يمكن حصر الزمن بالإحساس الجماعي للناس كافة على توالي الأحداث بشكل لا رجوع فيه. ويتجلى هذا بتوالي الليل والنهار وتعاقب الأيام، مما جعل الناس يتخيلون أن الزمن نهر جار باتجاه محدد لا عودة فيه.
ومن خلاله تم تحديد السنين والساعات، وفق تقسيمات الشعوب. ولكن الفيزياء الحديثة، زلزلت عرش الزمن، وألغت عنه صفة الإطلاق التي تمتع بها عبر السنين، فنظرية النسبية الخاصة، اعتبرته أحد مكونات المسرح الكوني، التي تجري فيه الأحداث، وبالتالي أصبح لكل جملة فيزيائية زمنها الخاص بها، وهو الذي يختلف عن زمن جملة فيزيائية أخرى.
..في سنة ميلادية
لاحظ البشر أن العديد من الظواهر الفيزيائية، بدءاً من حركة الشمس، مروراً بتساقط الرمل من وعاء زجاجي، ووصولاً إلى اهتزاز نواس بسيط، تأخذ فترات زمنية متساوية حسب تقديرهم، مما دفعهم لتطوير مواقيت وأدوات عدة لقياس الزمن، باستخدام هذه الظواهر، فأوجدوا المزولة الشمسية ثم الساعة الرملية ثم ساعة النواس، أو البندول.
وفي كل هذه الأزمان، تم اعتبار الزمن أحد الملطقات فالفترات الزمنية الفاصلة، بين حدثين مختلفين ثابتة بالنسبة لكل المراقبين، وهذا ما حافظ عليه نيوتن، باعتبار الزمن أمراً مطلقاً كونياً، فتغيرات الزمن ثابتة في أنحاء الكون، وهو يجري أبداً كما هو بالنسبة لجملة فيزيائية تتحرك بانتظام أو بتسارع، فتتحرك بحركة دائرية أو مستقيمة. ومنذ القدم اتفق الناس على وحدات تقسيم الزمن: الثانية والدقيقة والساعة والشهر والسنة.
بدايات ونظريات
والسنة لها تقسيمها، فتبدأ من رأس السنة الميلادية، الذي يعد الأول من يناير، يومها الأول، وتعود إلى القدم بعد ملاحظة الإنسان حينها تكرار حركة الشمس والقمر، وبناء على هذا التكرار أوجدت تقسيمات الزمن. وقبل ميلاد السيد المسيح «عليه السلام»، اعتمد الرومان التقويم الشمسي، الذي يعتمد على موقع الشمس بالنسبة للأرض، عند وقت زوال الشمس أو وقت تعامد الشمس على الأرض أو شمس منتصف النهار.
ويرجع سبب اعتماد الإنسان في الغرب على التقويم الشمسي، إلى وضوح الزوايا الخاصة بميل الشمس على الأرض خاصة عند الابتعاد عن مدار السرطان باتجاه القطب، ووجود صعوبة في رؤية الهلال في بداية الشهر الهجري. لقد لاحظ الناس في الغرب منذ القدم أن حركة الشمس على الأرض تقع بين خطين، خلال 365 يوماً. وعرف الخطان فيما بعد بمدار السرطان ومدار الجدي.
كما لاحظوا أن وقت شروق الشمس، إلى وقت غروب الشمس يساوي وقت غروب الشمس إلى وقت شروق الشمس، بمعدل 12 ساعة في جميع مناطق الكرة الأرضية. وعلى هذا الأساس قاموا بحساب عدد أيام الدورة الشمسية فوجدوا أن الشمس تعود إلى مكانها خلال 365 يوماً وأطلقوا عليها اسم سنة.
الفصول
وبناء على ذلك تم تقسيم السنة الميلادية إلى أربعة فصول، واعتبروا بداية كل فصل حسب مرجعية تعامد الشمس على أحد خطوط السرطان أو الجدي أو الاستواء ثم قسموا الفصول إلى أيام فوجدوا مدة فصل الشتاء 89 يوماً، ومدة فصل الربيع 92 يوماً و12 ساعة، ومدة فصل الصيف 93 يوماً و 14 ساعة، ومدة فصل الخريف 89 يوماً و 8 ساعات. ثم قسموا الفصل إلى ثلاثة أشهر، حسب عدد أيامه وتشابه ظروفه.
فكان، سبعة أشهر عدد أيامها 31 يوماً. وأربعة أشهر عدد أيام كل شهر 30 يوماً، وبولادة السيد المسيح عليه السلام بدأ التغير في حياة البشرية وسلوكها، وأصبح هو الحدث الأكبر في ذلك الوقت. وأصبح ميلاد السيد المسيح عليه السلام المرجع الوحيد لتاريخ الأحداث اليومية في حساب عدد السنين. وبعد 1400 عام انتبه أحد رجال الكنيسة الغربية في روما، إلى عدم تعامد الشمس على خط الاستواء يوم 21 ديسمبر.
وقام أحدهم بإعادة حساب التقويم فوجد أن أيام السنة الميلادية تساوي 365 يوماً وربع اليوم، فقام بإضافة ستة أشهر لتصحيح فرق السنوات منذ تاريخ ميلاد السيد المسيح عليه السلام، ووجد أن شهر شباط (فبراير) هو أقصر وأنسب الأشهر فجعله 29 يوماً كل أربع سنوات وسميت بالسنة الكبيسة.
..بين الشرق والغرب
أدى هذا الحساب الجديد إلى احتجاج الكنيسة والشعب على هذه الفكرة لأن عمر الناس قد زاد ستة أشهر، فالطفل الذي عمره يوم واحد، أصبح عمره ستة أشهر ويوماً واحداً.
ولكن مع مرور الأيام، نسوا المشكلة واعتمدوا على التقويم الميلادي الجديد في حساب أوقات الصيام والأعياد. إلا أن رجال الكنيسة الشرقيين رفضوا تصحيح التاريخ القديم وتابعوا تاريخهم على أساس التاريخ الجديد. ومنذ ذلك التاريخ أصبح في الديانة المسيحية تقويم شرقي وتقويم غربي.
وأدى ذلك إلى انقسامهم في صيامهم وأعيادهم، فأصل هذا الخلاف هو فلكي وليس دينياً. وبعد نشوء الأمم المتحدة وانتشار الطيران في العالم وسرعة التنقل بين الدول والتماس طول النهار في حال السفر باتجاه الغرب وقصر النهار في حال السفر باتجاه الشرق.
فأصبح تنظيم الحركة الجوية للطائرات، وتحديد نقاط دخول وخروج الطائرات لحدود كل دولة، أمراً ضرورياً، ولتسهيل عملية البحث والإنقاذ في حال حوادث الطائرات فقد تم إنشاء منظمتين للطيران المدني، الأولى لمناطق آسيا وإفريقيا وأوروبا. والثانية لمنطقة أميركا وكندا، ووضعوا أسس الملاحة الجوية من علم الملاحة البحرية، واعتمدوا على مقياس الميل البحري بدل القدم والمتر والميل الأميركي.
ووجدوا أن أكبر الدوائر على الأرض هي دائرة خط الاستواء وتعادل 40 ألف كيلومتر، وبسبب أن الرقم 60 يقبل القسمة على معظم الأعداد الأولية، جعلوا مقابل كل درجة على الكرة الأرضية 60 ميلاً بحرياً وكل ميل بحري يساوي 1852 متراً. ووجدوا أن التقويم الشمسي أو التقويم الميلادي ثابت لتحديد المواعيد المستقبلية.
كذلك تم اختيار خط الطول الوهمي المار بمدينة غرينتش كمرجع لبداية خطوط الطول وذلك لمعرفة الموقع ومعرفة الوقت. وسبب اختيار خط الطول المار بمدينة غرينتش لبداية الترقيم، هو أن خط الطول المعاكس له على الكرة الأرضية يمر بأقل الدول والمناطق المأهولة.
24 ساعة
وبعد ذلك اعتمدت الأمم المتحدة التقويم العالمي الجديد، واعتمدت مدة اليوم بـ 24 ساعة بدلاً من 12 ساعة قبل الظهر و 12 بعد الظهر، وأن بداية اليوم الجديد في الكرة الأرضية تبدأ من خط الطول المعاكس لخط طول مدينة غرينتش. كما قسمت بقية الكرة الأرضية إلى مناطق زمنية وجعلت كل 15 خط طول يبعد عن خط غرينتش بفرق زمني يساوي ساعة زمنية.
وتركت لكل دولة حرية اعتماد التوقيت المحلي وبداية ونهاية التوقيت الصيفي والشتوي، وذلك للاستفادة العظمى من ضوء الشمس. وبهذه الاتفاقات تم إنهاء مشاكل التقويم الميلادي باستثناء الصيام والأعياد في الديانة المسيحية.
الهجرية سنين القمر
رأس السنة الهجرية هو الحدث الديني الذي ينتظر فيه المسلمون اليوم الأول من شهر "محرم"( الشهر الأول في التقويم الإسلامي) وتزامن هذا التاريخ مع هجرة النبي محمد "صلى الله عليه وسلم"، إلى المدينة المنورة.
ويقال ان البابليين، عرفوا التقويم القمري، وذلك بعد أن اعتمدوا في تصريف الكثير من أمورهم على حركة الأجرام السماوية، وقسموا الشهر بالاعتماد على حركة القمر، وبقي هذا التقسيم معتمداً في السنة القمرية الهجرية، ويرتكز العرب في التقويم القمري، على رؤية القمر وأشكاله اليومية من الأرض، وكان ذلك قبل أن تعرف البشرية أن الأرض كروية، وقبل أن تقسم الأرض إلى خطوط طول وخطوط عرض.
إبداعات الزمن
بما أن الأدب يعكس الواقع بشكل أو بآخر، كان لا بد للأديب من أن يستحضر الزمن، سواء وضعه في سياق رواية، أو قصيدة، أو حرك شخصياته في الزمن، وبناء على هذا ظهرت بعض الكتب التي تعنى بمعالجة بنية الزمن، في الأدب بشكل عام والرواية بصفة خاصة، وستبقى في ذاكرة القارئ بعض الكتب.
والتي صدرت منذ سنوات ولم تزل الى حد الآن، المراجع العربية في هذا الموضع، ومنها كتاب "تيار الوعي في الرواية الحديثة" والذي ترجمه محمود الربيعي عام 1975، وكذلك كتاب "الزمن في الأدب" وهو من ترجمة أسعد مرزوق -عام 1972. ومن الكتب التي تعالج موضوع الزمن بشكل عام كتاب كولن ولسون، بعنوان "فكرة الزمان عبر التاريخ"، وقد ترجمه فؤاد كامل عام 1992.
وكتاب "التطور مخالف" لهنري برجسون 1984 . وهناك كتب أخرى تلامس فكرة الزمن في سياق الأدب الروائي على وجه الخصوص، ولكنها كتب قليلة من الناحية النقدية النظرية والتطبيقية بسبب صعوبة التعرض لمثل هذا الموضوع الذي يتشابك مع الفلسفة وعلم النفس ويتداخل معهما.
وفي رؤية نقدية للشعر صدرت عدد من الإصدارات، التي تبحث في الزمن مثل "الزمن عند الشعراء العرب قبل الإسلام" لمؤلفه عبدالإله الصائغ، والزمن في الشعر العربي، أو الزمن في الشعر الصوفي، وما إلى ذلك من إصدارات كان الزمن محورها. وتقسيمات الزمن تتجلى بفنون الموسيقى، التي تعتمد على الثانية في كل جملة موسيقية.
وهذا ما يبرز أهمية الثانية التي لا تبدو ذات أهمية بالنسبة لفنون أخرى مثل الرسم، حيث ان الفنان يستغرق الوقت الذي يريده، لإنجاز علمه الذي قد يحضر فيه الزمن بطريقة أو بأخرى مثل لوحة "إصرار الذاكرة" للفنان الإسباني بيكاسو، والتي رسم فيها ساعات ملتوية على أغصان شجر.
