ماذا لو اختفى الحلم ونضبت قدرة الإنسان على التحليق بعيداً عن واقع قاسٍ سريع لاهث، يقبع في أحضان التكنولوجيا أسيراً ومحاطاً بصخب هائل وتلوث ضوئي طاغ يخدش الأبصار؟ فهل يطل برأسه، وسط كل هذه القسوة المحيطة بالإنسان، الحلم الناعس والواعد بكل ما هو جميل وإنساني وراقٍ؟ وهل ستكون «الأغاني ممكنة»؟ مثلما قال المغني المصري محمد منير في أغنيته «لسه الأغاني ممكنة»؟
علامات استفهام متناثرة حول واقع قاسٍ قسوة الصخر، ولكن ربما يقهرها الإنسان بمجرد أن يطلق لنفسه العنان ولخياله البراح فيحلم، نعم يحلم تحت الشمس.. في اليقظة.. فهو ــ الإنسان ــ لا يمتلك حالياً سوى الحلم في تحليق أوسع من خيال.. وأرحب من الأفق في امتداده.
إنها حكاية جميلة تلك التي تسمى بأحلام اليقظة، فمعاً نحكيها ومعاً نتعرف على تفاصيلها وآثارها الإيجابية على إبداع الإنسان وإصلاح المجتمعات والرقي بها ومعها.. فمعاً نحكي!
مفهوم علمي
يعرِّف علماء النفس وخبراء السلوكيات، أحلام اليقظة بأنها إطلاق الخيال الإنساني في اليقظة، كاستجابات بديلة للواقعية الضاغطة على الإنسان المعاصر، فإذا لم يجد الإنسان وسيلة لإشباع مطالبه وتحقيقات طموحاته في الواقع المعاش، فإنه قد يحقق هذا الإشباع وهذه المطالب في الخيال، في شكل حلم جميل، وبه يخفي القلق والتوتر، والخوف من المجهول المطل من أفق بعيد، فإذا كان الإنسان فقيراً يكون الثراء حلماً له، وإذا كان فاشلاً محبطاً يكون النجاح والمجد من أبطال أحلام اليقظة لديه، وإن كان عاشقاً بعيداً عن محبوبته، يكون حلمه فقط التمني بأن تجمعهما لحظة قرب.
وليس كل إنسان لديه القدرة على أن يطلق خياله ليحتضن به أحلام اليقظة التي هي بمثابة المتنفس المعنوي، ذلك نظراً إلى عدم التحقق في العديد من المجالات في الواقع، فمن هم قادرون على أحلام اليقظة، يستطيعون تحقيقها بأنفسهم، ولو جزئياً، ذلك لأن قوتهم هي في خيالهم الذي قد يتحول الكثير منه إلى واقع، فيتم التحدي الحقيقي لكل ما هو قاسٍ وليست وسيلة لتحقيق الذات، وهنا يكون الخطر، حيث يمكن للإنسان أن ينفصل عن الواقع المعاش مكتفياً بخيالاته التي يتعلق بها، وفيها يحيا، ويحدث له بسبب ذلك التمييز الحي فيما بين الواقع والخيال، وينتهي الإنسان بالإصابة بأمراض نفسية عصابية.
يقول الدكتور أحمد عكاشة استشاري الأمراض النفسية والعصبية ورئيس الهيئة العالمية للطب النفسي، في حديث إعلامي معه، إن أحلام اليقظة هي متنفس طبيعي بلا قيود اجتماعية أو رقابة عقلية تبيح وتحذر، وهو الخطوة الأولى في كثير من الأحيان لدى 60% من القادرين على التحليق في حلم يقظة، أن يحققوا ما نسبته 20% من أحلامهم على أرض الواقع، وكأن حلم اليقظة ما هو إلا خطة خيالية مؤقتة لحين تنفيذها على أرض الواقع. ويوضح عكاشة بأن سيطرة أحلام اليقظة بشكل كبير على الإنسان تؤدي إلى العديد من الأمراض النفسية، خاصة في حالة عدم تحقيق ولو القدر الضئيل منها، فتزداد مساحة الإحباط والسخط على الواقع الحسي المعاش.
ويقول عالم النفس الألماني، الدكتور أ. شنايدر، إن الإنسان الطبيعي ــ حتى وإن كان محبطاً ــ وله القدرة على إطلاق خياله في حلم يقظة.. ويختفي الحلم في حالة انشغال الإنسان بتنفيذه لعمله، ويكون هذا العمل على قدر طموحاته، ويوضح بأن أحلام اليقظة ليس لها توقيت معين في اليوم، وإنها تكون في كل زمان ومكان طالما وجد الإنسان، وطالما وجدت التحديات التي لا بد له وأن يقهرها.
أحلام اليقظة..حقائق
هناك تباين في وجهات نظر علماء النفس والسلوكيات والأطباء المتخصصين في الأعصاب ــ تباين ــ حول أحلام اليقظة، فالبعض يذكر أنها تتعلق بمواقف لا شعورية يتمنى الإنسان تحقيقها، وهناك من يشير إلى أنها من نتاج الذاكرة ذاتها، وكأنها سلسلة لقصة ومفردات الحياة اليومية التي يمر بها الفرد، وآخرون يعتقدون أنها معلومات تنطلق من الذاكرة بطريقة تلقائية غير مسيطر عليها، وتسلط على الفرد فتنقله لمرحلة الخيال والحلم.
وآخرون يوضحون أنها مجرد أمنيات لم يستطع الفرد تحقيقها في الواقع، ويكون هذا الفرد واقعاً تحت تأثير الإحباطات وعدم تحقيق الذات، فعندئذٍ يحاول تحقيقها ــ الأمنيات ــ بواسطة أحلام اليقظة، وهكذا اختلفت الآراء، وبقي الحلم واحداً، لأنه المتنفس الوحيد حتى لا ينهار الإنسان سواء في أحلام اليقظة أو في عالم الحس الواقعي.
ويوجد لأحلام اليقظة، فوائد كثيرة، منها الدافع إلى تحويل هذه الأحلام حقيقة، وأيضاً هي متنفس طبيعي لحالات الكبت والإحباط، كما أن توسيع الخيال يزيد من قيمة إبداعية الفرد في العمل وكذا الإبداع النفسي، وأحياناً تتحول أحلام اليقظة في المراحل المتقدمة نسبياً من العمر، إلى خيال تأملي للواقع المحيط بالإنسان، وتتوزع كيفيات الخروج من سلبياته المتعددة، وتسيطر على الفرد هذه الأحلام بعد أن يشوبها نوع من تحوير الصورة الحقيقية، أو إعادة الصورة النفسية اللاشعورية إلى الشعور، بحيث يكون بعيداً عن الحذف والانتقاء، وبشكل آلي وعفوي أحياناً.
فهناك من الأفراد من يسترجع الماضي الجميل والحنين إليه، ومن ثم يستعرض سلسة صور - كأنما فيلم سينمائي- رائعة يتمنى ألا ينتهي، وهذا الشريط ترى أنه ينسجم معه بمضمون أحداثه في شكل يتمنى استعادته لحياته مرة أخرى، وهذا النوع من أحلام اليقظة (وهو الحنين للماضي) يُعرف باسم «نوستالجيا»، أي الحنين الحارق للماضي.
وقد أسقط وجسد هذا المعنى في مسلسل تلفزيوني من بطولة الممثل عمر الشريف وسوسن بدر، منذ ثلاثة أعوام، تحت اسم «حنان وحنين». وأحلام اليقظة تنقسم إلى نوعين، الإيجابي والسلبي، فالإيجابي منها بمثابة قوة دافعة وعارمة ترمي إلى تغيير واقع معين وراءه نسبة عالية من التمني، وأيضاً جنباً إلى جنب تخيل حياة مختلفة تخفف الكثير من حدة الواقع الخاص بالفرد أو الجماعة. والإيجابية هنا هي أيضاً نوع من حماية الإنسان من الانبهار والتقوقع ومشاعر الإحباط.
وأما أحلام اليقظة السلبية، فهي تتلخص في أنها مجرد حلم يقظة يعيش معه وفيه الإنسان، كنوع من العزلة عن الواقع، ولا يصل به مرحلة التنفيذ والتغيير. وأيضاً تكون هذه الأحلام سلبية في حالة استجلاب الماضي الضاغط بكل ظروفه وأحداثه السيئة والمواقف المخيفة في حياة الإنسان والأحداث التي أطاحت به وبإنسانيته.
كما أن هذه النوعية من الأحلام يدخل فيها الإنسان مع حالة من البكاء الهستيري، وحالة رثاء للذات، ويكون رد فعله سلبياً، مثل فرض العزلة على نفسه والانطواء بعيداً عن كل الناس وكل الأماكن كنوع من الرفض، أو يتحول الحلم إلى دافع قوي للانتقام لذاته من كل المجتمع، حتى مجتمع الأسرة نفسه، وهنا لا بد من العلاج النفسي والتدخل الطبي.
ولهذه الأسباب جميعها يوضح أطباء علم النفس ضرورة التحكم في أحلام اليقظة وعدم التمادي فيها ومعها، والخروج من ذلك يكون بالانشغال بهواية محببة، أو مشاهدة فن راق، أو وضع هدف كبير يمكن تنفيذه على مراحل ليشكل في حد ذاته حلم الواقع، أو الثقة النسبية في إنسان للتحدث معه عن مكونات النفس وخباياها، مع الاحتفاظ بخصوصية الإنسان.
أحلام يقظة طفولية
تعتبر بداية سلم النجاح في حياة الصغار، إذا ما تمت في تجسداتها بطريقة إيجابية وتخيلية معينة، ذلك بمعنى أن يحلم الطفل بأن يكون رساماً أو طبيباً أو مهندساً أو عالماً. وذلك يبدأ عندما يعجب الطفل بطبيبه الخاص الذي يعالجه.
كما أن ألعاب الصغار التي تعكس هندسة خاصة، أو صور الكتب جميعها، إذا تأثر بها كل صغير تؤدي به إلى حلم يقظة يداعب خياله، ويكون إيجابياً إذا سرد الصغير حلمه لأمه أو والده أو أحد أفراد الأسرة، حتى يساعدونه على تحقيق أحلامه وطموحاته إلى واقع خاص به يكون خطوة لنجاحات كبيرة في مرحلة الدراسة وما بعدها من مراحله العمرية الحياتية.
وتظهر أحلام اليقظة بوضوح لدى الأطفال والشباب من النشء، الذين يعانون من أنواع مختلفة من الإعاقات الجسدية الناتجة عن مرض مثل شلل الأطفال، أو ناجمة عن حوادث طريق وغيرها، كالحروق والسقوط من العالي، وهذه الظواهر جميعها تجعلهم لا يتكيفون مع الواقع ومع الآخرين الأصحاء.
وأيضاً يلجأ الصغار الى أحلام اليقظة لشعورهم بعدم التكيف في المجتمع لسبب أو لآخر. وكذلك لشعورهم بالقلق داخل أسرة مفككة، سواء بالطلاق أو الإهمال. أو شعورهم بالإحباط نتيجة الفقر وعقد المقارنة فيما بينهم وبين أطفال آخرين من ذوي المقام العالي.
وإذا لاحظ الأهل إفراط الصغار في أحلام اليقظة التي تأخذ شكل البعد عن الجماعة والتحديق دون كلام، عليهم بالقيام بإعادة جذبهم إلى الواقع، عن طريق الدخول معهم في حديث جذاب داخل دائرة اهتماماتهم اليومية، أو إسناد أعمال هامة إليهم، حتى يشعرون بقيمة أنفسهم وإشعال وقود التحدي لديهم الذي يساعدهم على الإبداع.
وأيضاً إشعار الصغار بالاستقلالية النسبية لأنها تزيدهم من مشاعر المسؤولية أمام ذاتهم وأمام الآخرين. وكذلك يمكن للأهل الاشتراك مع صغارهم في التمارين الرياضية المختلفة والنشاطات الاجتماعية والأعمال الخيرية، وجميع هذه المبادرات تشعر الصغير بمزيد من الثقة بنفسه، وأهميته في المجتمع المحيط به، وعندما يكبر ويصبح في موقع المسؤولية، يكون شخصية قادرة على صناعة القرار.
أفلام «اليقظة»
دخلت أحلام اليقظة مجال الفن السابع، وخصوصاً في مصر، من خلال العديد من الأفلام، منها: «القاهرة» للأديب الراحل نجيب محفوظ، وهو من بطولة سعاد حسني وحمدي أحمد وأحمد مظهر. ومن إخراج صلاح أبو سيف الذي ركز في القول، على أن الحلم في اليقظة، الصلة بين التمني والواقع.
وجسد ذلك في الدور الذي قام به حمدي أحمد، الصحافي الذي يتطلع إلى المنصب والجاه. وهناك أيضاً فيلم «أحلام هند وكاميليا»، وهو من بطولة: الممثل الراحل أحمد زكي، نجلاء فتحي، عايدة رياض. وتقوم فكرة الفيلم على حلم اليقظة لدى نجلاء فتحي وعايدة رياض، للدخول في عالم النخبة وتوديع الفقر والعمل في البيوت كخادمات، وأيضاً للتحرر من فكرة المجتمع الذكوري السلبي في العديد من أحواله.
.. في الشعر
ربما يكون الشعر عنواناً محورياً في سياق الإلهام لإبداع قصيدة مهمة، ذلك مثل حال قصيدة مهمة للشاعر الراحل نزار قباني، والتي يقول فيها، موجهاً أبياتها إلى حبيبته:
«وأحلامي القديمة مستحيلة
فلا تطلبي مني الصهيل
فإن خيلي من زمان مستقيلة
إني حصان قد أحيل إلى المعاش
وصرت أخشى مواجهة السباقات الطويلة»!
