الغيوم .. جماليات الطبيعة ودلالات في النفس البشرية

ت + ت - الحجم الطبيعي

تكشف الغيوم عن حالة السماء، ومن خلال أشكالها وألوانها يمكن التكهن بأنها ماطرة، أو مثلجة، أو مجرد غيم يعكس تقلبات الخريف أو الشتاء، فوجودها في السماء مقدمة لحالة مناخية. وقد استخدمها البشر ليعبروا عن حالاتهم ومزاجهم غير المستقر.

يقدم العلماء تفسيراً للغيوم، يركز على فيزيائيتها الخاصة، فهي على اختلاف أشكالها وأماكن تواجدها في العالم، عبارة عن تجمع مرئي لجزيئيات دقيقة من الماء أو الجليد، أو كليهما معاً، ويتراوح قطرها ما بين 1 إلى 100 ميكرون، وتبدو سابحة في الجو على ارتفاعات مختلفة، كما تبدو بأشكال وأحجام وألوان متباينة، متشبعة ببخار الماء والغبار، وكمية هائلة من الهواء الجاف ومواد سائلة أخرى وجزيئات صلبة منبعثة من الغازات الصناعية.

أنواع

تعتبر الغيوم أو السحب، شكلاً من أشكال الرطوبة الجوية التي يمكن رؤيتها بالعين المجردة، حيث ان الشمس تمارس دورها كمحرك أساسي لدورة الماء، وتقوم بتسخين المحيطات التي تحول جزءاً من مياهها من حالتها السائلة إلى بخار، فتقوم التيارات الهوائية المتصاعدة بأخذ بخار الماء إلى داخل الغلاف الجوي ".

حيث درجات الحرارة المنخفضة"، فيتكاثف الهواء المشبّع ببخار الماء، مكوناً بذلك جزيئات الماء السائلة أو المتجمدة، فتمتزج بذرات الغبار مشكلة بذلك السحب. وبما أن درجة كثافة السحب هي من 10 إلى 100 مرة، أقل من درجة كثافة الهواء، فإنها تطفو في السماء، بينما يفسر تحرك السحب عبر الرياح، من خلال الحركة الدائمة لجزيئات الهواء، والتي تدفع كل الكتل التي تحتك بها، بما في ذلك السحب.

وتنقسم السحب حسب ارتفاعها، إلى 3 أقسام: عالية الارتفاع، متوسطة الارتفاع، منخفضة الارتفاع. وتنقسم كل مجموعة من المجموعات الثلاث، إلى عدة أنواع. وهي السحاب الطباقي المنبسط الخفيض أو (الرهج)، والسحاب الطباقي منخفض ورمادي اللون وقريب من سطح الأرض، وهو أشبه ما يكون بالضباب المرتفع، وأحياناً يكون على هيئة رقع مهلهلة تتركب من قطيرات مائية دقيقة، تتشكل بفعل تبريد الجزء الأسفل من الجو.

وقد ينشأ من تأثير الحركة المزجية عندما يترطب الهواء بواسطة الهطول الساقط من سحب الطبقي المتوسط أو الركام المزني أو المزن الطبقي. أما السحاب الركامي الطباقي، فعبارة عن سحب منخفضة قريبة من سطح الأرض تبدو بشكل طبقة رمادية، يغلب عليها وجود أجزاء داكنة، وتترافق مع هطول مطر خفيف، وأحياناً مترافقة مع الثلوج.

وبالنسبة للسحاب الركامي المنخفض أو الخفيض، فيعرف عند العرب باسم القرد، وسحبه منخفضة تنمو بشكل رأسي، وهي شديدة السماكة والكثافة، وتكون الأجزاء المضاءة من الشمس بيضاء، بينما تبدو قاعدتها داكنة نسبياً ومهلهلة في بعض الأحيان، وتتكون من قطرات مائية.

ويمكن أن تكون في أجزائها العلوية مكونة من بلورات ثلجية، وتتشكل على طول الجبهات الباردة من المنخفضات الجوية وتترافق بهطول على شكل زخات من المطر. وذلك إلى جانب أنواع عدة، مثل: المزن الركامية أو الركام المزني، السحاب الطباقي المتوسط، المزن الطباقية، السحاب الرقيق المرتفع، السمحاق الركامي.

 

تنوع

لكل نوع من الغيوم تسمية خاصة، تفسر حالة بعينها دون الأخرى، عند العرب. وأولها "الديمة". وأما السواري فهي الغيوم التي تسري وتبكر بهطولاتها المطرية عند الفجر. والنشاص سحابة مرتفعة، وجاء في لسان العرب، الغيم الذي يرتفع بعضه فوق بعض، وتقول العرب استنصت الريح السحاب، أي أطلعته وأنهضته ورفعته.

بينما يطلق اسم الدجن على السحاب المشتد صوت رعده. وورد في لسان العرب ظل الغيم المطير ابن سيده الدجن إلباس الغيم الأرض، ويوم دجن أي يوم ممطر، ويوم دغن إذا كان ذا غيم بلا مطر. ويقال للمطر الكثير الدجن، ومثله أدجنت السماء أي زاد مطرها. وأما العراص فهو الغيم كثير البرق، والعراص من السحاب ما اضطرب فيه البرق وأظل من فوق فقرب حتى صار كالسقف. ولا يكون إلا ذا رعد وبرق.

وأما الرباب فهي السحب المحملة بالمياه، وحركتها بطيئة نظراً لثقل السحاب الأم وبطء سرعتها. وهذه الحالة كان لها شأن كبير عند العرب، لأنها وردت كثيراً في أشعارهم وأقوالهم. والرباب اسم يطلق على السحاب الركامية الممزقة والشبيهة بالنعام المعلق أو يمكن تسميتها الهدب. وأخيراً ما يعرف بالخال عبارة عن غيم وسحاب مخيل أو مخيلة، والتي إذا رأيتها حسبتها ماطرة. والمخيلة هي السحابة.

 

في وصف الغيوم

تغنى العرب في شعرهم القديم والحديث بالغيوم وأنواعها. ووصفوا هطولها، إذ قال امرؤ القيس: "ديمة هطلاء فيها وطف".

وعن الديمة أيضاً قال أبو تمام:

ديمة سمحة القياد سكوب

مستغيث بها الثرى المكروب.

ووصف الشاعر أبو العلاء المعري، الغيم المزن والداجن : نقمت الرضا حتى على ضاحك المزن

فما جادني إلا عبوس من الدجن.

وقال الأخطل في الرباب:

وإني الرباب إذا ارتجت حوامله

بالماء سد فروج الأرض واحتفلا.

وقال محمد الماغوط في مقطع من قصيدته "أرق الغيوم":

تلك الغيوم كانت في بلادي

وتلك الطيور في سمائي

وذلك الضباب في قريتي.

وعنون الشاعر زياد دياب قصيدته بـ "حين تبكي الغيوم". كما اختارت الشاعرة المصرية نادية كيلاني، عنواناً لمجموعتها الشعرية، وهو: "بين الغيوم والقمر".

كما اختار محمد المنسي قنديل عنوان "يوم غائم في البر الغربي" لروايته التي أهلته للوصول الى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية "البوكر". وعنون الشاعر محمد علي شمس الدين إحدى مقالاته بـ "الغيوم التي في الضواحي".

وهكذا استخدمت الغيوم في أكثر من موضع لتعبر عن حالة من حالات الغيم، أو تعبر بشكل آخر عن وصف حالة من الحزن أو الارتباك لموقف غير واضحظ، ولهذا كثيراً ما استخدمت عبارة "سمائي أو سماء ملبدة بالغيوم" في مواضع من الكتابات الأدبية، أو الفكرية أو السياسية.

فنون من السماء

قبل أن توجد الكاميرا وترصد حركات الغيوم، وإيحاءاتها التي قد لا تنتهي، جسد الفنانون في لوحاتهم التي حضرت فيها الطبيعة حركات الغيوم، التي رسمت نفسها في السماء قبل أن يرسمها الفنانون في لوحاتهم.

وعبر درجات من الظل والنور، فملؤوا مساحة من السماء تتناغم مع بقية المشهد من أشجار وجبال، ومنهم الفنان البريطاني جون كونستابل الذي يعد من أهم فناني الحركة الرومانسية في بلاده، وعرف عنه قدرته على ربط الظل والضوء في عناصر الصورة، كما يتضح ولعه بالطبيعة، خاصة بالسحاب ومجرى المياه والأراضي المنبسطة وحقول القمح الموجدة في الريف والساحل.

ومن أشهر أعماله : "النهر والطاحونة"، وفيها تبدو براعته في رسم الغيوم.

والأمر لم يختلف كثيراً في أعمال الفنان الروسي إيفان ايفازومنسكي الذي جسد الغيوم بكل تدرجاتها اللونية، من خلال لوحته "الموجة التاسعة"، والتي رسمها في العام 1850. واللوحة عبارة عن درجات لونية تعبر عن حالة مأساوية من الطبيعة.

غيوم الفن السابع

الغيوم التي كثيراً ما تحضر في المشاهد السينمائية، تخرج من هذا الظهور الذي يبدو خجولاً في فيلم يمتد إلى أكثر من ثلاث ساعات أحياناً، وتتصدر العنوان، وذلك مثل الفيلم السوري "الشمس في يوم غائم" المأخوذ عن رواية للأديب حنا مينة، بالعنوان نفسه. وأخرج الفيلم الذي أنتج في العام 1985، محمد شاهين. ومن بطولة عدة فنانين، منهم: منى واصف، رفيق سبيعي، جهاد سعد، يوسف حنا، أيمن زيدان.

وهناك أيضاً فيلم "نزهة بين الغيوم"، الذي ينتمي الى السينما الإيطالية، وأخرجه في العام 1995 الإيطالي ألفونسو أوريا. كما اختار المخرج الإيراني عنوان "الغيوم الأرجوانية".

طباعة Email