شاعر العرب، الراحل محمد مهدي الجواهري، أحد أعمدة الشعر العربي في القرن العشرين، وآخر شعراء الكلاسيكية السحرية في الشعر العربي.. أسطورة تشكلت عبر قرن من الزمن، وطالما اختلف مع رؤساء دول وملوك وأمراء، وكان سكرتيراً للملك فيصل الأول، إلا أنه لم يستطع أن ينسجم مع البلاط الملكي، حيث تقاطع لديه الشاعر مع الإداري، فاضطر إلى العودة للصعلكة، ثم تربع على عرش الشعر قرناً من الزمن، وربما انه سيبقى على هذا العرش طويلا، كما فعل سلفه المتنبي، فهما يتشابهان ويتناقضان، وطبعا لا يماثلهما أحد أو يشبه بهما.
مثّلت محطات حياة الجواهري في الإمارات، قيمة جماليات خاصة، كان معها وفي أطوارها، كعادته، نموذجا خلاقا للشاعر الذي يتابع الصراع ولا يعرف اليأس مع الحياة، فيواجه المرض ويتحدى العجز، خاصة حين يكون الدافع رغبة الالتقاء بالناس، لينسج، في هذا الوهج، أقنومات كلمات من نور، تحيل روح الشعر في بوتقة غزل يغني للحياة ويتآلف مع الجمال، بينما ينتعش بحب الناس وألفتهم. لم نعد نتابع، بعد أن انتقل الشاعر محمد مهدي الجواهري، إلى جوار ربه، ومعه العديد من عمالقة الشعر العربي الحديث، تلك الأمسيات الشعرية التي تحضرها الآلاف، إذ فقد الشعر جماهيريته وتحول إلى صالات النخبة. أقول ذلك، وأنا أذكر الأمسيات التاريخية لهؤلاء، فالشاعر اليمني عبدالله البردوني، جلس أمام جمهور يقدر عدده بالآلاف، ليقرأ له الشعر، ومن ثم يتنقل في الحديث عن حياته، ويتندر على نفسه. وأيضا كانت لنزار قباني أمسيته الشعرية في قاعة الكريستال الكبرى في فندق حياة ريجنسي بدبي، هي من الأمسيات النادرة، جمهوراً وعطاءً، إذ قدر عدد من حضر بحوالي ثلاثة آلاف شخص. وأما الشاعر محمود درويش، فنظم له حفل رائع في فندق البستان روتانا في دبي، امتلأت فيه مقاعد قاعة الراشدية، والتي تعدت الألف الثانية واقتربت من الثالثة، هذا إضافة إلى من حضر وقوفا والآخرين الذين عادوا أدراجهم نتيجة عدم توفر أي مكان أو مجال للحضور. وكذلك الحال مع أمسية أدونيس، الشاعر الحداثي الإشكالي، الذي أحيا أمسية مميزة، حضرها حشد من المتخصصين والمتذوقين للحداثة الشعرية، افترش بعضه الأرض، إصرارا على تجاوز عائق عدم توافر مكان للجلوس، ورغبة في التمتع بالاستماع إلى ادونيس وهو يلقي أشعاره.
وثيقة القرن الـ20
بقي الجواهري حالة خاصة، آنذاك.. فهو الشاعر المعمر المخضرم، وقد عاش وخبر القرن العشرين، واعياً لمجرياته وأحداثه وتفاصيله، من يومه الأول وحتى الأخير. اكتشفت، بحكم علاقتي العائلية به، أنه ليس الوحيد في العائلة من المعمرين. وكانت أخته، التي تقاربه في عدد سنيها، تصر على أن تطهو الطعام، بنفسها، يومياً، ذلك على الرغم من وجود طباخ متخصص في بيت الجواهري في العاصمة السورية دمشق، بل إنها كانت تصر على تقديم الضيافة للزوار، شخصيا، بعد أن تكون قد أمضت يومها وهي تعمل في المطبخ، سعيا منها لتوفير نكهة المذاق العراقي في الضيافة والطعام.
حدث كبير
حين فاز الجواهري بجائزة سلطان بن علي العويس الثقافية، في دورتها الثانية( 1990-1991)، كان لابد من تنظيم أمسية شعرية بهذه المناسبة، وكانت الجائزة في بدايتها، آنذاك، ولم يكن يتوفر مبنى للمؤسسة (مؤسسة العويس الثقافية)، والجائزة كانت بمثابة ضيف يقبع تحت خيمة اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات، ولذا فكر وبحث الزملاء في الأمانة العامة للجائزة، عن المكان المناسب لهذه الأمسية الشعرية التاريخية، واستقر الرأي، بعد حوار وتداولات، على أن تنظم الأمسية في النادي الأهلي بدبي، في قاعته الكبرى المسقوفة. لم يكن فوز الجواهري بجائزة "العويس الثقافية"، في تلك المرحلة، حدثاً عادياً، ولا حتى الأيام التي قضاها في الإمارات، ضيفاً. فأيامه لا تشابه الأخرى.. وقد كان لي شرف مرافقته والاعتناء به، بحكم عملي. وهو شرف كبير تأتى لي من هذه المرافقة لقامة بحجم الراحل محمد مهدي الجواهري.
غيبوبة فجائية
مات الجواهري مرتين في الشارقة، حيث كان يسكن في فندق الهوليداي انترناشيونال، وأصر وقتها، على حكاية الموت. ولكنه استمر في أن يحيا مجدداً، في كل مرة، ذلك بتأثير سبب كان يختلف ويتفرع مع كل حادثة.. فذات يوم، دخل الجواهري، فجأة، في غيبوبة. وهرع إليه الطبيب المعالج، الدكتور نوري الصكبان الذي كانت الأمانة العامة للجائزة تستعين به في شأن الاحتياجات والأغراض الطبية والصحية العامة. وقد رافقه طبيبان زميلان له، أصرا على مساعدته والوقوف معه على تأمين وحفظ حياة الجواهري وصحته، فقام الدكتور الصكبان بجميع الإسعافات الضرورية. ولكنه أوصى، وكونه لا يستطيع نقل الجواهري إلى المستشفى، بمراقبته الدقيقة. ووعد بالعودة لإجراء كشف طبي عليه، من جديد، بين كل فترة وأخرى. وهكذا ظل الجواهري، نائماً، أو مستغرقاً في غيبوبته، تحت رعاية مباشرة من ابنه، الدكتور كفاح وكنت أذهب للسؤال عن حالته، أو اتصل عبر الهاتف للاطمئنان عليه، وذلك حسب الظروف.
أبو فرات.. الشاب
في مساء أحد الايام، قرابة الساعة الثامنة، دخلت مكتبي امرأتان فاضلتان، واحدة سورية وأخرى عراقية. وكنت أمام حالة إصرار غريب منهما، على زيارة الجواهري، ولكني رفضت، ومثلي فعل ولده كفاح. ولكن فوجئت بهما في داخل مصعد الفندق، عقبها، حين ذهبت للسؤال عن صحته قبل نقله إلى البيت، فدخلتا جناح الجواهري عنوة، إذ لم يستطع أحد منعهما، وجلستا في صالة الجناح، قريبا من الغرفة التي كان يرقد فيها، وسرعان ما سمع
أبو فرات، همساً نسائياً في الصالة، فنادى ولده مستوضحا عن السبب، وتعرف على خبرهما وحكايتهما، ومن ثم أصر على ارتداء ملابسه وربطة عنقه، لنجده عاد، فجأة، إلى الحياة، نشطا وحيويا، متجاوزاً كل تعليمات الطبيب المعالج، واستقبل الزائرتين بحرارة وترحيب كبيرين.. ثم جلس بينهما، وأخذ يحادثهما دون توقف، ولم ينته من مبادلتهما الحديث حتى ساعة متأخرة من الليل، وذلك حين أخبرته احداهما بأن زوجها سيطلقها لو تأخرت بعد هذه الساعة.. فضحك أبو فرات.. وقال ممازحاً: " ياريت .. حتى يصير لنا أمل بهذا الوجه الجميل". كنا نراقبه أنا والدكتور كفاح الجواهري.. وتذكرت قصائد الغزل الرائعة التي طرزت دواوينه الشعرية، عبر مئة سنة، ذاك مثل قصيدته التي يقول فيها:
جربيني من قبل أن تزوريني
وإذا ما ذممتني فاهجريني
إلا أن الجواهري قد توج هذا الجانب الغزلي في شعره، بقصيدته الخالدة عن بائعة السمك في براغ، والتي يقول فيها:
دلفنا لـ "حانوت" سماكة
تزود بالسمك "الكابري"
فلاحت لنا حلوة المُجتلى
تلّفـــت كالــرشا النــافر
تشد الحزام على بانةٍ
وتفتر عن قـمـر زاهر
لا للموت
بعد تلك الحادثة بأيام، وتحديداً في عصر اليوم الذي اعتمدته الأمانة العامة لجائزة "العويس الثقافية"، موعداً لأمسيته الشعرية الألفية، فوجئنا بولده الدكتور كفاح يستغيث بالطبيب نوري الصكبان، والذي هرع معنا، برفقة كادره الطبي الخاص، إلى فندق هوليداي انترناشيونال بالشارقة، لنفاجأ بالجواهري قد فقد وعيه، وبدا بحالة صحية سيئة للغاية، فشرع الدكتور الصكبان وزملاؤه بإجراء الرعاية الطبية اللازمة، وفضلوا عدم نقله إلى المستشفى، خوفاً من أية مضاعفات، معلنين أن حالته حرجة. وأوصوا بعدم جواز تحركه من فراشه، مشيرين إلى صعوبة وضعه الصحي، ومشددين على الخوف من الانتكاسة والتي ستفضي إلى حالة صحية أكثر تدهورا. وبدأ العد التنازلي للأمسية الشعرية الألفية. فتوافد الناس على النادي الأهلي بالآلاف، وامتلأت المقاعد، التي لم نستطع حصر عددها.. وبدا الكثيرون وقوفاً في جوانب الصالة.. كان حشدا بشريا يضم جميع جنسيات العرب، جاء أفراده للاحتفاء بشاعر العرب الأكبر، واعتزازاً منهم بالإبداع الشعري المتميز والتاريخ الوطني المهم للمبدع الذي مثّل أفضل من كرم شهداء الأمة، عبر قصيدة عصماء مميزة، كما لم يفعل شاعر من قبله، ولا من بعده:
يوم الشهيد تحية وسلام
بك والنضــال تؤرخ الأعــوام
بك والضحايا الغر يزهو شامخاً
علم الحساب وتفخر الأرقام
تأخر افتتاح الأمسية تلك الليلة .. وفضلت هيئة الأمانة العامة للجائزة (جائزة العويس)، التي حضرت إلى النادي الأهلي، برئاسة الاديب عبدالغفار حسين، أن يبدأ الشاعر جعفر الجمري، المكلف حينها تقديم الجواهري، بقراءات شعرية عامة، إلى حين الوصول إلى قرار مناسب إزاء هذه الكارثة التي حلّت. وكان الموقف صعباً جدا.. والخيار الأقل فداحة فيه، كان مرّا.
وبقي الجميع مهجوسا وحائرا، يعتمل في دواخله سؤال وحيد مربك: ما العمل؟!
إنه سؤال صعب، ولم يكن بمقدور أحد العثور على إجابة له، أو الوصول إلى قرار بشأنه.
وأيضا، وكأن الأمر حينذاك، لم يكن يكفي بما وصله من حدود تدهور، إذ ورد بيان من الدكتور المعالج، الصكبان، وصف فيه حالة الجواهري بالسيئة والقابلة إلى احتمالات أصعب، بل انه لفت إلى حالة قريبة من اليأس: ".. ربما يفقد حياته، فالحالة سيئة إلى درجة كبيرة".
وبدأت جميع الحلول المطروحة في خضم النقاش الذي دار في الغرفة الصغيرة ضمن الملحق الخاص بالمنصة في النادي الأهلي بدبي، بشأن هذه الكارثة، وكأنه من جنس المحال والمحرج.. لكن، وفجأة، رنّ هاتف النادي الأهلي ( وطبعا، لم تكن الهواتف النقالة قد اكتشفت أو انتشرت بعد). وكان المتحدث د. كفاح الجواهري.
وهنا، وقفنا جميعا، وكأن الطير على الرؤوس.. فما الخبر الذي سينقله د. كفاح يا ترى؟ وكان الجمهور في الصالة، تلك في الأثناء، شرع بالتململ وعدم الاستجابة او التناغم مع قصائد جعفر الجمري، بل إن الإشاعات طفقت تتسرب اكثر واكثر، مع مجيء الراحل سلطان بن علي العويس، رحمه الله، والذي فوجئ لحظتها بخبر الحالة الصحية المتردية لزميله وأخيه الجواهري.
ولكن، في فحوى تلك المكالمة غير المتوقعة، كانت البشارة، إذ أعلن الدكتور كفاح عن قدوم والده إلى الأمسية، طالبا تمديد قراءة الجمري الشعرية، إلى حين وصولهما، وقد كان الطريق أيامها بين الشارقة ودبي، سهلاً. كما أن مقر النادي الأهلي في دبي، كان قريبا من الشارقة: في موقعه الحالي، قرب المُلا بلازا.
«تأخرنا عن الموعد»
والحكاية الغريبة التي رواها الدكتور كفاح، هي أن الشاعر الجواهري، فتح عينيه فجأة، مستيقظا من غيبوبته الطويلة، فنادى عليه وسأله عن الوقت في تلك اللحظة، وحينما سمع بأن موعد الأمسية حلّ، وانه تأخر، طفق يتساءل عن أسباب بقائه في السرير، وعندما علم السبب، واطلع على تقرير الأطباء وتحذيراتهم، ضحك هازئا بما قرروه، فقام فورا، مستجمعا قواه، وطلب من ابنه المباشرة في مساعدته لتبديل ملابسه، إلا أن كفاح امتنع عن ذلك، خوفاً على والده، والذي بدا متشبثاً بالحياة، ومصراً على الاستمرارية، ولما أصر على منعه وطلب منه العودة إلى السرير، فقال الجواهري:
" يا ولدي .. الموت واحد.. هنا أم بين هؤلاء الناس الذين جاؤوا إكراماً لي.. دعني أموت بأحضانهم إن كان لي شرف مثل هذه الميتة.. يالله توكل على الله ولا تخاف".
.. ولابد من الحضور
وصل الجواهري إلى النادي الأهلي، وقوبل بالتصفيق الحاد، وكذا حظي بالاستقبال الذي يليق به.. فاعتلى المنصة منتصبا بقامته المديدة وبعملقته الشعرية.. وشرع في حديثه مستهلا إياه بالاعتذار للناس (الحضور)، والذين كانوا قد علموا بحالته الصحية المتردية، منبئا الجميع بتفاصيل قصة إصراره على المشاركة والوصول إلى الصالة، حتى وإن تأخر قليلا. ومن ثم بدأ يشدو، متنقلاً "من يوم الشهيد" إلى "أخي جعفر":
أرح ركابك من أين ومن عثر
كفاك جيلان محمولاً على خطر
وتحول إلى الشجو والإبحار في عوالم "أطبق دجى"، فقصيدته التي قالها عام 1945 وهي ساخرة إلى أقصى الحدود، يهزأ فيها من الأنظمة الحاكمة في العراق، وهي على وزن القصيدة الدبدبية، التي قيلت في العصر العباسي ومطلعها:
أي دبدبي تدبدبي
انا علي المغربي
إلا أن الجواهري كان قد جعل مطلعها:
أي طرطرا تطرطري
تقـدمي تأخــري
واستمر الجواهري ينتقل، في تلك الامسية، من قصيدة إلى أخرى، فتارة يحل في عوالم الغزل، وأخرى في حضن القصيدة الوطنية. وثالثة في رحاب التغني ببغداد.. إلا أنه لم ينس رائعته الخالدة، التي نشرت في الثاني من شهر فبراير عام 1963، والتي كتبها في منفاه عام 1961، إذ يقول فيها:
حييت سفحك عن بعد فحييني
يا دجلة الخير يا أم البــساتيــني
حييت سفحك ظمآناً ألوذ به
لوذ الحمائم بين الماء والطــين
يا دجلة الخير يا نبعاً أفارقه
على الكراهة بين الحين والحين
إني وردت عيون الماء صافية
نبعاً فنبعاً فما كانــــت لتــرويــني
ظل الجواهري على المنصة، في المسرح الأهلي بدبي، في حفل الأمسية الشعرية التي نظمت بمناسبة فوزه بجائزة العويس، قرابة الساعتين، قرأ وانشد فيها اجمل أشعاره وارقها، معتمداً على ذاكرته، التي تحدت سنوات العمر، تلك ليلة شعرية لم ولن تتكرر في تاريخ الشعر العربي.. إنها ليلة سجلت حدثين للجواهري .. موته في الشارقة وعودة الحياة إليه في دبي. هي قدرة الله سبحانه وتعالى، وكذا تصميم من الجواهري الذي أحب الحياة، وعاشها شاباً، حتى وهو في أواخر حياته.


