على مدار ساعات اليوم، تبث القنوات التلفزيونية العربية والمحلية، العديد من البرامج التي تكاد تتشابه بين بعضها البعض من حيث أفكارها وطرق تقديمها، والمتابع لمعظم هذه البرامج يجد أن أفكارها مستنسخة من أفكار أوروبية وأميركية ولكن تتحدث العربية.
الانتشار الكثيف لمثل هذه البرامج، سواء تلك المتخصصة في المسابقات أو برامج الطبخ وخلافها، أدى إلى تغلبها أو سيطرتها، على العديد من البرامج الحوارية والثقافية التي بدأ شعاعها يخفت عن القنوات العربية، لتحل مكانها، إما مسلسلات مدبلجة أو عربية بكل تصنيفاتها أو برامج مسابقات تحاكي تلفزيون الواقع، مثل "ستار أكاديمي".
تمتلك البرامج التلفزيونية الترفيهية المنوعة، اهتماما كبيرا من قبل الجمهور، وهي مطلوبة جدا، بفضل ما تحمله من جوانب إمتاع وتسلية لهم، إلى جانب إنها خفيفة الظل، إلا أن ذلك لا يعني سيطرتها الكاملة على الدورة البرامجية لأي قناة، بحيث تتغلب على البرامج الحوارية والثقافية التي تحمل بين طياتها الكثير من المعلومات، وتسهم في تعزيز الوعي الثقافي والفكري، لدى المشاهد العربي.
كما ان غياب البرامج الثقافية وتهميش البرامج الحوارية، تحول إلى قضية مهمة يجب الوقوف عندها، خاصة في ظل انتشار الإعلانات التجارية وبرامج المسابقات والمسلسلات الدرامية، إلى جانب الكليبات المصوّرة.
الأشخاص الذين استطلع "مسارات" رأيهم، حول ذلك، اتفقوا على عدم وجود مكان للبرامج الثقافية، وأيضا على أهمية وجود البرامج الحوارية الدسمة، وعزوا أسباب ذلك إلى عدم وجود شريحة جماهيرية مهتمة بمثل هذه البرامج، وهو الادعاء الذي عادة ما تقدم عليه معظم إدارات القنوات الفضائية، وبالطبع هذا الأمر أسهم بشكل كبير في تغييب مثل هذه البرامج عن الشاشات العربية "إلا من رحم ربي".
طبيعة الإعداد
عن أسباب قلة البرامج الثقافية والحوارية في القنوات المحلية، قال إبراهيم الأحمد، مدير قناة أبوظبي الأولى: "بتقديري، ان قلة هذه البرامج لأسباب عدة، وهي قد تختلف من قناة لأخرى، ولكنها تتفق في جزئية معينة، تتعلق بنوعية الإعداد وطبيعته، وغير ذلك. وهذا إلى جانب قلة عدد المعدين، خاصة في ما يتعلق بالبرامج الحوارية، ومع التغييرات التي تشهدها المنطقة العربية عموماً.
وكثرة البرامج الحوارية التي تقدمها القنوات الإخبارية المتخصصة والتي يستحوذ بعضها على نسب مشاهدة عالية، ذلك لأنها تلامس اهتمامات شريحة كبيرة من المشاهدين في وطننا العربي، وتتعلق بالأوضاع والتطورات السياسية في المنطقة، فقد صار من الضروري أن "تــُــنتقى" أفكار البرامج الحوارية وحتى الثقافية، بحيث تجد الاهتمام والمشاهدة من قبل الجمهور.
وكذلك تخرج عن الإطار الممل الذي يفرض على المشاهد الجلوس ساعة أو أكثر، لمتابعة بغرض متابعة برنامج ما لا يحمل جديداً، وهذه بالطبع، حالة "التشبع" التي تصيب المشاهد من البرامج الحوارية وأسلوب السؤال والجواب، وكذلك كادر يضم مذيعاً وضيفاً أو أكثر.
وحول إذا ما كان لغياب هذه البرامج، أي تأثير على ذاكرة المشاهد، قال الأحمد: "بلا شك، فإن غياب مثل هذه البرامج، قد يؤثر سلباً في الصورة العامة للقناة، فإلى جانب واقع أن مثل هذه البرامج تساهم في رفع مصداقيتها ومهنيتها، يعمل وجودها على خلق تنوع في الدورة البرامجية، ما بين المنوعات والبرامج الجادة، غير أن غياب مثل هذه البرامج بلا شك، لا يخلق التوازن المطلوب.
ولا يخدم الصالح العام ورسالة القناة، خاصة وأن التلفزيون يعد وسيلة مهمة للحصول على الفائدة، مثل ما يقدم المتعة والترفيه والخبر والمعلومة، وبالتالي فإن غياب أي من هذه العناصر قد يُفقد القناة أهدافها، وبناء على ذلك، فأنا لا أؤيد غياب البرامج الحوارية عن الدورة البرامجية، مهما كانت الأسباب، لقدرتها على ملامسة قضايا المشاهد وهمومه وتلبية متطلباته.
تحفيز وتنشيط
ويرى مدير قناة أبوظبي الأولى، أنه يمكن إعادة تنشيط مثل هذه البرامج، وتحفيز المشاهد على متابعتها، من خلال نوعية المواضيع التي تطرحها، والتي تعمل بصورة أساسية على رفع نسبة المشاهدة والقبول، وبتقديري، هذه البرامج تستطيع أن تحقق المشاهدة في حال تطرقت إلى ما يهم المشاهد. وفضلاً عن ذلك فإن طريقة تقديم مثل هذه البرامج تلعب دوراً كبيراً في تحقيق نسبة المشاهدة المطلوبة.
وكذلك الأمر ينطبق على طريقة إخراج البرنامج والخروج على نمط استجواب المذيع لضيوفه، ما بين سؤال وجواب فقط، من دون أن يكون في الحلقة نوع من التشويق وتغيير الصورة ومحاولة تغيير نمط الحلقة، ما بين تقارير وغيرها، وهي قضية تلعب دوراً رئيساً في عدم شعور المشاهد بالملل. وأضاف: "بالنسبة لنا في قناة أبوظبي، نحن حريصون على استمرار مثل هذه البرامج خلال الدورات البرامجية.
وحالياً لدينا برنامج "خطوة" الذي يعد من البرامج الحوارية التي حققت حضوراً ومشاهدة عالية، من خلال عدة عوامل، منها : طريقة الإعداد، نمط الحلقة، الفقرات التي تتضمنها كل حلقة، الضيوف. كما يوجد لدينا برنامج "مثير للجدل"، وهو من البرامج الحوارية المتميزة التي تُشاهد من قبل شريحة كبيرة، محلياً وخارجياً، نظراً لطبيعة المواضيع المطروحة وقربها من المشاهد بمختلف توجهاته".
عدم وجود جمهور
وقال الزميل جمال مطر، مقدم برنامج "حوار خاص" على قناة سما دبي، حول هذه القضية: "بلا شك أن البرامج الحوارية والثقافية، على حد سواء، مثرية وناجحة بشكل عام، ولكن المشكلة التي نواجهها في هذه النوعية من البرامج تتمثل في عدم وجود جمهور لها بشكل عام، وإذا وجد فهو متخصص جداً، ولعل هذا هو السبب الرئيسي وراء عدم تحمس إدارات القنوات الفضائية لتقديم هذه البرامج.
وهي عادة ما تعزو السبب إلى عدم وجود الجمهور، رغم أن المسؤولية الرئيسية التي تتحملها إدارات القنوات تكمن في تطوير ذائقة الجمهور ورفع مستوى الفكر والوعي لديه عبر تقديم مادة برامجية حيوية لها قيمة ومعنى عال، ونحن ندرك تماماً ان القنوات الفضائية بشكل عام تدرك، ان الجمهور العربي لديه حب للثقافة والتعلم، ورغم ذلك فهي غير مهتمة بتطوير هذا الجانب".
وأضاف: "البرامج الثقافية بشكل عام غائبة عن قنواتنا المحلية وبشكل ملحوظ، وبنظرة واحدة على الدورات البرامجية نكتشف أنه في كثير من الأحيان لا يوجد سوى برنامج ثقافي واحد يتيم فيها، وعادة يكون متخصصا في الشعر، وكأن الأدب العربي لا يوجد فيه إلا هذا الجانب، وبتقديري، فإن عدم وجود توجه لدى إدارات القنوات الفضائية نحو هذه النوعية من البرامج، عزز من عدم وجودها، وساهم بتكريس برامج أخرى مثل المسابقات وغيرها والتي تفتقر حتى للمعلومات المفيدة للجمهور".
كما يعتقد جمال مطر ان نجاح البرامج الثقافية، وحتى الحوارية، في أية قناة، يحتاج الى الترويج الجيد ورصد ميزانيات مناسبة لها، وأشار الى أن عملية استيراد البرامج الغربية إنما هو إحساس بالنقص، فضلاً عن أنه حولنا الى اتكاليين ولم يعطنا الفرصة للتفكير والإبداع. كما تمنى مطر حدوث ربيع عربي يجتاح الدورات البرامجية العربية، ويعمل على تغييرها وتقديمها بطريقة أفضل للجمهور.
مجموعة معايير
ومن جهته، الزميل الدكتور خليفة السويدي، مقدم برنامج "خطوة"، على قناة أبوظبي الأولى، قال حول هذه القضية: "من وجهة نظري، فإن البرامج الحوارية والثقافية عموماً، تعتمد على مجموعة من المتغيرات أو المعايير الضرورية لنجاحها، حيث اعتبرها مقياساً للنجاح من عدمه، وهي تتوزع بين معايير فكرية وفنية وإخراجية وغيرها". وأضاف: "المعايير الفكرية، وهي الأهم بتقديري في أي برنامج، تعتمد على المعد والمقدم والضيف، حيث يكون لكل واحد منهم، دوره المتخصص، فليس من المستساغ أن يقدم البرامج الحوارية والثقافية، شخص غير متخصص .
ولا يمتلك الخلفية الفكرية المطلوبة لمثل هذه النوعية من البرامج، وبتقديري فإن المقدم بدونها يتحول الى مذيع فقط، وهو لا يصلح تماماً للبرامج التي تعتمد التنمية الذاتية خطاً لها، وبلا شك، فهناك فرق شاسع بين المذيع والمحاور". وتابع: " النقطة الثانية المهمة في هذا الجانب، هي تعتمد على الضيوف، والذين يجب أن يكونوا من أهل الاختصاص والخبرة المناسبة.
وبالتالي، فإن حسن اختيار الضيف المناسب في الوقت المناسب، امر يمكننا من معالجة القضايا بطريقة دقيقة، ويعمل على تقديم معلومة مفيدة وجيدة وثرية للمشاهد، وبلا شك فإن وجود حالات دراسية في أي برنامج حواري أو ثقافي، يعمل على تعزيز فكرة البرنامج ويقويها، ويجعل البرنامج قريباً من نبض الشارع، لأنه لا فرق بشكل كبير، بين وجود خبراء ومنظرين وبين وجود أناس، مروا بالتجربة نفسها، وأعتقد ان وجود حالة دراسية أو شاهد، يعطي البرنامج نوعا من المصداقية والشفافية والمهنية العالية، وهو أمر بلا شك، مهم جداً لأي برنامج مهما كان نوعه".
والى جانب هذه المعايير يرى السويدي ان المعايير الفنية، مثل الإخراج وطريقة حركة الكاميرا وديكور الاستوديو، تلعب دوراً مهماً في نجاح البرنامج، وقال إن بعض البرامج تقتل بسبب عدم وجود استوديو مناسب، وهو ما يحولها إلى حلقة إذاعية وليست حوارية.
كما أشار الى أن طريقة التواصل مع المشاهدين تلعب دورا في نشر البرنامج وإنجاحه، فهو يوضح طبيعة الشريحة المجتمعية التي تتابع البرنامج ويرفع من مستواه، ويقدمه بطريقة مهنية محترفة، مؤكداً أن هناك فرقا كبيرا بين البرامج المسجلة والمباشرة، وعادة ما يكون التواصل في الأخيرة، أفضل، في ظل وجود وسائل تواصل اجتماعية عديدة.
وفي معرض حديثه عن مدى حاجة المشاهد العربي لهذه البرامج، قال: "بشكل عام نحن نحتاج الى البرامج الحوارية والثقافية، والمشكلة الحقيقية لدينا تكمن في أن إدارات القنوات الفضائية العربية، عملت على تحويل الإعلام العربي الى ترفيهي، وهذا ما دفع العديد من المشاهدين العرب، الى التوجه الى القنوات الأجنبية ومتابعتها للحصول على المعلومة الجيدة، وتابع السويدي: "كنا سطحيين جدا في تقديمنا للبرامج الثقافية والحوارية، والسبب أننا نعتقد جميعا، بأن المشاهد العربي سطحي ولا يهمه إلا الترفيه.
وهو أمر غير حقيقي، ولكن عندما لمس صناع القرار كمية التسرب التي حدثت بين مشاهدي القنوات العربية نحو القنوات الأجنبية، بدأنا نلحظ عملية تغير شاملة في الاعلام العربي، حيث اصبح هناك توجه نحو التخصص. وأصبح لدينا قنوات خاصة بالأخبار والموسيقى والدراما والأفلام والبرامج الوثائقية وغيرها، وبالطبع فهذه نقطة تحول تحسب للإعلام العربي عموماً، وتشير الى وجود ارتقاء في الجسم الاعلامي بشكل عام، ولكن وجود مثل هذه القنوات لا يعني عدم وجود قنوات متنوعة التي تضم كل هذه الاشياء. ولكن يجب مراعاة التوازن بين برامجها حتى لا تغلب كف على أخرى فيها".

