك كون "الدكتور" لا يمكن ملء مكانه من قبل أي قادم جديد، فغيابه يعني الكثير، على صعيد العمل.

كما أنه حفر اسمه وتأثيره، عميقاً، في نفوس وعقول أعضاء الاتحاد وكافة الكتّاب الذين عرفوه، بفضل خلقه ودماثتـــه وثقافتــه، وكذا تميز عمله وأناقته. وأيضاً علاقات الاحترام المتبادلة، بينه وبين الجميع.. ترى هل من محاولة تبرز، حين يحل أوان تقاعد محيي الدين، تعمل على الاحتفاظ به لسنوات أخرى، تكريماً لدوره وتاريخه وجهده، والأهم من كل ذلك، معايشته اتحاد الكتّاب منذ التأسيس حتى اليوم؟

لا أجامل أبداً، حين أؤكــد أن محيي الدين كوتي صديقي. وأنا أشعـــر بالخجل عندما يقدم لي كــوب الشـــاي أو كـــأس الماء البارد ما إن أدخـــل مقـــر اتحاد الكتـــّاب فـــي الشارقـــــة، لا بـــل لعلـــي أحبه كــــأخ عزيز، وأحــــس أنه يبادلنـــي الشعور ذاته.

 

خارج الضوء

 

خدمات نوعية، خارج دائرة الضوء، قدمها "أبو ضياء"، إلى إدارة المسارح والفنون الشعبية في وزارة الثقافية العراقية، في السبعينيات من القرن الماضي، ضمن البصرة، إذ استمرت البرامج المقررة في السير بترتيب وتنسيق فريدين، بفضل جهوده المحورية.. وقد كان يتولى عدة مهام، ويؤديها بصمت، من دون أن نشعر بشيء، ولم نك ندرك تعبه، إلا بعد أن يبلغ الإنهاك منه درجة الذروة، فنقرأ ذاك في عينيه.. لا بل إن أحداً منا لا يعرف اسمه الفعلي، فجميعنا بقي يناديه فقط : أبو ضياء.. إن هذا الرجل جسد مثالاً لامعاً لنموذج من هم أبطال العمل الفني الذين يقبعون خلف الكواليس.

 

محور وأساس

 

كان مانيا لال مانياك، في مسرح الشارقة الوطني، لا يقصر مهامه على توفير المتطلبات، فكثيراً ما لعب دور المستشار الفاعل لمخرج العمل، إذ يشاركه الرأي ويقدم له المشورة حول المعدات الأنسب في ما يحتاجه.

كما بقي حاضراً بقوة في يوميات "الشارقة الوطني"، إذ تبدأ نهاراته في المسرح، مع كل صباح، ولا تتوقف حركته أو يُعلن انتهاء تأهبه، إلا بعد منتصف الليل، وطوال تلك الأوقات كنت تراه لولباً متحركاً، لا يكل أو يتوقف عن الحركة بنشاط، ففي أي اتجاه أو ركن أو حقل عمل يمس تأمين احتياجات الاشتغال المسرحي ضمن " الشارقة الوطني".

 

لمحات إنسانية

 

تكشفت لي خصائل فريدة لدى محيي الدين، بعد أن عملت مديراً لاتحاد الكتّاب، عقب انتقالي من دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة. فوجدته قارئاً متعلماً لا يعرف أو يرضى بالتوقف عند حد ما. كما تبينت مدى وعيه وتمتعه بميزة التفكير العقلاني، وشدتني كثيراً تلك اللمحات الإنسانية الشفافة التي يحرص على صقلها وحفظ بريقها في دواخله.

إذ هالني مدى حرصه، وانطلاقاً من إدراكه لتأثيرات وألم بعده عن زوجته وأولاده، على متابعته كتابة رسائل منتظمة (يخطها على نمط المذكرات)، إلى رفيقة دربه، في كل أسبوع، يسرد لها فيها، تفاصيل يومياته والأحداث التي يعايشها.

 

الجميع في واحد

 

اعتبر لال من قبل الجميع، مهندساً ومديراً ومخرجاً وسائقاً (للباص ولسيارة البيك آب)، وفراشاً أيضاً. إضافة إلى كونه مسؤول المشتريات والمنسق اللوجستي.. كان جميع ذلك متجسداً في شخص.. في رجل هندي واحد، لا نزال، زملائي وأنا، في مسرح الشارقة الوطني، نذكره بكل حميمية وحنين واحترام.

 

مؤهلات

 

ميزات مهمة ومهارات متنوعة لدى لال، جعلته ذا شخصية مؤهلة ومحببة ومفضلة، فهو، وعلاوة على جودة أعماله وإخلاصه وتفانيه، مرن، ويسهل تفاهم أي كان، معه. كما يتقن اللغة العربية، إلى جانب الإنجليزية والأوردو.

طباعة Email