من قال إن الأسوار تشيّد بغية الحجب بين منطقتين أو تجمعين سكنيين؟ ربما تكون كذلك في لحظة تاريخية معينة، لكن هذه لحظة لا تدوم إلى الأبد، حيث تتحول الأسوار، مع مرور الزمن، إلى لعب أدوار أخرى أكثر أهمية، بحيث تبدو وكأنها شيدت لتحكي قصصاً لا يطويها النسيان لا سيما عندما يتعلق الأمر بتحولات معمارية وحضارية كبرى مثلما هو حال العديد من مدن العالم ، ومن بينها مدينة دبي وسورها القديم.

 

على الرغم من بساطة سور دبي واندثاره بالكامل تقريباً تحت رمال الصحراء والحركة المعمارية الناهضة في المدينة الحديثة ، منذ نحو قرن من الزمن، إلا أن وظيفة هذا السور بصفته راوياً للتاريخ ولحكايات قديمة لا تندثر أبداً تبقى حية مهما مر الزمن، حتى بعد انتفاء سبب وجوده متمثلاً بعزل بيوت المدينة وأسواقها عن العالم الخارجي من مغرب الشمس حتى مشرقها، صباح اليوم التالي، حماية لسكان الحاضرة الخليجية وأسواقها.

 

حكايات وملامح وصعوبات

كل ذلك عنى نقلة نوعية فريدة من نوعها وبشكل قياسي في جميع مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية وفي مقدمتها العمارة، فراحت تتراجع إيقاعات العمارة التقليدية، التي أنتجت بيوتات (فريج البستكية) وسط دبي، والسور الذي كان يحيط به، الذي تقول آخر التقديرات انه كان يمتد على مسافة 836 متراً، مفسحة في المجال أمام ظهور ثورة عمرانية، باتت مخرجاتها تتصدر المشهد المعماري على مستوى العالم، إذ يتذكر أهالي دبي.

ولا سيما كبار السن منهم، والذين لا يزالوا يحفظون حكايات الآباء والأجداد، ملامح تلك المدينة القديمة من النواحي الاجتماعية والمعمارية والتجارية، إذ يؤكد الأديب الإماراتي عبدالغفار حسين، صعوبة معرفة الكثير من تلك الملامح، قبل مجيء الإنجليز في أواخر القرن التاسع عشر.

لكن عبدالغفار حسين يزودنا كذلك ببعض الحيثيات التي لم ترصد من الناحية العلمية، كما يجب بعد، ويقول، على سبيل المثال، إن كل بيت من بيوت دبي كان له سور خاص، وذلك قبل أن يشيّد ما بات يعرف باسم سور دبي حول (فريج البستكية)، ما عدا الجانب الذي هو من جهة الخور طبعاً، حيث يشكل هذا الحي أول منطقة تقام به البيوت بالقرب من حصن الفهيدي الشهير.

كما يذكر عبدالغفار حسين أنه كان هناك أسواق في ديرة وبر دبي، وكانت قد أقيمت في نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين، مؤكداً أنه ليس هناك أي دليل على وجود أسواق قبل هذا التاريخ، وأنه كان لهذه الأسواق أبواب، وكانت هذه الأبواب تغلق بعد المغرب وتفتح عند الفجر، حتى وقت قريب، لكنها أزيلت كلها مع السور.

 

ميزة في تعدد الثقافات

كان أهالي دبي قد شيدوا عدداً من الأبراج قبل مجي ء الإنجليز، وكانوا يستخدمونها من أجل مراقبة السفن الداخلة إلى الخور والخارجة منه، وكانوا يتقاضون مبالغ بسيطة من كل سفينة كانت تعبر الخور للتزود بالمياه والغذاء، حيث يقول عبدالغفار حسين: (كنا نسمع هذا الكلام قبل خمسين عاماً، وكان أهالي دبي متسامحين مثلما هم اليوم ويرحبون بالأجنبي، ولذلك تجد الكثير من الغرباء الذين كانت تأتي بهم بعثات تجارية .

ولا سيما في عهد الشيخ مكتوم بن حشر (1897-1906) رحمه الله، وذلك على غرار ما يحدث في يومنا هذا)، فمنذ ستين سنة ونحن نسمع أن الناس كانوا يأتون إلى دبي للتسوق، فهذه هي ميزة دبي، التي يجب أن تستمر وتزدهر، حيث تعتبر مسألة تعدد الثقافات أمراً طبيعياً ويجب أن تشكل جزءاً من التركيبة السكانية للبلاد)، على حد تعبير عبدالغفار حسين.

أما من الناحية التاريخية، فالسؤال الذي يطرح نفسه عند الحديث عن دبي القديمة، فهو: لماذا شيدت دبي في هذا المكان؟

وجاء في مقدمة كتاب (دبي موجز وتاريخ وقائع وأحداث)، إن الوثائق دلت على مكانة دبي وميزات موقعها في تشكيل علاقاتها، باعتبارها واقعاً حضارياً متفاعلاً مع ما أحاط بها من حضارات أثرت وتأثرت بها، الأمر الذي حقق تطورها من خلال حلقات تاريخية مترابطة ومتكاملة، وأتمها اهتمام حكامها بحتمية الأصالة وتحديات المعاصرة، مع الالتزام بالقيم والثوابت الحضارية للإنسان).

أما من الناحية الجغرافية، فإن دبي كانت عبارة عن قرية صغيرة مطلة على الخور الذي كان ولا يزال يشكل صلة وصل طبيعية تجمع البحر بالأرض، ويشكل امتداداً له فيها على شكل لسان طويل، وكانت السفن ترسو فيه من طرف اليابسة، ما ساعد سكان دبي على الدخول والخروج من وإلى البحر بسهولة، لممارسة مهنتهم الرئيسية المتمثلة في صيد السمك والغوص لاستخراج اللؤلؤ.

وإذا كان سور دبي قد شكل أحد وسائل الدفاع عن القرية وحماية سكانها من الدخلاء، فإن حصن الفهيدي الذي شيده الشيخ محمد بن هزاع الياسي في العام 1799، يعتبر بدوره أحد أهم خطوط الدفاع عنها، لا بل إن الحصن نفسه يتحد في أحد جوانبه مع سور دبي الذي شيده الشيخ محمد بن هزاع الياسي، أيضاً عام 1800،.

وهو سور بسيط يتراوح ارتفاعه بين 200 إلى 220 سنتم، وبعرض 50 سم، وبعمق يصل إلى متر واحد، ويمتد على مسافة تصل إلى أكثر من 800 متر، على شكل قوس، أقرب إلى نصف دائرة، تلف حدود دبي البرية من جهة منطقة بر دبي، وقد استخدمت في بنائه مواد طبيعية، مثل الصخور البحرية والجبس، لإبقائها ملتصقة ببعضها البعض.

 

(تحصينات دبي القديمة)

تحتضن مدينة دبي على الشط الآخر من الخور بمنقطة ديرة، في باطنها تحت الأبنية، سوراً آخر، تنوي السلطات المعنية في دبي البدء في التنقيب عنه، خلال العام الجاري، في محاولة لإظهاره وإعادة بناء ما أمكن منه، علماً أنه لا يزال يطلق على الشارع الذي يمر السور فوقه أو بمحاذاته تحت الأرض شارع السور، كما ستصدر إدارة التراث العمراني بدبي في نهاية هذا العام 2012، كتاب (تحصينات دبي القديمة)، الذي يضم دراسة وافية عن الأبراج والقلاع والأسوار في المدينة الساحلية.

وربما تأتي جهود الجهات المعنية بالتراث العمراني، لتعوض ما خسرته المدينة من إرثها المعماري، حيث تضافرت مجموعة من العوامل والظروف التي أدت إلى اختفاء العديد من معالم المدينة القديمة، ومن بينها، إن لم يكن أهمها، سور دبي، بشطريه في بر دبي وديرة.

حيث تؤكد أدبيات جمعية التراث العمراني في دبي أنه (لعدم وجود قوانين وخبراء في مجال الحفاظ على التراث العمراني، أدى ذلك إلى إزالة كثير من الأماكن القديمة الغنية بتراثها، وتم استبدالها بتجمعات سكنية، لا تمت بصلة إلى تراث وتاريخ المنطقة).

وبينما لا يتذكر أهل دبي ملامح سور مدينتهم كثيراً، لأنه هدم ما بين الأعوام 1940 و1950، فإن المهندس رشاد بوخش مدير إدارة التراث العمراني في دبي، يقول إن سور ديرة قد تم بناؤه عام 1850 تقريباً، لأنه في عام 1841 شهدت منطقة بر ديرة، انتشار وباء الحمى.

والناس انتقلوا إلى منطقة ديرة، فإن المعطيات التاريخية تقول إن السبب الرئيسي لبناء سور دبي هو الدفاع عن القرية التي كان تعداد سكانها عام 1822 نحو 1200 نسمة، موزعين على نحو 200 بيت، مصنوعة جميعها من سعف النخيل، ما عدا الحصن والسور والمباني الدفاعية والمسجد الجامع، وتلك تقع جميعها، داخل السور الذي كان فيه ثلاثة أبراج دائرية للدفاع: البرج الغربي والبرج الشرقي والبرج الواقع عند مدخل حصن الفهيدي، وكان هناك باب رئيسي، يغلق عند غروب الشمس ويفتح عند شروقها.

بينما كان أهل دبي يمارسون كل مناحي حياتهم داخل سورها المحكم نسبياً، كانت المناطق الخارجة عن السور عبارة عن كثبان رملية كانت تحاذي منطقة المصلى القريبة من (برجمان) حالياً، بالإضافة إلى مزارع النخيل وآبار المياه العذبة، التي لم تكن تبعد أكثر من 100 أو 200 متر عن مياه الخور والبحر المالحة، علماً بأن المياه الباطنية لم تكن مالحة تماماً، حتى على بعد 50 متراً عن الخور.

ولا سيما في منطقة الجميرا، ويقول المهندس رشاد بوخش، إنه مع التطور التدريجي الذي أخذت تشهده المدينة، راحت تهدم تدريجياً أيضاً أجزاء من السور، وذلك إلى غاية العام 1960، والذي شهد هدم آخر جزء منه.

المهندس محمد بوخش نفسه، له حكاية خاصة مع بقايا سور دبي، إذ يقول: (في الصغر، كان بيتنا قريباً من حصن الفهيدي، وعندما كنا نلعب الكرة، كانت تعترض أقدامنا الصغيرة حصى كثيرة، كنا نقذفها عوضاً عن الكرة نفسها، وقد تبين لي فيما بعد أن تلك الحصى لم تكن سوى من سور دبي. وأن الملعب كان قد حل محل السور نفسه).

ومن الحكايات الصغيرة الأخرى التي تروى، يقول بوخش، إنه عندما كانوا في إدارة التراث، بصدد ترميم بيت عائلة خورين، قال لهم ابن صاحب البيت، ويدعى محمد: (إذا حفرتم بهذا المكان، ستجدون أساس السور، وفعلنا ذلك ووجدناه فعلًا، وحرصنا على الحفاظ عليه). وتفيد المعلومات انه تم إعادة بناء جزء آخر من سور دبي، بجانب هذا الجزء المكتشف. وقد تم إعادة بناء جزء آخر كنموذج للاطلاع والتوضيح وتوفير المعلومات اللازمة للمهتمين والسياح.

أما الجزء الثاني الرئيسي، الذي شوهد من سور دبي، فيقع بمحاذاة حصن الفهيدي نفسه، وقد التقطته عدسة المصور البريطاني رونالد كونراد، في منتصف القرن التاسع عشر، فقامت إدارة التراث العمراني بإعادة بنائه على طول حوالي الـ 10 أمتار، بينما أضيف الجزء الثالث إلى برج السوق.

حيث قامت الإدارة ذاتها، بتنفيذ المرحلة الثالثة من إعادة بناء السور، بينما من المنتظر أن يشهد عام 2012 الجاري، إعادة بناء الجزء الرابع منه، والذي يتمثل في إعادة بناء البرج الغربي، الذي كان يشكل نهاية السور من الجهة الغربية، بالإضافة إلى جزء من السور متصل بالجزء الغربي، وبذلك تكون الإدارة قد أعادت بناء أربعة أجزاء من السور.

 

أصل المدينة

على أهميتها التاريخية والسياحية، تتسم جميع أعمال ترميم السور بالطابع الجزئي، حيث تحول الكثير من العوامل دون إمكانية إعادة إظهار السور، وعلى رأسها ظهور أبنية وبنى تحتية كثيرة مكان خط سيره سواء في بر دبي أم في ديرة، لكن المهندس رشاد بوخش يعرب عن أمله، مع ذلك، بإعادة بناء السور كله، ويقول: (أمنيتي أن نعيد بناء السور بالكامل، ذلك أنه يعتبر أصل مدينة دبي، رغم الصعوبات المعمارية والتطور العمراني المدني وتمدد المدينة).