لا حاجة للبحث عن مخرجات الحب في مختلف الأشكال التعبيرية الإنسانية، ذلك أننا نستطيع أن نجده، في نهاية المطاف، ضمن مختلف ميادين الثقافة، على تعدد أنواعها. وفي مختلف العصور والأزمان والجغرافيا، حيث أصبح الحب يشكل مرجعية متكررة في أحاديث الناس، أينما كانوا، فمن منا لم يكتب رسالة أو قصيدة حب أو على الأقل ملاحظة معبرة، تعكس هذا الشعور الإنساني الجميل؟

الحب هو أيضاً موضوع حواراتنا في الجلسات الحميمة بين الأصدقاء. وهو كذلك موضوع الاستشارات التي يقدمها الأخصائيون الاجتماعيون، أو الأطباء والمتخصصون في الأمور العاطفية، ذلك أن مشاعر الحب وتعبيراته غالباً ما تكون حاسمة وبكل مظاهرها في مسألة الوجود الإنساني، ما يعكس حالة من التعبير عن الرغبة في تخطي حدود فرديتنا.

وفي انعكاس الذات في مرآة الآخر والغرق فيه والتوحد معه. إن الحب تجربة معقدة تبدو في أحيان كثيرة عصية على الوصف، وتقاوم أي تحليل منطقي فاسحة المجال، في بيئة الإبداع الفني والشعبي والأدبي، أمام عدة أشكال وطرائق لاستعراضها والتعبير عنها.

وقد تحولت شخصيات ومفردات من الأساطير القديمة إلى رموز تدل على الحب، مثل الأقواس والأسهم والعيون المعصوبة والمشعل، إذ يشعل الطفل الأريب بهذا، قلوب الأموات، وذلك في مشهد يتطابق كذلك مع عالم الفلك، حيث يمثل الحب مركز الكون ونواة الاتحاد وأساس تجدد الأجيال والحياة والقوة التي تخرج بيضة الليلة النهائية.

والتي عندما تنكسر يظهر منها أصل السماء والأرض، قوة فضائية تلصق كل شيء، قوة لا تقاوم يمكنها توجيه الناس إلى تدمير أنفسهم أو إلى السعادة الغامرة، مثلما تقودهم إلى تحقيق الذات. يتجلى الحب بوصفه موضوعاً إبداعياً، في أعمال ومقولات وأمثلة، تشكل بمجملها، وفي صيغتها النهائية، وجوه الحب التي لا تعد ولا تحصى، والتي تستجيب للأشكال المختلفة لنوعي أو مفهومي الحب السائدين في أدب الحب:

الحب العذري والحب الشهواني. وكذلك للمفهوم الذي يجعل من الحب والإنسان، أمراً مثالياً أو نموذجياً، حيث يلاحظ أن النوعين مرتبطان بمواضيع أدبية أخرى أوسع وأشمل، مثل الزمن والأزلية والموت والبعث والقلق الإنساني حيال مصير البشرية.

والبحث عن اتحاد وتكامل الكائـــن وتوقــه إلى السعادة والكمال وتجربة العزلة والألم والمعاناة من الاستحالة، والغياب والانفصال عن الشخص المحبوب. وفي نهاية المطاف، يشمل الحب كل ذلك الطيف من العناصر والأبعاد الباطنية التي تفجر هذا النوع الحساس من الشعور وتجعله متدفقاً.

وأدب الحب يبدو في هذا السياق مثل حالة حصار لتلك التجربة العاطفية، والتي تبدو بدورها صعبة على التعبير، ومقاومة لقدرة الكلمة على عكسها، لكنه مع ذلك يعتبر أروع الأعمال التي يمارسها الإنسان، وأكثرها دلالة، مهما تباينت أوجه الإبداع الإنساني، بما في ذلك الذاكرة الشعبية والأدب العالمي والفنون التعبيرية الأخرى.

حيث يتجاور المثل الشعبي مع القصيدة ومع الحكاية والقصة وحتى الرواية واللوحة التشكيلية في حالة الحاجة الإنسانية، للتعبير عن عوالمه ومشاعره الداخلية عموماً، وتلك التي تصب في نهر الحب والعاطفة على وجه الخصوص، لا سيما وأن هذا الشعور الإنساني فيه من اللحمة الدرامية ما يكفي ويزيد ليجعل مشهده متداخلًا، إلى حد تتحول معه قصة حب حقيقية أو متخلية، إلى عمل أدبي أو مثل شعبي تردده الأجيال.

وفي هذا السياق، يمكن استحضار أمثلة لا تعد ولا تحصى، تسللت إلينا عبر صفحات المدونات التاريخية، على غرار قصة مجنون ليلى، التي تحكي لنا، قصة حب تراجيدية أبت أن تصل إلى نهاياتها السعيدة، لكن عنوانها تحول إلى أكثر الأمثال أو المقولات الشعبية شيوعاً في العالم العربي، حيث راح الناس يستخدمونه كلما سمعــوا بقصة حب مماثلة.

وذلك على الرغم من اختــلاف الأزمان والبيئات التي تتطور فيها قصة الحب هذه أو تلك، بينما أحداث الحكاية الأصلية دارت، كما هو معروف، في الجزيرة العربية، ومع ذلك ظلت الأجيال ترويها جيلًا بعد آخر، وكتبت حولها آلاف الروايات والقصائد التي تخبرنا بأن قيس وليلى أحبا بعضهما، منذ كانا شابين يافعين.

وعندما شاع خبر حبهما، حالت العادات والتقاليد الاجتماعية دون استمرارهما في اللقاء، فأصيب قيس بحالـــة عميقة من الكآبة وهام على وجهــه في الصحراء، وصاحـــب الحيوانات وامتنع عن الأكل والشرب، فأطلــــق عليه لقب (مجنون ليلى)، بينمــا أجبرت ليلى على الاقتران برجـــل غيره، لكن حرمانهما من اللقـــاء في الدنيا، لم يحل دون أن يرقـــدا بعد موتهمـا، خالدين في قبرين متجاورين.

حب روميو وجولييت

ربما من أبرز حكايات الحب الأخرى التي أصبح يضرب بها الأمثال حكاية روميـــو وجولييت، التي تعد من أعظم أعمال الكاتـــب الإنجليزي وليام شكسبير. وتعتبر من الكلاسيكيات العالمية التي مثلت كثيراً في مسرحيات وأفلام، قديماً وحديثاً. وظهرت مترجمة في الكثير من لغات العالم، حتى أصبح أي شخص عاطفي أو مغرم يشار إليه باسم روميو.

وكذلك الحال بالنسبة لجولييت. كما أن مشاهد روميو وجولييت ألهمت الكثير من المسرحيين لإبداع أعمال مسرحية مميزة، مثلما استلهم رسامون من هذه القصة العاطفية، أعمالاً كثيرة، باتت تشكل تراثاً من اللوحات العالمية الشهيرة. وفي الذاكرة الشعبية الفلسطينية وربما بلاد الشام أيضاً، ثمة مثل شعبي طريف شائع يقول: (من يعرف يعرف، ومن لا يعرف يقول كف عدس).

وأصل الحكاية في هذا المثل، يعود إلى قصة حب أو موعد غرامي بين حبيبين، التقيا عند بيدر فيه غلال العدس، واضطر الحبيب إلى الهرب عندما اكتشف أهل البلدة أمره، إلا أنه راح يضرب هذا المثل للدلالة على من لا يدري ما يدور حوله.

وجد وهجر وأمثال

إذا ألقينا نظرة سريعة على الأمثال الشعبية، التي قيلت في الحب، فسيتضح سريعاً أنها لم تتناول هذه الظاهرة الإنسانية الشعورية المحببة بعموميتها، بل إنها تغوص في كل حالة من حالاته على حدة، حيث تحفل هذه الأمثال بكل ما فيها من معان وعبر ودروس، على اختلاف أنواعها، ومهما تضاربت في مضامينها، فهناك الوجد والهجر والوصل والشوق وطغيان الحب، كأن يقال: (إن الهوى شريك العمى)، الذي يضرب في حالة الشخص الذي يعميه الحب عن رؤية الحقيقة.