00
إكسبو 2020 دبي اليوم

متحف الأوبتوغرافيا

رحلة في عوالم الغموض والخيال العلمي

صورة

عُرف في عالم الأدب، استلهام العديد من الكتّاب، حبكة وموضوعات رواياتهم من الاكتشافات العلمية. لكن بقي ذلك المصدر الإبداعي، محدوداً في مستوى حضوره وتأثيره ضمن عوالم الفن. إلا أنه، ورغم ذلك، برز مبدعون مميزون خاضوا غمار هذه التجربة، من بينهم: البريطاني ديريك أوغبورن الذي استلهم من علم الأوبتوغرافي، عملاً فنياً يشبه متحفاً قائماً بحد ذاته، استضافته، أخيراً، مؤسسة الشارقة للفنون، في مبنى المقتنيات في منطقة الفنون.

 

وُلدت فكرة المتحف عند الفنان ديريك أوغبورن، بعد تعرضه إلى حادثة خلال وقوفه على رصيف في أحد ضواحي لندن، حين فوجئ بلكمة عنيفة طالت جبينه وإحدى عينيه، ما أفقده القدرة على الرؤية، إلى حين. ليصحو بعدها، بينما الدماء تلون ملابسه. إن هذه الحادثة التي شعر خلالها أوغبورن، وكما يقول، انه اقترب من لحظات الموت، كانت بمثابة شعلة الإلهام التي أيقظت في داخله، فضول المعرفة، وتحديداً البحث في علم الأوبتوغرافي.

يشرح الفنان البريطاني، طبيعة ومراحل ولادة فكرة معرضه أو متحفه: "بدأ اهتمامي الكبير بالأوبتوغرافيا، عندما لكمني أحدهم على حين غرة، فسبب لي أذى شديداً في إحدى عيني، وذلك بينمـــا كنـــت في أحــد شــوارع لندن فــي العام 1992.

 وبعد مرور أسبـــوع أو أسبوعين على تلك الحادثة، نما في داخلي خوف كبير من عبـــور الطريق، وبت أعتنـــي كــــثيراً بقضية الموت المفاجئ، وطبيعـــة ما يلحـــق بالعين من تغيرات، في أي حادث، أو ما تصبـــح عليــــه عندما يقترب الإنسان من لحظة الموت، سواء كان اعتيادياً أو بفعل جريمة ما؟".

يضيف ديريك أوغبورن: " إن تلك الحادثة خلقت لدي تأثيرات وتوجهات متباينة، خاصـــة في ظل وميض الصدمة جراء ما وقع، وكذا طعم الدم وتدفقـــه الغزير أخذ يلطخ بنطالي الذي كان من نوع الجينز ذات اللون الأبيض، إلى جانب ما خلفه الجرح من تأثيرات ألم شديد في رأسي. إن جميع تلك العوامل والعـــوارض وألوان المعاناة، شكل أدلة على لحظة الصدمة المبكرة..

وقادني إلى البحث والانهماك في معرفة فن أن أقرأ العبارات النقدية المكتوبة على الجدران كونها دليلاً قاطعاً على فجائية الحدث ورعبه.

ومن بين التداعيات في هذا الشأن: تضيّق قزحيـــة العين بينمــا تركز على الضوء الذي يخطف الأبصـــار، وميـــض الفأس وهـــي تسقط ليتوقف العقل". ويتحدث أوغبورن عن دافعه لإنشاء هذا المتحف الأوبتوغرافي: "تلك الضربة على العين، ولدت في داخلي إحساساً قوياً بالفناء.

وما أثار فضولي في البداية، التساؤل عن ماهية التفكير الذي يسيطر على الكثير منا في بعض الظروف الخاصة بلحظاتنا الأخيرة، قبل أن نفارق الحياة: متى وأين وكيف؟ ..و

من هنا ولدت فكرة معرضي أو متحفي، والذي يشبه شبكة عصبية معقدة، مركبة من الأشياء والصور الضوئية والأفلام الوثائقية والرسومات وأعمال الفيديو، وأيضاً التسجيلات الصوتية، واللوحات التي أحاول نقل معانيها وارتباطاتها".

ويتطرق الفنان البريطاني إلى جوانب عديدة في هذا السياق، يشرح خلالها التداعيات التي عايشها أثناء الحادثة التي تعرض إليها: "استيقظت بوعي جديد بعد سنوات قليلة بفعل قراءتي قصة راهب يُدعى كريستوفر سكينر، اطلعت عليها في كتاب "الحياة الزمن"، والذي نشر في عام 1970.

إذ ادعى سكينر في منتصف القرن السابع عشر، بأنه اكتشف صورة موجودة على شبكية عين ضفدع، باهتة، سجلت على العين، وبنحو خاطف وبدقة، الحادثة التي وقعت، في لحظة وفاة صاحب تلك العين.

وبعدها أصبح من الشائع القول إنه كان من الممكن الاحتفاظ بهذه الصورة وابتكار ما اصطلح على تسميته (أوبتوغرام)".

 

علم الأوبتوغرام

يتمحور علم الأوبتوغرام، حول الصورة الأخيرة التي تنطبع في حدقة العين، قبل موت صاحبها، سواء كان موتا عاديا او بفعل جريمة قتل. وأثــار هذا العلم فضول الكثير من العلماء في القرن التاسع عشر، خاصة في ألمانيا، وفي مقدمهم العالم الألماني فيلهيلم كوهين (1837 1900).

ويــروي الفنان أوغبورن قصة من التاريخ الواقعي عن هذا العالم، وذلك حين أعدم شاب في بلدة قريبة من العاصمة البلجيكية، بروكسل، في 16 نوفمبر من عام 1880، باستخدام المقصلة. وكان كوهين قد رتب نقل الجثة إلى غرفة مزودة بإنـارة خافتة، ومغطاة بزجاج أحمر وأصفر، للحفاظ على الأثر في حدقة العين.

وبعد عشر دقائق من الإعدام حيث سقط نصل المقصلة على عنق الشـــاب المشـــار إليه، حصل كوهين على كامل الشبكية من العين اليسرى، وكان راضياً لرؤية أوبتوغـــرام مطبوعاً بدقة. وقام بعرضه على عدد من زملائه. وهو الأوبتوغرام البشري الوحيد المدون في السجلات. ومع ان كوهين لم يستطع، على الرغم من جهوده في تحديد صورة الشيء الذي يمثله هذا الأوبتوغرام، إلا أن أبحاثــه في هذا المجـــال، كانـــت مصدر إلهــــام لعدد آخــــر من العلمــــاء والأدباء وغيرهم.

شكلت هــذه القصـــة وغيرها الكثير من الأحـــداث، نواة فكرة المتحف عند الفنان البريطاني أوغبورن، والذي بدأ يزاوج بين الحقائق العلمية ومخيلـــة الفنان، إذ استلهم من الأوبتوغرام المطبوع، أفكار العديد من اللوحات، والبالغ عددها 145 لوحة، دارت في مجملها حول موضوع حدقة أو تجويف العين، لتحمل كل لوحة، في صيغها التعبيرية ودلالاتها، عالماً قائماً بحد ذاته، من القصص والأحداث المتسلسلة، بأحجام مختلفة، ووصلت مجموعة منها حدود دقة متناهية، تتطلب لرؤية تفاصيلها، الاستعانة بالعدسة المكبرة.

ويؤكد أوغبورن، في حديثه عن تلك اللوحات، أنه استغرق في رسم كل منها( رسمت بقلم الرصاص الدقيق، ولا تتجاوز مساحة كل منها: 2 سم مربع، ما لا يقل عن شهرين، وتحمل الكثير من الجماليات الفنية، أســـوة بأيـــة لوحـــة مرسومة بالقياس العادي.

متحف وحكاية

تستغرق الرحلة في داخــل متحــف الأوبتوغرافيا، ما لا يقل عن ساعة من الزمن، وذلك ابتداء من ردهات الدور الأول، والتي تضم مجمعة وثائق وأعمــال متنوعة، تعبر عن حكاية الخطوات الأولى في فكرة إنشاء المتحف، وذلك من الأوراق والمطبوعات المرتبطة بهذا العلم، إضافة إلى بعض النماذج والمعدات التي استلهمها الفنــان من قراءاته عن هذا العلم، كصندوق الكاميرا.

وتبدأ رحلة الزائر للمتحف، من مشاهدته البنطال الملطخ بالدماء، الذي كان يرتديه أوغبورن في أثناء تعرضه للحادثة التي أشار إليهــا في مطلع حديثه. وكذلك صورة فوتوغرافية للمكان الذي كان واقفاً فيه عندما تلقى اللكمة.

وهناك أيضاً، عرض متتابـــع لفيلـــم وثائقـــي، يحكي فيه أحد العلماء الذين قابلهم أوغبـــورن للتعرف على مكنون وحقائق هذا العلم، عن تجارب وصور فوتوغرافية لما انطبع في حدقة العين.

وتستمر الجولة في المعرض، من الصور لتصل إلى حدود ومحطات المكان المتخيل للسجن الذي أعدم فيه أحد المجرمين، إذ شكــل الفنـــان أجواءه تلك، مستعينــاً بفيلمـ فيديو يـــدور موضوعــــه حول هـــذا الشــأن، وكذا بعض الأشياء المستلهمة من باب السجن، لينتقل بعدها إلى المقصلة.

كما يشاهــد الزائر أيضاً، صـــور النيغاتيف الضخمة، بالأبيض والأسود، والتي لهـــا شكــل هندســـي تجريدي قريب من الهيكل الخارجي للحيوان المنقرض (ماموث). وتشبه الأشكال التي يستخدمهـــا علماء النفس في اختباراتهم الخاصة بالمرضى. ويوضـــح أوغبورن، أن هذه الصور هي نتائج تجربة العالم المذكور كوهين، في عام 1870. وينتقـــل الفنان بزائريه، ضمن معروضـــات المتحف، إلى بلـــدة هيدلبرغ الألمانية، حيث قام كوهين بـــأول تجربة ناجحة له، في هــذا الحقل، في أواخر العام 1870، وهــي تجربـة وثقت بالرسومات.

 

صورة دالي وأدلة

يعود الزائر للمتحف، وفي الدور الذي يليه، إلى الصور الفوتوغرافية لحدقة العين، التي حملت إحداها صورة ملامح وجه الفنان العالمي سلفادور دالي ضمن تجارب أحد العلماء، وكذلك موقع جريمة الألماني الأب إدهارف ريف الذي قتل ولديه.

ولكن أوغبورن جسد ذلك عبر مشهد مختلف، إذ بنى من أفكار وحيثيات الحادثة، مسرحاً للجريمة، ليكون محورها كاميرا التصوير القديمة التي رسم على أسطحها مشاهد من طبيعة بلدة في القرون الوسطى( تشبه المكان الذي وقعت فيه الجريمة).

كما تتوزع الأدلة في المتحف هنا وهناك، وذلك مثل آلة التسجيل التي تعود إلى عقد السبعينيات من القرن الماضي، والتي يجمع شريط التسجيل فيها، بين الواقع والخيال، حيث يرن الهاتف القديم، ومن ثم يتحــدث رجل باللغــة الألمانية، وهو على الأرجح الدكتور الألمــــاني ألكسندريس، المرجــــح أنه الوحيــد الذي استطاع تقديم أوبتوغرام في القرن العشرين، ويسأل أحدهم في مكالمة هاتفية يجريها، عن سلفادور دالي، وحين يصل إليه، يشرح له، وبروح الدعابة، عن هذا العلم وتجاربه بشأنه.

ولكن دالي سرعان ما ينهي المحادثة، بأسلوبه المتغطرس الذي عرف به.

من الأدلة الأخرى المعروضة في المتحف، قطعة سيراميك كقاعدة لفنجان القهوة، حملت آثار بقايا قهوة بدت كحدقة العين.

وكذلك الصورة الفوتوغرافية لكأس زجاجية شكل انعكاس ظلالها صورة أخرى لحدقة عين الرائي. ومرة أخرى، نجد أنفسنا في الجولة بالمتحف، أمام المزاوجة بين العلم والخيال، إذ قدم الفنان رسومات لتجـــارب العالم إدويرد مايبريدج من خلال رسم سريالي لعدد من الأرانب المحصورة في حواجز، تبدو وهـــي تنظر إلى كرة متحركة تقفز باتجاه مستقيم، ويمتد ذلك إلى نهايـــــة مساحــة اللوحة.

وتجمع اللوحة بين حس الفكاهــة وفكـــرة التجربة لالتقاط حدقة عين الأرانب حركة الكرة. والعمل قريب من مفهوم فن الرسوم المتحركة، مع ثبـــات الأرانـــب مقابل الحركة الدائمة للكرة.

يشعر الزائر خلال جولته في المتحف، بالحيرة بيـــن ما هـــو واقعـــي وموثق، وبيـــن ما هـــو متخيل، ليذكــر نفسه بصـــورة دائمــــة، أن ما يشاهده هو جزء من العلـــم والقصـــص البوليسية والتاريخ، وجزء آخر من علم النفس، لكن ضمن أجواء الفن. إلا أنه سرعان ما ينسى جميــع ذلك حين يصل إلى الدور الأخير، والذي يضــــم غرفتين.

 

الغرفة الأرجوانية

تبدو الغرفـــة الأرجوانية في الطابـــق العلـــوي للمتحـــف، وللوهلة الأولى، بمثابة مختبر لتحميض الأفـــــــلام ولكـــن الاقـــتراب منها والتدقيق في تفاصيلهــــا، يوحي بأجـــواء مختبــر لحالــــة نفسية، وفي الغرفـــة أيضاً، كامـيرا وزجاجات وأنابيب تعيد الزائر إلى علـــم الأوبتوغــــرام، ليدرك من حالة المكان، وقوع حادثة غامضة دفعـــت من كان في الغرفـــة تلك، إلى الهرب بصورة مفاجئــة، ربما بسبب النتيجـــة التي اكتشفهـــا في بحوثه.

ويقـــول أوغبورن، إن 120 عاماً مضــــت ليغطـــي غبــــار الزمـــــن محتويـــات هــذا المكــــــان (يقصد الغرفة بمحتوياتــها). ويمكــن للزائر السير على اللسان الخشبي في داخل الغرفـــة، وتفــحص المعدات وبقايــــا الحادث.. إنها اللحظـــات الأخيرة فـــي تـــلك الغرفـــة وداخـــل عقـــل من كان.

 

متحف الأوبتوغرافي

 

يتألف متحف الاوبتوغرافي د. ديريك أوغبورن، من مجموعة معارض شكلها الفنان نفسه، وتتمحور حول فكرة الصورة الأخيرة التي تبقى في حدقة العين لحظة وفاة صاحبها. كما أصدر كتيبين عن أعمال متحفه. وأنشأ موقعاً الكترونياً يضم تفاصيل جميع الأعمال والمعارض. ويمكن من خلال الموقع شراء العديد منها، ابتداء من الكتيبات ووصولاً إلى نماذج متطابقة من عيني الفنان، وكذا نسخ من لوحات المتحف.

 

صورة وموضوع

 

يركز علم الأوبتوغرام، على موضوع الصورة الأخيرة التي تنطبع في حدقة العين، قبل موت صاحبها، سواء كان موتاً عادياً او بفعل جريمة قتل. وأثار هذا العلم فضول الكثير من العلماء في القرن التاسع عشر، خاصة في ألمانيا، وفي مقدمهم العالم فيلهيلم كوهين (1837 1900).

 

مزيج علم وتاريخ

 

يشعر الزائر خلال جولته في المتحف، بالحيرة بين: ما هو واقعي وموثق وما هو متخيل، ليذكر نفسه بصورة دائمة، أن ما يشاهده هو جزء من العلم والقصص البوليسية والتاريخ، وجزء آخر من علم النفس، لكن ضمن أجواء الفن. إلا أنه سرعان ما ينسى جميع ذلك حين يصل إلى الدور الأخير، والذي يضم غرفتين.

 

سيرة

 

تخرج الفنان ديريك أوغبورن، من مدرسة "سلايد" للفنون الجميلة في لندن، عام 1989. وعرضت أعماله، داخل المملكة المتحدة وخارجها. ويضم متحفه للأوبتوغرافيا، نحو 300 عمل.

وكان قد شهد أشكال عرض متنوعة، من خلال المعارض والفعاليات التالية: متحف أوبتوغرافيا( في غاليري بريجيت شينكه) في مدينة كولون الألمانية عام 2007، المتحف الأوبتوغرافي الصغير( في متحف الجمعية البصرية البريطانية) في لندن بين عامي 2008-2009 ، وكذلك في ألمانيا عام (2010)، أرشيف الأوبتوغرافيا( في غاليري أف أل يو) في بلغراد في صربيا عام

طباعة Email