كثيرة هي المجلات التي صدرت وتصدر عن المسرح، إلا أن «الرولة» لها نكهة أخرى، بل هي تتجاوز كل المجلات التي تملأ ساحاتنا اليوم، لا لأنها أفضل منها طباعة وتبويباً وموضوعات، إنما لأنها صدرت في زمن لم يكن في منطقة الخليج كلها مجلة تعنى بالمسرح، فكانت هي الأولى التي ترى النور، حاملة المسرح، موضوعاً ومنهجاً وهماً.
قيم وميزات كثيرة اتسمت بها تلك المجلة المهمة: «الرولة»، فهي لم تصدر عن دار غنية وعريقة بالعمل الصحافي أو عن مؤسسة حكومية أو وزارة، إنما صدرت عن مسرح الشارقة الوطني، بكل ما كان يحمل من تواضع ومحدودية مادية، غير أنه كان ليه حلم وهدف ومنهج وتوجه، إضافة الى توفر جهود العاملين مجتمعة، في صيغة تكاتف وتفان، لاجل إصدار هذه المجلة بإصرار وعزم، وذلك رغم تعرضها إلى عدة هزات مالية أوقفتها في مراحل عدة، ولكنها كانت تتجاوز المحنة، لتشكل محطة جديدة من التطور.
إصرار ونجاح
وجاءت «الرولة» في زمن منافس، فقد كانت تصدر في كل من بغداد ودمشق والقاهرة وتونس، مجموعة مجلات متخصصة بالمسرح، وفيها عدد من المحررين وجهاز من المتخصصين، وهي طبعا، بأموال ضخمة، إذا ما قورنت بما كان يصرف على «الرولة» من ثمن للطباعة وعمل تطوعي من العاملين على إصدارها.
ولكن «الرولة» في المحصلة النهائية، كانت منافسة لتلك المجلات، واحتلت موقعها عند القارئ العربي سريعاً، بعد أن وصلت إلى معظم الأقطار العربية، إن لم يكن جميعها، وظهرت كخلفية في فيلم سوري لدريد لحام، بل أصبحت جزءاً من مناهج الدراسة الأكاديمية في الأكاديميات الفنية، في معظم الجامعات والمعاهد العربية.
ميدان..
ولعل ما يميزها أيضاً، اسمها الذي يبدو غريباً للقارئ العربي، والذي لم يتعرف على الإمارات ولم يعش في الشارقة تحديداً.
والرولة الآن ميدان كبير يتوسط مدينة الشارقة، وفي هذا الميدان تنتصب بقايا شجرة الرولة، في إطار نصب فني يحفظ لهذه الشجرة تاريخاً عاشه أهالي الشارقة، قبل قيام اتحاد دولة الإمارات، وحتى بداية السبعينات من القرن الماضي.
كانت الرولة شجرة معمرة كبيرة تتوسط منطقة المريجة بالشارقة، بالقرب من الحصن في شارع البنوك حالياً، المتفرع من شارع العروبة، وهي كانت تشكل المحطة التي يتجمع فيها أهل الشارقة بعد صلاة الجمعة، وفي الأعياد والأعراس، والمناسبات الأخرى، ولذا كانت تشكل ذاكرة حية لأهل المنطقة، ومكانا مرسوما في ذاكرة الآباء والأبناء معاً. وظلت هذه الشجرة حية، تظلل بظلالها أهل الشارقة، صيفاً وشتاءً.
ولا أحد يعرف لها عمراً أو مثيلاً، حتى جاءت المدينة الجديدة بشوارعها وعمرانها، وجاءت واحدة من الشركات الأجنبية لتبليط شارع العروبة الحالي، ولأنها أصبحت في وسط المخطط للشارع، بادر أحد العمال بإزالتها بواسطة البلدوزر، وما أن انطرحت على الأرض وبدأ العمال بحرقها حتى جن الأهالي في الشارقة، فانطلقوا جماعات جماعات، ليعلنوا عن سخطهم ورفضهم لإزالة الشاهد الوحيد على حياتهم وذاكرتهم.
إلا أن الأمر قد قضي، وماتت شجرة الرولة، وأصبح التفكير في ابتكار أسلوب محدد لتظل الشجرة شاهداً على تلك الحياة التي اعتز بها أهل المنطقة، ولذا ابتكر أحد الفنانين نصباً فنياً جميلاً لتحفظ الشجرة اليابسة بداخله، وتوضع في المكان نفسه، وتحول المنطقة إلى حديقة خضراء والى ساحة واسعة، تسمى باسم «الرولة». ولذا، حينما خطط لمشروع المجلة، اقترح أحد أعضاء مسرح الشارقة الوطني، وهو الزميل محمد عبدالله، تسمية المجلة بالرولة تيمناً وتثميناً للحدث، وتأكيداً على ذاكرة المكان.
مع المد القومي..
عند هذه الشجرة وقعت أحداث وحكايات طريفة، بل وتعتبر مؤشراً للحياة في تلك الفترة. وقد حدثني الصديق ناصر حسين العبودي، المؤرخ والكاتب وأمين سر اتحاد الكتاب، عن ذكرياته لشجرة الرولة، إذ قال لي، انه حين كان صبياً، ذهب مع والده ليشاهد فيلما سينمائياً يعرض في منطقة الرولة، من قبل المركز الثقافي البريطاني التابع للقوات الإنجليزية، آنذاك.
ويعتقد العبودي أن هذا هو الفيلم الأول الذي عرض في ساحة الرولة. ويضحك العبودي عندما يذكر أنه وأباه، جلسا خلف الشاشة، وشاهدا كل الأحداث بالمقلوب، ومن ثم تم إرشادهما إلى المكان السليم، في مشاهدة العرض السينمائي أمام الشاشة وكان الفيلم دعائياً في إطار التوعية الصحية.
ويحدثنا شخص آخر عن حكاية أخرى، أثناء المد القومي، إذ أعلن عن قرب زيارة جمال عبد الناصر الى لشارقة. وقيل يومها، انه سيخطب في أهلها عند الرولة، ومن عمق حب عبد الناصر في قلوب الناس، فقد أقسم أحد المواطنين بأنه سيقدم ولده قرباناً لله عند وصول جمال عبد الناصر، ومرت أيام وأعلن عن وصول عبد الناصر إلى الرولة فهب أهل الشارقة عن بكرة أبيهم لاستقبال عبد الناصر.
وكان على هذا الرجل أن يبر بقسمه فقاد ولده متجهاً إلى الرولة لتقديمه قرباناً لله تحت قدم جمال عبد الناصر، واستغرب الناس ونصحه البعض واعترض عليه آخرون، إلا أن العناية الإلهية قد أنقذت الطفل، إذ وصل عبدالله السلال رئيس اليمن، بدلاً من عبد الناصر، بعد أن تأخر لأسباب صحية.
وهناك حكايات طريفة وعديدة جداً، عن كل الذين عاشوا تلك الفترة، فقد كانت ملعبهم ومكان تجمعهم.
ظهر العدد الأول من مجلة الرولة في الأول من يوليو 1979، بعد أن دامت الاستعدادات لإصداره حوالي العام، عبر اجتماعات متكررة لأعضاء مسرح الشارقة الوطني حينذاك، ومنهم: عبدالله المناعي، إبراهيم جلال، حسن شريف، فؤاد الشرفا، خليفة المرتجي، محمد عبدالله، عبد اللطيف القرقاوي، محمد يوسف، محمد حسن، سيف الغانم، عبدالله نقي، خالد خليفة، عبد الواحد الأمبابي، ليلى عبد القادر، منى حمزة، عايدة حمزة.
في البداية ولظروف مادية، صدر العددان الأول والثاني، وهما مطبوعان (بالرونيو) على ورق عادي، وعلى الرغم من جودة المادة المنشورة وتنوعها، وقد حملت الترويسة الأولى:
الرولة «نشرة شهرية تصدرها اللجنة الثقافية»، مسرح الشارقة الوطني.
ووزعت المهام على :
سكرتير التحرير: محمد عبدالله
مصمم الغلاف: عبد اللطيف مفيز
الخطوط: حيدر إدريس
ومرت المجلة بثلاث مراحل من التطور في فترة قصيرة قياسية:
المرحلة الأولى: هي المرحلة التأسيسية التي أشرنا إليها آنفاً، والتي امتدت من عام 1978 ولغاية 1980، وصدر خلالها عددان مطبوعان (بالروتيو).
-المرحلة الثانية: تمتد من عام 1980 لغاية 1984، وقد ظهر العدد الثالث مختلفاً كلياً عن العددين السابقين، إذ طبع بمطابع حديثة وأخذ شكل المجلة، وتغيرت ترويسة الصفحة الأولى كالآتي: الرولة.. مجلة فصلية تعنى بشؤون المسرح.
تصدرها اللجنة الثقافية بمسرح الشارقة الوطني.
رئيس التحرير: الشيخ أحمد بن محمد القاسمي.
مدير التحرير: عبد الواحد الأمبابي.
سكرتير التحرير: محمد عبدالله.
هيئة التحرير: ماجد عبد الله بوشليبي
محمد يوسف
سيف الغانم
عبدالله المناعي
سعاد جواد.
وقد تميز العدد برصانة الدراسات، والتبويب، وتم توزيع مهام التحرير، كل حسب اختصاصه، كما نشرت المجلة نصاً مسرحياً محلياً للكاتب ناصر النعيمي، بعنوان (السلطان). وكانت هذه المسرحية هي الأولى التي كتبها النعيمي، والأخيرة. وأيضاً وثقت المجلة تفاصيل أكبر. ورصدت موضوع تنظيم أول دورة مسرحية من قبل وزارة الإعلام والثقافة في تلك الفترة، والتي كانت بإشراف الفنان التونسي المنصف السويسي، وأصبح الملف مرجعاً غنياً لكل من أراد التعرف على تفاصيل هذه الدورة.
ومما يؤسف له أن هذا الجهد الكبير في إطار هذا التوجه الاستراتيجي لبناء قاعدة ثقافة مسرحية، قد توقف فجأة بعد صدور العدد الثالث، والذي أصبح يتيماً للمرحلة الثانية من عمر مجلة الرولة.
تطوير وتجديد
بدأت المرحلة الثالثة والأخيرة، بالنسبة لمجلة «الرولة»، حوالي العام 1984 للتحضير لإعادة إصدارها بشكل جديد وروح جديدة. ولهدف الحفاظ على موعد إصدارها، على أن تكون فصلية، وقد خول الشيخ أحمد بن محمد القاسمي، عبد الإله عبد القادر للتخطيط لها، وإعادة إصدارها ومسؤولية إداراتها وتحريرها، وايضا تطويرها. وقد تشكلت هيئة التحرير من :
رئيس التحرير: الشيخ أحمد بن محمد القاسمي.
مدير التحرير: عبد الواحد الأمبابي.
سكرتير التحرير: عبد الإله عبد القادر.
هيئة التحرير: ماجد عبدالله بوشليبي
محمد يوسف
المشرف الفني: محمد فهمي.
وأنيطت رسمياً كل الأعمال بعبد الإله عبد القادر. ومن ثم صدر العدد الأول بقالب تجديدي، وشكل ظهوره المفاجئ، حدثاً كبيراً في الساحة المسرحية في الإمارات، سرعان ما انتقل إلى دول مجلس التعاون، بل وانتشر في الوطن العربي على نطاق واسع جداً، واعتمدت المجلة مرجعاً دراسياً في معظم المعاهد والأكاديميات المسرحية العربية.
اختلف العدد الجديد عن سابقه بالحجم والشكل والصورة واللون والمادة، وأصبحت مجلة «الرولة»، تعتمد مهنة الاحتراف الصحافي، مرتكزة على علم المسرح وفنه، وتطلعاته الأكاديمية. وشارك في المجلة ابتداءً من عددها الجديد الأول، كبار المسرحيين العرب والإماراتيين، ونشرت للمرة الأولى، نصوصاً مسرحية عربية وخليجية، كما ترجمت نصوصاً عالمية لم تترجم من قبل، مثل: «رقصة الغابات» لـ (سونيكا). ونشرت أيضاً، الكثير من المواضيع، منها: نص بعنوان «يا ليل يا ليل» للكاتب القطري عبد الرحمن المناعي، «ألف حكاية وحكاية في سوق عكاظ» للدكتور وليد سيف.
كما نشرت أول مسرحية للكاتب السوري عبد الرحمن حمادي، بعنوان «أخبار سمنهور وما لحق بها من شرور». وغطت المجلة أحداث المهرجانات المسرحية العربية الكبيرة، بإرسال مندوبين عنها إلى المهرجانات، مثل مهرجانات: بغداد، دمشق، قرطاج، القاهرة، كما حققت ملفات متخصصة كبيرة مكتوبة بأقلام عدد من المختصين بالمسرح وفنونه، إضافة إلى حوارات مع كبار المسرحيين العرب والإماراتيين.
استمرت المجلة في تطورها ومواعيد إصدارها، وانتقلت إلى كل الوطن العربي لتباع في أضخم المكتبات العربية، محققة نجاحات متواصلة، ورافعة علم الإمارات، ومترسخة كسفيرة للكلمة وللمسرح والفن. والمؤسف أن «الرولة» ولدت محكومة بقدر عجيب، فإن الأسباب المادية التي أوقفت المرحلتين السابقتين، سرعان ما كانت سبب توقفها في مرحلتها الذهبية الثالثة، بعد أن صدر منها في هذه المرحلة، خمسة أعداد فصلية.
وعشر نشرات يومية بمناسبة أيام الشارقة المسرحية، إذ كانت المبادرة في إصدار جريدة يومية خلال الدورة الثانية لأيام الشارقة المسرحية باسم الرولة أيضاً، وهذه الجريدة هي أساس ما يصدر حالياً على هامش الأيام المسرحية، إن الرولة من رموز الشارقة الذاتية التي يعتز بها أهل المنطقة، وكذلك كانت مجلة رائدة يعتز بها المسرحيون لأنها كانت الشعاع الأول الذي يصل من مسرح الإمارات إلى المسارح العربية.

