تظهر القطع التي تروي سيرة تاريخية من أمام منزل المقتني الإماراتي يوسف خوري، في إحدى مناطق أبوظبي، إذ عجزت الفيلا التي يقطنها عن استيعاب كل ما يمتلكه من مفردات أثرية، أو قطع نادرة، لهذا وضع قسما منها في إمارة الشارقة، كما يقول، وأبقى على الآخر في أبوظبي. إنها أكثر من عشرين ألف قطعة، تعود إلى تواريخ مختلفة.
في وقت أدى فيه ضيق المساحة في مكان سكنه، إلى صعوبة اكتشاف وتذوق جمالية كل قطعة على حدة. فقد يبحث خوري عن القطعة من خلف أخرى غيرها، متراكمة فوقها، وهو ما يؤدي إلى التأكد من أنها لو عرضت في متحف، لاستمر المتجول طويلا وهو يتأملها، ولكنه سيتأملها بجمالها الحقيقي.
يشعر من يشاهد هذه المقتنيات القديمة التي يمتلكها الإماراتي يوسف خوري، بأنه يمشي في رحلة مع الزمن. ويتأمل بالتالي، تلك المقتنيات التي كانت في يوم من الأيام لأشخاص لا نعرف عنهم شيئا، ولكن بالتأكيد، كان معظمهم من وجهاء المجتمع، لأن القطع الموجودة، وبنسبتها الغالبة، لا يمكن امتلاكها إلا لقاء مبالغ كبيرة، ذلك لما تطلبته من حرفية وفن في صناعها، حتى ولو كانت للاستخدام اليومي فقط.
مقتنيات متنوعة
يحكي يوسف خوري، والذي لم يوفق إلى الآن في أن تكون قطعه في متحف يحفظها للزمن المقبل، عن مختلف القصص والمواقف التي أحاطت بهذه المقتنيات،مشيراً إلى أن مقتنياته تسرد حكايات شيقة عن أحداث العالم وقصص الحياة. ويضيف: «عرض علي العديد من الأثرياء الخليجيين شراء هذه القطع، لكنني رفضت، إذ اعتبرها ثروة وطنية لا يجب أن تغادر أرض الإمارات».
تعود بدايات هذه الهواية المكلفة لدى خوري، إلى فترة ما قبل الستينات من القرن الماضي، إذ شرع حينها، في تجميع القطع النادرة، من دون أن يتخصص بشيء محدد. ويقول خوري: «إن لم أحصل على القطعة، ألوم نفسي كثيرا، وربما أصاب بالأرق فلا أنام الليل». ويلفت الى ان البداية كانت مع تجميعه للطوابع. ويتابع: «كنت أحتفظ بالطوابع الملصقة على الرسائل، التي كنت أتلقاها من أصدقائي في الهند».
ويبين كيف تحول بعد ذلك، الى التركيز على جمع قطع واشياء جديدة: «انتقلت بعدها، إلى جمع الكاميرات، خاصة تلك التي استعملت في الإمارات قبل 120 سنة. ومنها ما كانت أفلامها (مادتها الفيلمية) مصنوعة من الزجاج، إلى أن تطورت بصناعتها فوصلت إلى شكلها الحالي بشريط النيغاتيف البلاستيكي».
تسرد الكاميرات التي هي جزء من مقتنيات يوسف خوري، عند مشاهدتها، جملة تواريخ وقصص وحكايات عن أماكن صناعتها في بعض الأحيان. وقد كانت الانطلاقة مع امتلاكه أول كاميرا، وهو في الثانية عشرة من العمر.
ويتحدث عن ذلك، فيقول: «اشترى لي خالي تلك الكاميرا، بمبلغ قدره 15 درهما، وهي كانت من نوع أغفا، وتستوعب 12 صورة، وكان علي حينها، أن أرسل الفيلم إلى البحرين لتحميضه، وهو ما يحتاج الى وقت يقدر بـ 15 يوما. وأما الفيلم الملون، فكان يتطلب مني لتحميضه، إرساله إلى العاصمة البريطانية لندن، ما يعني في مقياس الوقت المطلوب، قرابة ثلاثة اشهر».
قطع نادرة
بالنسبة لحصر طبيعة المقتنيات فهو أمر صعب للغاية. ويحكي يوسف خوري حول هذا الموضوع: «امتلك العديد من العملات القديمة والنادرة، ومنها مجموعة من العملات القديمة التي استعملت في الإمارات، وأخرى استخدمت في السعودية، ومجموعة (الروبيات) التي استعملت في الهند خلال فترة الاحتلال البريطاني لها.
وهي عملات ورقية رسمت عليها صور الملك جورج الخامس والملك جورج السادس، وكذلك العملة التي رسمت عليها صورة القائد الروماني أنطونيو. بالإضافة الى عملة رسمت عليها صورة لوجه الاسكندر المقدوني، ومن المرجح أنها كانت تستخدم في عصره، وهي تتميز بأنها كبيرة وثقيلة الوزن».
تنوع المخطوطات وندرتها، ضمن مكون مخزون مقتنيات يوسف خوري، سمة رئيسية بارزة، ذلك خصوصا وانه جمعها بطرق مختلفة. ويقول في هذا الخصوص: «حصلت على بعض هذه المخطوطات من أصدقاء هم من مختلف أنحاء العالم. ومنها الوثيقة الخاصة بحرب التحرير الأميركية، الصادرة عن الكونغرس بين العامين 1775 و1781».
وإلى جانب المخطوطات، يمتلك خوري العديد من المصاحف القديمة، ونسخة من كتاب التوراة، بحجم صغير للغاية، وأيضا نسخة من الإنجيل يقول انها تعود إلى أحد سكان مدينة القدس، وقد رسمت على واحدة من صفحاته الأولى، خارطة فلسطين، وصورة للمناضل المصري سعد زغلول مرسومة على الزجاج، إذ كانت الصور حينها، تظهر على الزجاج، عوضا عن الورق.
جواهر نفيسة
يوضح يوسف خوري، ان هوايته تلك، والتي انتجت قدرته على جميع حصيلة مخزون فكري وثقافي مهم، كلفته مبالغ مالية كبيرة. ويضيف: كل المقتنيات حصلت عليها بمبالغ مالية مرتفعة القيمة، وفعلا، لا أستطيع أن أقدر الكلفة الاجمالية لها، ولكنها كلفتني الكثير، خصوصا وان من ضمنها الحلي القديمة المرصعة، أو الكهرمان النادر، وايضا منها الغليون المصنوع من الكهرمان، إلى جانب قطع مرصعة باللؤلؤ النادر، والألماس الأسود اللون، والنرجيل الهندي بأحجامه المتباينة.
والتي تبدأ، تدريجيا، من الكبير إلى الصغير. ويتابع يوسف خوري تبيان انواع المقتنيات المكلفة جدا: «تطلبت مني مقتنيات الساعات، ومنها ساعات الحائط الكبيرة، مبالغ مالية مرتفعة، ومن بين ذلك ايضا، ساعات اليد وكذا الساعات التي كانت تعلق على الصدر، إضافة إلى بعض الساعات التي تطلبت من صانعها، جهدا كبيرا.
وذلك مثل تلك التي نحت عليها بعض المجسمات». وتتمثل المجسمات الموجودة ضمن مقتنيات يوسف خوري، بأنماط قطع أخرى مختلفة، هي مثل السبحة التي نحتت على شكل ثعبان. وهو يمتلك ايضا، الكثير من السبحات، التي صنع عدد كبير منها، من خامات مختلفة.
غرابة
أثارت بعض القطع الموجودة بين مقتنيات يوسف خوري، تساؤلا حول ماهيتها، وأضفت نوعا من الغرابة عند معرفة كينونتها، فالخيوط الرفيعة الشفافة الملفوفة على قطعة أسطوانية، ربما يكون التخمين أنها قطع لصنارة سمك، أو خيوط عادية لأي شيء آخر. إلا أنها، فعليا، وكما يكشف خوري عن طبيعتها، مختلفة تماما. إذ يقول: إنها شريط تسجيل قديم، ومن خلاله كانوا يستمعون إلى الأغاني.
إن الحديث عن المقتنيات الغريبة لدى يوسف خوري، لا يمكن أن ينتهي، فليس بمقدور أحد أن يخمن كم كان ذلك اللباس الحربي المصنوع من السلاسل المعدنية، ثقيلا، أو أن الدروع المستخدمة في الماضي لرد السهام والسيوف عن المقاتلين، كانت مصنوعة من جلد الفيلة. هذا ما يوضحه خوري، عند شرحه عن كل قطعة من القطع في هذا الصدد.
والتي يمكن الوقوف عندها باستغراب، ونجد ان يوسف يسارع فورا الى التفسير حولها، قبل أن نسأل. ويكشف في هذا الصدد، أن البيانو القديم الموجود لديه، كان يستخدم للعزف في إحدى الكنائس، طوال فترة مضت. وأيضا الآلات الكبيرة الموجودة أمام باب منزله، والتي هي بأحجام مختلفة، وكما يقول، هي عبارة عن مطاحن قهوة كانت تستخدم في بريطانيا، وهي بعكس المطاحن الصغيرة التي كانت تستخدم في بلداننا العربية، والتي امتلك شخصيا، أكثر من واحدة منها.
ومن المقتنيات الغريبة التي تدل على التنوع الذي حرص عليه خوري في عملية الاقتناء، مترجم صغير الحجم، يمكن تفسير ما كتب فيه بواسطة المكبر المرفق به، وصندوق الموسيقى، وهناك أسطوانات لأغان لبنانية قديمة، أو خليجية تعود للفنان عبدالله فضالة، وصابون كان يستخدم في عهد الزعيم النازي أدولف هتلر رسم عليه شعار النازية، إلى جانب العديد من جوازات السفر التي استخدمت في عهد هتلر.
وأدوات كتابة قديمة، مثل المحابر الفخمة. اضافة الى تقويم سنوي قديم يعود إلى العام 1927، وأول راديو وصل إلى الإمارات مع البطارية الكبيرة التي تصاحبه. وغير ذلك الكثير، فالحديث عن قطع بهذا العدد الكبير يبدو أمرا صعبا، لكن في كل مرة يتحدث فيها يوسف خوري عن إحدى مقتنياته، يفعل هذا بحماس وإعجاب كبيرين، وفي كل مرة يردد: «لقد صنعت بدقة وفن، بعكس القطع الاستهلاكية التي يتم صناعتها بسرعة في زمننا الحالي».
صحف
من بين مقتنيات يوسف خوري نسخة من صحيفة «لندن نيوز»، والتي تعود للعام 1872. وكانت حينها تسحب على «الستانسل». وأما الصفحة الأولى، فهي مرسومة بخط اليد. وفي الخلف تبدو المقالات، ولديه أيضا نسخة لعدد من صحيفة «لو بتي جورنال» الفرنسية، مع رسومات لجنود يابانيين على الصفحة الأولى، تحت عنوان «الحرب في اليابان».


