00
إكسبو 2020 دبي اليوم

البشت وجاهة تصارع مشاغل الحياة

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

لطالما كان "البشت": (العباءة البدوية أو البردة)، رمزاً للوجاهة والأناقة ومقياساً لرقي المكانة الاجتماعية، في بلاد الشام ودول الخليج العربي، وعلى الرغم من تنوع الأزياء وخطوط الموضة الرجالية وتطورها، مع مرور الأيام.

إضافة إلى ظهور "البدل" وربطات العنق، تمكن البشت من المحافظة على هيبته في خزانة الملابس لدى العرب، ابتداء من الحكام، ومروراً بالوجهاء وعلماء الدين، وانتهاء بعامة الناس إذ بقي مفضلاً لديهم في معظم الأوقات ومختلف المناسبات، وذلك إلى أن ازدادت مشاغل الحياة فاقتصر ارتداؤه على المناسبات الرسمية والأعراس.

 

عُرف "البشت" لدى العرب، منذ فترة ما قبل الإسلام، وهو عبارة عن عباءة يرتديها الرجل فوق "الكندورة": الدشداشة، يتم تقصيرها أو تطويلها، حسب قامة الرجل، وتخاط بطريقة معينة، لا تكون معها جوانب البشت أطول من الوسط، وهو ما يجعله يحافظ على طوله وأبعاده.

وعن مواصفات البشت، والسمات التي عرف بها منذ القدم، يقول بلال البدور، الوكيل المساعد لوزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع: يمتد طول البشت من الأكتاف وحتى الرجلين، وليس له أكمام، لكن تصميمه يوفر فتحتين لإخراج اليدين .

ويكون مفتوحاً من الأمام من دون أن يحتوي على أي نوع من الأزرار.. كما انه يتميز عادة بألوانه الغامقة". ويضيف بلال البدور:" ما كان سائداً في الخليج قديماً، هو ارتداء علماء الدين البشت الأبيض المطرز: (المخور باللهجة الإماراتية)، على جانبيه، من النصف العلوي وحول الرقبة..

ويحتاج البشت إلى اهتمام خاص بجوانب نظافته وأناقته وطرز تصميمه، كونه قطعة الملابس الخارجية الأولى، التي يراها الناس، وتكون عملية تنظيفه حصرا، عبر الغسل باليد أو بالبخار، لأن الغسالة قد تؤثر فيه، وخصوصاً: (الزري)، أي الخيوط الذهبية التي يوشى به.

ومن ثم بتطييبه بشكل يومي إلى جانب (الكندورة) و(الغترة)، باعتبار أن هذه القطع الثلاث هي الرئيسة في المظهر الخارجي، وتجري عملية تعطير البشت باستخدام قطعة خشبية هرمية الشكل، توضع في وسطها مبخرة تحتوي على العود، حيث يصعد دخانه إلى الأعلى. كما يعاد صبغه بين فترة وأخرى كي يكون متجدداً".

 

بين الماضي والحاضر

أصبح معظم "البشوت"حالياً، يصنع باستخدام الكمبيوتر، وبات يطلق على البشت أحياناً: "بشت الكمبيوتر"، إذ تكون الخياطة تلقائياً، ولا يأخذ هذا النوع فترة طويلة، وحول ما إذا كانت تلك الأنواع أيضا، يطلق عليها مسمى "بشوت"، أكد البدور :

أن البشت يبقى "بشتاً" ما لم يتغير شكله العام، وتابع: "كانت تخيط "البشت" في الماضي أيد ماهرة (يدويا)، ذلك لعدم وجود مكائن الخياطة كما هو الحال اليوم، ما يجعلها تستغرق مدة زمنية طويلة، حيث كان يضطر الصناع إلى غزل أصواف الجمال، لنسج القماش منها، بعد ذلك، فيكون جاهزاً لاستخدامه في صناعة البشت. وأما اليوم فأصبحت البشوت متوافرة في كل مكان، بفضل الأجهزة الحديثة".

ويتابع البدور: "يلبس "البشت" الأبيض في الصباح، عادة، وأما البني فيرتدى خلال فترة العصر، في حين يلبس الأسود ليلاً. والبشوت الشتوية تكون ثقيلة من أجل التدفئة، أما الصيفية منها، فتكون خفيفة لمواجهة الحر والرطوبة". كما يشرح بلال البدور، أجود أنواع البشوت: "يتميز البشت النجفي بجمال تطريزه ولونه".

تسمية

من جهته، يقول الشاعر جمال بن حويرب: "عرفت العرب البشت باسم العباءة والبردة، وكلنا يعرف قصيدة "البردة" التي ألقاها كعب بن زهير على مسامع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وكيف أن الرسول صلى الله عليه وسلم ألقى عليه البردة حين قال:

إن الرسول لنور يستضاء به

مهند من سيوف الله مسلول

إن البردة هيبة الرجال وزينتهم، ورداء الوجاهة الذي كان يرتديه العرب في الماضي، ابتداء من الوجهاء، ووصولاً إلى عامة الناس في جل الأوقات". ويضيف بن حويرب: "المشلح اسم من أسماء العباءة أيضاً، ومعنى شلّحه أي عرّاه، وهي كلمة نبطية سوادية وليست عربية، على الرغم من استخدام العرب لها، وقد سميت العباءة بالمشلح، لأن الأخير يلبس ويشلح بشكل أسرع من الثوب، وأما البشت،.

وجمعها بشوت، فإذا رجعنا إلى معاجم اللهجة العراقية العامية فسنجد أنهم يشيرون إلى أنها كلمة فارسية وأنها بمعنى الخلف.. وهناك منطقة في نيسابور الإيرانية، تسمى (بوشت)، وتعني كلمة (بوشت) الظهر، حسب معجم البلدان لياقوت الحموي، وأعتقد بأن كلمة بشت، انتقلت من فارس إلى العراق الذي اشتهر أهله بصناعة البشوت.

ومن ثم إلى العرب، حيث كانت مدينة البصرة تعد مركز الخليج الثقافي والتعليمي والتجاري، وكان الأهالي في السابق يقولون: (إللي ما يشوف البصرة يموت حسرة). وفي عمق التاريخ الإسلامي الأول، كان أهل سلطنة عمان ينتقلون للعيش في البصرة، وكذلك أسس أهل نجد فيها منطقة تسمى (الزوبير)".

ويشرح جمال بن حويرب تاريخ الاستخدام الأول لكلمة "البشت": "وردت إشارة في كتاب (الحسبة) للشيرازي، في القرن السادس الهجري، لأسلوب لباس الرجال فقال: (بشت مقطوع الأكتاف) أي (الحفر) كما نقول بالعامية، ومن المتوقع أنه تم استخدام كلمة (البشت) في القرن الرابع الهجري".

وبسؤاله عن أسباب انحسار ارتداء (البشت) في المناسبات وحفلات الزفاف، قال : "الحياة مليئة اليوم بالمشاغل والالتزامات المهنية، على عكس الماضي، إضافة إلى أن الغالبية تفضل المظهر العملي خلال الأيام العادية، لأنه لا يعيق الحركة، ولكنها تحرص على ارتداء (البشت) في المناسبات واللقاءات الرسمية، والأعياد وحفلات الزفاف".

مواسم وحالات

من جهته، يقول ربيع كلش، صاحب سلسلة محلات كلش للملابس الرجالية الخليجية: "يزداد طلب عامة الناس على البشوت في الإمارات، خلال موسم الأعراس فقط، وأما الشخصيات المهمة فتطلبه على مدار العام، كونه أحد العناصر الأساسية في لباس الرجل الخليجي، ورمز الأناقة والوجاهة في المؤتمرات والاجتماعات الرسمية".

ويضيف كلش: "طبيعة الوظائف اليوم، إضافة إلى الأنشطة المتنوعة في حياة الرجال، جميعها عوامل تجبرهم على الاتجاه نحو ارتداء ملابس (الكاجوال): الحديثة وغير الرسمية، لأنها عملية ومريحة أكثر من الكندورة، وهو الأمر الذي أثر في علاقتهم بالبشت، وجعله مقتصراً على أصحاب المناصب الرفيعة، وحتى في حفلات الزفاف فإن (المعرس) ووالده هما الوحيدان اللذان يرتديان البشت".

وأما عن طريقة ارتداء البشت، فيقول: "لابد أن يرتدي الرجل الغترة والعقال إذا لبس البشت، وليس من المقبول أن يلبس البشت إلا معهما، لأن هذا الإخلال بالقاعدة، وفي حال وقع، لا يعد نقيصة فحسب، بل استهانة بالبشت ومكانته في الخليج".ويبين كلش أن جودة البشت اليدوي لا تقارن بجودة البشت المطرز باستخدام الكمبيوتر.

إذ يقول بهذا الخصوص: "يتراوح سعر البشت اليدوي الصنع، بين الـ 7500 و الـ 25 ألف درهم، أما (بشت الكمبيوتر) فيتراوح سعره بين الـ 750 والـ3500 درهم، ويرتفع ثمنه كلما كان (الزري) ذا جودة عالية، وتعد الخيوط الألمانية والفرنسية من أفضل الأنواع عموماً، ولكن الخيوط الألمانية تتميز برقيها وفخامتها وثبات لونها مدى الحياة، لأنها مصنوعة من الفضة المطلية بالذهب، ما يمنح البشت مظهراً فارهاً".

 

ثلاث طرق

ويستعرض مالك "كلش للملابس الرجالية الخليجية"، الطرق الثلاث الرئيسة، للتطريز على البشت: "يمكن التطريز بالزري الذهبي، وهي خيوط ذهبية تستقدم من فرنسا وألمانيا. أو بالزري الفضي، وهي خيوط فضية تجلب من الخارج، وربما تتشابه في تصاميمها مع الزري الذهبي أو تكون مختلفة، ذلك حسب الطلب. وأخيراً، هناك الخياطة بالبريسم.

وفي هذه الطريقة لا يحتوي البشت على أي نوع من أنواع الزري، إذ توضع عليه خيوط البريسم بطرق متعددة". كما تطرق كلش أيضاً، إلى طبيعة التنميقات الجديدة التي تفضلها الشخصيات المهمة في بشوتها: "لم يطلب منا أحد، إلى الآن، إضافة مجوهرات أو أحجار كريمة لى البشت، ولكن الجميع يحبذ الألوان الغريبة.

وكذا الخروج عن إطار الألوان المعتادة، مثل الأسود والبني والأبيض، وذلك للتميز عن الآخرين، ولابتكار موضة ترتبط باسم من يفضل هذه الخيارات، ونجد أن البعض يحبذ البشوت الزرقاء والكحلية، أما الآخر فيطلب البشوت التي تحمل تدرجات البيج".

 

البشوت النسائية

يقول المصنّع كلش، بشأن الطلب على البشوت النسائية: " نوفر هذه الأنواع من البشوت، حسب الطلب، وقد قمنا، أخيراً، بصناعة بشت مرصع بالمجوهرات وأنقى أنواع الأحجار الكريمة، لإحدى الشخصيات النسائية المهمة في الإمارات".

 

بين "الكاجوال" والبشت

ربما لن يتفاجأ المتتبع أو المدقق في واقع وطبيعة تفضيلات الملابس بالنسبة للشباب في الإمارات، كما غيرهم في العالم، بمدى وحجم الجفوة بينهم وبين نمط الملابس التقليدية ذات الوظائف المحددة (كما هي حال البشت)، ليختاروا الملابس الحديثة.

ويفضلونها على تلك الأنماط، لما لها، برأيهم، من سمات مميزة، بخصوص جوانب طابعها العملي وجاذبية مظهرها. "مسارات" التقى مجموعة من الشباب الإماراتي، وحاورهم حول طبيعة علاقتهم بالبشت، ومدى تفضيلهم له من عدمه.

ويوضح ناصر المقبالي، في هذا الشأن، أن تغيّر مفهوم دلالات البشت في أذهان الناس، أسهم في خلق فجوة كبيرة بينه وبين الجيل الجديد، ويضيف:« في الماضي كان الأجداد والآباء يحثون بعضهم بعضاً، ويشجعون أبناءهم على ارتداء البشت، للدلالة على ارتباطهم القوي بجذورهم، إذ كان من المعيب بحق الرجل، سواء كان فقيراً أو غنياً، الخروج من منزله بلا بشت، ولكن مع تطور الحياة أصبح البشت مرادفاً لمعان عدة، وأبرزها الثراء والنفوذ والإمكانات العالية».

 

غير مألوف

وفي الإطار نفسه، يقول عباس فرض الله: "ارتديت البشت للمرة الأولى في حياتي، قبل سنتين، حين تزوجت، ولكنني لا أجرؤ على ارتدائه في الأيام العادية، حتى لا أصبح موضعا للسخرية والتهكم من الذين حولي، ومنهم أفراد العائلة، والذين يعدون ارتداءه تقليداً ضرورياً في الاحتفالات والمناسبات السعيدة فقط.. إن المألوف في هذه الأيام لبس الكندورة أو البنطلون والقميص.

ولكن ارتداء البشت بات يعد خروجاً عن القاعدة، إلا أنني أغبط والدي، لأنه لا يزال متمسكاً بالبشت، ولا يأبه بأي انتقادات توجه إليه بهذا الخصوص، إذ يرتديه عندما يزورنا الأقارب والضيوف في المنزل، للتعبير عن احترامه وحبه وتقديره لزيارتهم".

أما محمد إبراهيم، فيقول :« إن البشت يمنح مرتديه هيبة وعظمة، ولذا لا يجوز لبسه في كل الأوقات أو الذهاب به إلى المطاعم والأماكن العامة، إضافة إلى أنه يفرض على الشخص بروتوكولا معينا أثناء التعامل والكلام».

 

 

 

 

 

 

طرائف

 

في سياق ومضمون الأحداث الطريفة لدى الشباب، بفعل وتأثير ارتداء البشت، يسرد جاسم محمد قصة ممتعة: "أردت أن أذهب إلى المسجد لتأدية الصلاة، ذات مرة، وأنا مكتس بمظهر نموذجي يناسب أجواء المسجد والصلاة. فارتديت البشت وتعطرت.. وفعلا أديت الصلاة وأنا على تلك الحال، ولدى الانتهاء من الصلاة، بحثت عن (نعالي).

ولكن لم أجده، فأصبحت كما المجنون، وأنا أقلب وأفتش دون وعي، في الخزانة المخصصة للأحذية القريبة من باب المسجد، ولكنني لم أجده، ولحظتها، تفاجأت برجل من إحدى الجنسيات العربية، كبير في السن، بادرني بالحديث: (شكلك مرتاح، بتجيب غيرو)، وحينها لم أتمالك نفسي، فضحكت كثيرا، إذ ظنني ذاك الرجل، وبينا أنا أبدو بمظهر الوجاهة (مرتديا البشت)، ميسور الحال..

وعندها بادرت خلال الخروج من المسجد، إلى خلع البشت، وكذا عدت إلى المنزل حافياً حتى في ظل حر ورطوبة الجو حينها. . مرّ على تلك القصة أكثر من أربع سنوات، ولكنني لم ألبس البشت من يومها، وكلما استرجعت وأفراد أسرتي، الذكريات الجميلة، لابد وأن يروي والدي القصة، ويصفني (بالخقاق) أي المغرور".

وفي السياق، يقول سعود محمد (ضاحكاً): "كنت أعمل في مجال استقبال الشخصيات المهمة سابقاً، وكانت مرافقة الشخصيات المهمة أثناء السفر، أمرا طبيعيا، وفي إحدى المرات ودعت زوجتي وأبنائي، وسافرت إلى ألمانيا حيث كان هناك معرض مهم للغاية.

 وارتديت البشت، حالي حال مرافقي الشخصية الرفيعة، وبعد انتهاء المعرض، التقط لي صديق صورا متنوعة، ووضعت إحداها على الـ"فيس بوك"، حتى ترى عائلتي "كشختي"، ولكن زوجتي ظنت أنني تزوجت عليها، ولولا أن شرحت لها الوضع لحدثت مصيبة".

ومن جهته، يرى حمد بدر، أن الحديث عن عزوف الشباب عن ارتداء البشت في هذه الأيام، يشبه الحديث عن عدم ركوبهم الجياد في زمن السيارات، ويقول حول ذلك:" لكل زمان لباس معين، والبشت تقليد قديم لا يصلح في أيامنا هذه، لأن موضته انتهت. . أنا لم أرتد "الكندورة" و"الغترة" في حفل زفافي، بل ظهرت ببدلة رسمية وربطة عنق، نزولاً عند طلب العروس، وقد كانت تجربة جديدة بالنسبة لي، حظيت بإعجاب عائلتي وجميع من حضروا حفلة الزفاف".

ويؤكد خلفان الأحبابي، أن البشت ليس هو وحده ما يمنح الرجل الخليجي عموما والإماراتي على وجه الخصوص، هيبة وحضوراً ووقارا وجاذبية، في المحافل والمناسبات، بل يهتم الرجل اليوم بساعة اليد التي يرتديها، إضافة إلى (العقال) و(الغترة) و(النعال)، إذ يحرص على أن تكون جميعها، ذات نوعية جيدة وبألوان مميزة، لأنها تعطيه مظهراً عملياً وأنيقاً في الوقت نفسه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

..في السياسة

 

كانت علاقة الزعيم الليبي معمر القذافي بـ"بشته" البني المصنوع من الصوف، غريبة كثيراً، إذ كان يحب الظهور به لاستقبال أهم الشخصيات السياسية، وذلك بعد أن كان مولعاً بارتداء البدلة العسكرية، ولكن ذلك البشت، لم يسلم أيضا من أيدي الثوار الذين تشفوا به على طريقتهم الخاصة، فقاموا بتمزيقه كونه من الملابس المألوفة والمرتبطة بشكل ومظهر شخصية القذافي، كما أنه كان العلامة المميزة لخطابه الشهير بـ: "زنقة زنقة"، على وجه الخصوص.

طباعة Email