ثوب المرأة السودانية نسيج هوية ثقافية

صورة

تشكل مفردات الأزياء الشعبية لأي من شعوب العالم، مكوناً أساسياً في معين تراثه التاريخي والثقافي. وتبرز في هذا السياق، جماليات ثوب المرأة السودانية، وقيمة دلالاته، إذ ينفرد بسمات كثيرة، ويعبر عن ملمح هوية ثقافية محددة، خصوصاً وأنه اكتسب جملة مزايا جذب وتطور، جيلاً بعد آخر، مستفيداً من تنوع الأذواق، وانعكاسات إضافاتها التي انتجت تصاميم وزخارف واكسسوارات متعددة.

 

يعكس الثوب السوداني، وثوب المرأة السودانية أكثر، مجموعة من الدلالات والمعاني. إذ إنه يشي بالكثير من الحكايات والقصص التي تعبر عن ملامح تفيد في خدمة رؤى المحللين المتخصصين الذين درجوا على تحليل الشخصية من خلال الزي الشعبي والقومي.

وأيضاً معرفة تاريخ وعادات وتقاليد الشعوب، وقراءة السلوك الإنساني، والوضع الاجتماعي، والاقتصادي لكل شخص، ومعرفة نوع ودرجة الطقس بالبلد المعين. فهو خير معبر، عن كافة تلك الجوانب.

 

انتشار

لا ينحصر الثوب السوداني الآن، في محيط مدن ومناطق السودان فقط، فهو يحظى بشعبية كبيرة في دول كثيرة بالمنطقة، إذ ترتدي نساء تلك الدول، أثواباً نسائية متنوعة الأشكال والتصاميم، وذلك في: موريتانيا، جيبوتي، الصومال، بعض من نساء المغرب (البوليساريو). وأيضاً في الهند. وطبعاً يترافق ذلك مع وجود اختلافات طفيفة في طريقة الارتداء والخامات والألوان.

ولم ينل الثوب السوداني هذه الشعبية بشكل عبثي، فميزاته الجمالية والعملية الحياتية، أفضت إلى قدرته على تحقيق هذا الانتشار الكبير، وتفضيله من قبل النساء في تلك الدول. يعد الثوب السوداني، من بين المعالم البارزة والفريدة ضمن المكون التراثي الفني في السودان.

وهو يشكل روحية جمالية خاصة في فسيفساء أنواع الفنون الابداعية لمختلف الأذواق والأعراق والثقافات والجهات المكونة للنسيج التراثي. ويندرج الثوب السوداني ضمن قائمة الأزياء القومية الخاصة بالرجال والنساء في السودان. ولكنه يمثل أهم الأزياء المفضلة لدى المرأة السودانية.

ويرجع تاريخ الثوب السوداني إلى الحضارات القديمة، وذلك منذ ميلاد الحضارة البيجراوية. أي إلى أربعة آلاف عام قبل الميلاد، وكذلك الحضارة الفرعونية والمروية، حيث كان خاصاً بالملكات- الكنداكات - في ذلك الزمان.

وكانت له تصاميم وخامات وزخارف تزينه، الا أن طريقة تصميمه وأسلوب ارتدائه تطورا عبر الأزمان، حتى وصل الى شكله الحالي. أثبتت بيانات ودلائل أثرية، أن السودانيين قد عرفوا صناعة المنسوجات القطنية منذ آلاف السنين، وذلك ما تؤكده مجموعة حفريات من حلقات حجرية كانت تستعمل كأثقال في عملية النسيج، وتوضع على أنوال رأسية، ما يشير الى قدم المنسوجات القطنية.

وعلى رأسها الثوب السوداني، الذي يتميز بأنه جزء من التراث والتاريخ، ومرتبط بالعادات والتقاليد وطقوس الزواج والفرح والحزن، فضلاً عن أنه يستر الجسد ويتناسب مع المناخات الحارة، بتشكيلاته وخاماته وألوانه المختلفة.

 

معلم انتماء

يمثل الثوب السوداني، الزي القومي المميز للمرأة السودانية في كافة المناسبات والمحافل العامة، وهو أحد معالم الانتماء الى الوطن. ويتم ارتداء الثوب عن طريق لفه على جسد المرأة. ويبقى جزء منه يغطي الرأس. وتحرص المرأة السودانية على ارتداء فستان أو تنورة وبلوزة تتناسب مع لون الثوب والحذاء وحقيبة اليد لتكتمل الأناقة مع الاكسسوارات الأخرى.

يحتل الثوب السوداني حجر الزاوية الاجتماعي لارتباطه بطقوس دورة حياة الإنسان من المهد الى اللحد. وذلك بدءاً بالولادة والزواج والفرح، وانتهاء بالموت والحزن. وتعتبر أنواع وموديلات وأسعار الثياب عن الوضع الاجتماعي والاقتصادي للمرأة. ومن ضمن التحضيرات لمستلزمات الولادة، تهتم المرأة السودانية بالثياب ذات الألوان الزاهية لترتديها اثناء الولادة.

وبعد قضاء فترة النفاس. وأما طقوس الزواج الخاصة (بالشيلة ) و(الجرتق)، فتتطلب اختيار ألوان زاهية تتمثل في الأحمر بمشتقاته المختلفة، والمرصع ببعض الحلي الذهبية والفضية بجانب اختيار الألوان الزاهية لبقية الثياب الخاصة بالعروس.

ترتدي المرأة العاملة الثوب الأبيض الخالص، وأحياناً تتخلله ورود ونقوش ملونة. وفي حالة وفاة الزوج، تواظب الزوجة على ارتداء الثوب الأبيض المصنوع من القطن الطبيعي طيلة فترة العدة، ويمثل رمزاً للحزن والحداد، على عكس ماهو متعارف عليه في العالم بارتداء الثياب السوداء أثناء مراسم الجنازة.

 

مواصفات

يبلغ طول الثوب التقليدي، 9 امتار، بينما يتراوح طول الثوب الحديث (الربطه)، بين الـ4والـ 5 أمتار. ولكل نوع من الثياب مناسبة بعينها. فمثلاً يفضل الثوب المصنوع من قماش التوتال المشجّر للمناسبات العامة.

وفي أوقات النهار. وأما المصنوع من الحرير فهو للسهرات. وتوجد انواع أخرى هي مخصصة للبيوت، أو للعزاء أو تلك التي هي لزيارة الجيران.وتشمل الخامات، القطن والحرير والبولستر والشيفون والسادة والمشجّر والمطرز والمطبوع والفردة الشرقاوية وغيرها الكثير. كما يتميز بعضها برسومات مبهرة وألوان زاهية وحيوية وهادئة. وتطورت صناعة الثوب السوداني كثيراً.

كما اختلفت تصاميمه وألوانه وأشكاله، حسب الأذواق والأمزجة والأجيال.

التصنيع

تعد المصانع السويسرية، الآن، رائدة التصنيع للثوب السوداني، وبمواصفات عالية ونوعية ممتازة وبأسعار باهظة وتغطي منتجاتها حوالي الـ 80% من الأسواق السودانية والخليجية.

وكذلك مصانع عبد الصمد في مدينة لندن البريطانية منذ ستينيات القرن الماضي، والتي تصنع «رسالة لندن» و «ابو قجيجة» . وأخيراً اتجهت اليابان وايطاليا والهند والخليج لتصنيع الثوب السوداني، وهذا الى جانب التصنيع المحلي لثياب «النالة» والموهوب والسفيرة والفراد والأنواع الأخرى.

 

أسماء

لم تكن هنالك جهة محددة مناط بها اختيار وابتكار أسماء للثوب السوداني. وتاريخياً، وحسب الباحثين الذين قاموا بعملية التوثيق، أشاروا الى ان أسماء الثياب مرتبطة بالأحداث الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية والشخصيات العامة. ويقوم بالترويج لها التجار والمجتمع النسوي.. وعلى سبيل المثال لا الحصر، كان الأبرز في الخمسينات من القرن الماضي، اسماء :

«الاستقلال» تيمناً باستقلال السودان و «العلم»، و«عيون زروق» (منسوب إلى مبارك زروق المحامي، والذي كان وسيماً ونجماً سياسياً، ومن أقطاب الحزب الاتحادي الديمقراطي آنذاك). وفي الستينيات من القرن الـ20، ظهر ثوب «الكادر» الذي ارتبط بالنهوض الاقتصادي واتساع دائرة العمالة بين النساء، ابّان تولّي الشريف حسين الهندي وزارة المالية في السودان. ويروى أن النساء بدأن يهددن أزواجهن بالقول المأثور حينها:

(ثوب الكادر أو الطلاق حاضر). وعقب اغتيال المناضل الأفريقي الكنغولي- باتريس لوممبا، انتشر ثوب «لوممبا» و «المطافي» و «عيون كتكوت» و«ابو قجيجه». وفي السبعينات ظهر «السلك الدبلوماسي» و«النجدة» و«الدلع» والمضغوط والشفون والجورجيت وفي الثمانينات «أنابيب البترول» و «رسالة لندن».

وظهرت أسماء أخرى طريفة، مثل: «السبب الحماني النوم»، «المظاهر»، «كامل الأوصاف». ومن ثم توالت الأسماء تباعاً، مثل: «ضلوع الدكاترة»، «دقّة كندا»، «كرسي نافع»، «سد مروي» ، «همس الخليج»،«الانترنت»، «نيفاشا»، «الدش»، وأخيراً «أوكامبو»، و«زنقة القذافي» و«ثوار كاودا» . وقطعاً هذه الأسماء ذات البعد السياسي المحلي أو الدولي، تحمل مضامين ودلالات سياسية تعكس الواقع الراهن.

 

فنانون تغنوا بالثوب

تغنى العديد من الفنانين بالثوب السوداني، ومن بينهم الفنان الموسيقار محمد وردي في أغنية (يا بلدي يا حبوب). وكذلك الفنان أبو عركي البخيت في أغنيته (شفت التوب). والفنان علي ابراهيم اللحو في أغنية (شوف عيني الحبيب بحشمة لابس التوب). وقد أكدت هذه الرمزية الغنائية، مكانة الثوب السوداني المميزة، ضمن منظومــــة التراث الشعبي السوداني.

ظهرت، حالياً، ومع ايقاع الحياة السريع، ثياب الربط، التي تُربط من الخصر وتغطي الرأس. ويلف الثوب منها ويسدل من طرفه على الكتف الأيسر. ويتميز هذا النوع بالخفة. ويساعد على سرعة الحركة، ومن ذلك: الحرير الهندي والتوتل الياباني والخليجي والعماني.

 

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات