برزت مفردات ألق وجماليات العمارة السوفييتية، بشكل جلي ، في بريطانيا، أخيراً، خلال فعاليات معرض عن ملامحها، أقيم ضمن الأكاديمية الملكية للفنون في لندن، تحت عنوان «بناء الثورة: الفن السوفييتي والهندسة المعمارية 1915 ـ 1935».

 ترى صحيفة «إندبندنت» البريطانية، في تقرير حديث لها، أن هناك ما يستحق التدافع لمشاهدة المعرض، الذي تصفه بأنه يعيد إحياء معنى كلمة «الثورة» في الفن والهندسة المعمارية، بعد أن فقدت هذه الكلمة مصداقيتها، وذلك بعرضه لأجزاء مهمة من الإبداع الثوري الروسي، التي تصفها الصحيفة، بأنها تشع جمالا، فالمباني والفنون المتبقية من ذاك العصر، ترتبط بقوة بمخيلة بعض أكثر المهندسين المعماريين نفوذا في القرن العشرين والواحد والعشرين.

يبرز، جليا، في وسط فناء الأكاديمية الملكية، حاليا، البناء الأكثر طليعية في تاريخ الهندسة المعمارية السوفييتية. وهذا البناء يمثل نسخة عن النموذج الأصلي لنصب الأممية الثالثة، الذي صممه فلاديمير تاتلين في عام 1920، ليكون مقرا رئيسيا للحزب الشيوعي، وهو عبارة عن أسلاك فولاذية حلزونية حمراء تتقاطع مع عارضة خشبية ناتئة كراجمة صواريخ، ولو تسنى بناؤه بالمقياس الذي كان متصوراً له أصلا، لبدا برج «إيفل». الى جانبه، قزما، وذلك نظراً لعلوه الشاهق.

وتصف صحيفة الـ «إندبندنت» البريطانية هذا البناء، «انه في هذا العالم المليء بأيقونات الهندسة المعمارية، الممثلة لرمز ثقافي أو جمالي خاص بثقافة أو عصر، لا شيء يقترب حتى من أن يشع بالقوة الصافية لمثل هذا الشكل الثوري».

وترى الصحيفة أن رؤى الفن والتصميم، نادرا ما تحثهما الأفكار الجريئة والصعبة حول التقدم الإنساني هذه الأيام، حيث ان مهندسا معماريا، مثل رم كولخاس، وهو المثقف الأكثر إعمالا للفكر في تصاميمه، اقر أخيرا، بأن مهنته قد تقزمت إلى لعبة اللحاق بركب التطلعات التجارية.

وما يميز فرادة الفن والعمارة الروسيين في عقد العشرينات من القرن الماضي، بعد اندلاع ثورة أكتوبر في العام 1917، وحسب رأي الصحيفة اللندنية، أنها كانت تعتزم إيجاد منحى أفكار وأشكال لروسيا المعاد منوال بنائها ماديا واجتماعيا، ولذا شكلت حركة التصميم الطليعية هذه الحركة الوحيدة في التاريخ التي كانت جزءا من السياسة الحكومية.

 فالأوقات البائسة في روسيا، أدت إلى ولادة رؤى جديدة. فقد ورث فلاديمير لينين ومجلس مفوضي الشعب، بلادا ممزقة باضطرابات اقتصادية واجتماعية، وكانت البلاد أمام حالة من الإفلاس والفوضى المعممة بين عامي 1916 و1917، فقام لينين بالدعوة إلى سياسة جديدة لإيجاد حلول جذرية جماعية للإسكان والمدن والإنتاج، وذلك من خلال إعادة تثقيف الجماهير في مسار دعي «الثقافة البروليتارية». وترى الصحيفة أن المعروضات في صالات عرض «ساكلر» هي بين المخططات الأساسية لهذا المسعى الاختباري المدهش ليوتوبيا ما بعد الثورة.

حيث سرعان ما جذب الفن والتصميم اللذان تم إنتاجهما اهتمام المهندسين المعماريين الغربيين، فصمم المهندس المعماري الفرنسي لو كوربوازيه، الاتحاد المركزي للتعاونيات الاستهلاكية في موسكو. وقام المهندس المعماري إيريك ماندلسون الذي شارك في تصميم مبنى «دو لا وار بافيون» الرائع في «بكسهيل» ببريطانيا، بابتكار مصنع منسوجات «رد بانر» في سانت بطرسبورغ. ولقد دعي كل من لوكوربوازيه وماندلسون وأوغست بيريت ووالتر غروبيوس، وهو مدير «بوهاوس» الى المشاركة في المسابقة الخاصة بتصميم قصر السوفييت.

وتقول الصحيفة اللندنية، إن الإطار المعدني الهائل لهذا المشروع الذي لم يجر الانتهاء منه، والذي صممه المهندس المعماري الروسي بوريس أيوفان، أثار غضب الكاتب الفرنسي الزائر أندريه جيد، الذي كتب عنه: «العامل الروسي سوف يدرك لماذا يجوع أمام هذا النصب التذكاري المرتفع 415 متراً عن الأرض، متوجاً في الأعلى بتمثال للينين من الفولاذ المقاوم للصدأ، يبلغ طول أحد أصابعه 10 أمتار».

كما رفضه أحد اعظم المهندسين المعماريين الأميركيين، وهو فرانك لويد رايت الذي حضر المؤتمر الروسي عام 1937. ولقد أعيد استخدام الفولاذ المخصص لقصر السوفييت للتحصينات والجسور في الحرب العالمية الثانية.

مفهوما العشرينات

يرى الناقد المعماري جاي ميريك في صحيفة الإندبندنت، أن أولويات ستالين كانت قد وضعت نهاية للفن والهندسة المعمارية الحديثين الطليعيين في روسيا، فأصبح الفن جزءا من «آلية الدعاية البطولية». وأصبحت العمارة اكثر تآلفا فيما بينها، وتشبه الثكنات في هيئتها. ولكن في فترة العشرينات من القرن الـ 20، كانت قوة الأفكار في روسيا تستثير في الفن والتصميم مفهومين:

أولا فن وعمارة الحركة «السوبرماتية». وثانيا فن وعمارة مزج التكنولوجيا بالأهداف الاجتماعية، ما يدعى بالحركة «البنائية». وحركة «السوبرماتية» كان قد ابتكرها الفنان كاسيمير ماليفيتش في عام 1915، عندما عرض لوحة تدعى «المربع الأسود» في المعرض الأسطوري «المستقبلي الأخير» في سان بطرسبورغ.

ويشير جاي ميريك إلى أن لوحات ماليفيتش، المؤلفة من دوائر ومربعات وصلبان على أرضية بيضاء، كان يشير إليها بـ «صفر الشكل». لافتا إلى ان النقطة البارزة في فن «السوبرماتية» هي أنها عمدت إلى تسطيح العمارة لتفادي أي إشارة لتصور منظور أو عمق ثلاثي الأبعاد، حيث الشكل الهندسي يفترض به دفع الناظر إلى تخيل أو توليف بعد رابع غامض من الأشكال والفضاءات.

وفي المعرض اللندني، هناك سلسلة من المباني للمهندس المعماري تاتلين تختبر التجريد في الشكل والمواد. ويرى الناقد جاي ميريك أنه يمكن النظر إلى حركة «السوبرماتية» على أنها الأسس الخيالية والفلسفية للإبداع الثوري الروسي الأصيل، وحركة «البنائية» على أنها مسعى لتعبير واضح ماديا وعمليا في الفن والهندسة المعمارية.

ويرى أيضا أن هناك ما يثير الفضول في المعرض للمتعمقين في دراسة تاريخ الفن، مثل اكتشاف الصلة بين رسم تاتلين عام 1915 لـ «كاونتر ريليفز» وبناء الكسندر رودشينكو «بنية فضائية رقم 5». أو بين مجموعة متشابكة من الزوايا الزرقاء لرودشينكو وتصاميم كوستنتين فيالوف لبناء برج الراديو.

ولكنه لا يرى كل الفنون في المعرض، آسرة أو محرضة للفكر، فرسومات كونستانتين ميدونتسكي، على سبيل المثال، بدت مضجرة، كما ان نموذج ناطحة السحاب المتعددة لماليفيتش «ارتكيتكتون زيتا». لا يبدو اكثر من شكل متبلد الحس من المستطيلات والمكعبات.

«مدن طائرة»

ويجد أن معرض «بناء الثورة» يزود رواده بسلسلة من الإيحاءات القوية التي تخترق الأفكار المسبقة، ومن ثم فإنه سيحظى باهتمام الموجة الجديدة من الفنانين والمهندسين المعماريين، ذلك لأنه لا يوجد شيء يدعى الفن الطليعي أو الهندسة الطليعية اليوم، ولأن الطرق «الجديدة» التي نرى من خلالها الفن والمباني ونختبرهما بها، لا علاقة لها باستكشافات تجريبية خالصة للشكل والتصور.

حيث ان معظم الفن والتصميم الحالي، يسلط الضوء على الشعور الجيد العابر فقط، محولا أفكارنا ومشاعرنا إلى سلع تجارية. كما أن الاستفزازات الفكرية للفن والصور في المعرض وحثهما للخيال، طبعت المعرض بطابع خاص، فهؤلاء الفنانون والمصممون الروس كانوا قد انتجوا أعمالا بعناوين، مثل «المدن الطائرة» أو «المدن الديناميكية». وهي على الرغم من كونها أوهام يوتوبيا، تفرز جوهرا كافيا يمكن استخدامه في إنتاج احد أهم الفنون والعمارة الحديثة الرائعة، التي لم يسبق أن شهدها العالم.

ويرى الناقد جاي ميريك، أن أهم الأعمال المعروضة هي لكل من إل ليستزكي وغوستاف كلوتسيس، وبوجه خاص للفنانة ليوبوف بوبوفا.

وإن إلقاء نظرة على هذا الالتحام المعقد للهندسة المسطحة والمنظور الأنبوبي المتضمن في رسومات إل ليستزكي لعمله الخاص «براون 6 بي» يثير الشعور بالرابط مع «دانيال ليبيسكايند» ورسوماته المتعددة الأسطح «ميكروميغا» في فترة السبعينات من القرن الماضي.

كما أن سلسلة مباني غوستاف كلوتسيس تبدو كأنها تصور مسبق لمزايا الأشكال المفككة التي يقترحها بيتر ايزنمان في الفترة نفسها. وهو يشدد على روعة التجربة الشكلية والبصرية التي يبدعها إل ليستزكي وكلوتسيس، إذ ان الأول تمكن من إبراز التناقض الشديد «للسوبرماتية» و«البنائية» ثلاثية الأبعاد، في عمل واحد. وهذا في حين أن الثاني جلب مهارات رسم رائعة إلى الفن الثوري، منتجا مزيجا قاسيا من أنواع مختلفة من البنى في أوضاع مختلفة.

أما بوبوفا فكانت رائعة، فأنتجت عملا جريئا جلب عناصر من «التكعيبية» و«البنائية» و«السوبرماتية». وهي مع التصورات الهندسية من الزيوت البنية والسوداء والحمراء وغبار الرخام الأبيض على ورقة الخشب الرقيقة في تصميم «إنشاء قوة فضائية» تجربة لنوع من اختراق للمجهول. كما أن الأعمال الأخرى في هذه السلسة، ومجموعة رسوماتها والمجسمات المعروضة، هي أيضا أعمال تثير الأحاسيس.

 

قوة لطيفة

إن تصوير الأشكال الهندسية في المعرض، لا يقل جودة. وهو ما تبرهنه الصور أحادية اللون، وذات المسحة التاريخية، والتي تمثل محطة الطاقة الكهربائية لمدينة موسكو، والمباني ذات الطابع الوحشي من تصميم كونستانتين ملنيكوف، ومجمع «غازبروم» في خاركوف، وعامود إرسال إذاعة موسكو الغريب المدهش.

والذي هو من تصميم فلاديمير شوكوف في العام 1922. وهذه الأعمال جميعها، تنقل بقوة لطيفة، الجرأة الخالصة للعمارة الثورية الروسية، وكذلك هناك صور ملونة لبعض هذه المباني العظيمة المتبقية، والتي التقطتها بعناية كاميرا المصور ريتشارد بار.

ويرى الناقد جاي ميريك أن القوة المعمارية الأصيلة مازالت تشع فيها، كما ان نظرة بار الخاصة لـ «سد دنيبر» ومصنع «رد بانر» على اساس انها روائع فنية في تفاصيلها.

ويشدد على أن مقابلة تيم تاور الرائعة مع ريتشارد بار في كتيب المعرض، هي واجبة القراءة لكل طالب في الهندسة المعمارية، ويضيف: «.. بار يجلب أحاسيس شاعرية مفصلة لتاريخ الهندسة المعمارية المرئية.

فهو يدرك ما يفترض النظر إليه، ليس هذا فحسب، وإنما أيضا كيف ينظر إليه».

وهذا برأيه ما يشكل جوهر معرض «بناء الثورة». مبينا انه يتحدانا لإعادة النظر بطريقة فريدة من الرؤية، وهي رؤية ما زالت غنية ومفعمة بالإثارة لكثافتها.