كان أول عهد الصبية بالأجندة، عندما تسلمت كتبها الملونة والمزركشة برسومات طفولية كوجه الشمس الضاحكة والزهور التي تقطفها ذات الرداء الأحمر في الغابة، وفي طريقها إلى جدتها في كوخها الصغير. كبرت الصغيرة وأصبح لها أجندة، لا تخلو من الألوان والرسومات، ولا من الأسرار الساذجة لأنها لا تزال تخطو إلى مرحلة المراهقة المبكرة تدون فيها أي شي ء وكل شي ء.. خواطر، أرقام، عناوين رموز.
لا تقتصر حكايات الأجندة على محتوى منحي حياتي خاصة إذ تختلط بمعايشات وحكايات ما يواجهه أي من الكتاب إو الأدباء أو السياسيين. غالباً ما تكون تلك الصورة، مفاد مضمون ما نختبره ونعيه في حياتنا اليومية، وعبر تجاربنا مع ما نخطه ضمن أجندات عملنا اليومية، والتي تتجسد بسيطة أحياناً.
ولكنها تتقدم نحو المزيد من العمق وأحياناً التعقيد في معناها ومحتواها وأهمية اقتنائها وأسباب تواجدها في حياتنا. إذ كل منا له أجندته الخاصة، أجندة الفكر والانتماء وأجندة تعكس خبايا الشخصية وكيفية تعاملها مع نفسها والآخر. وبذلك يكون لكل منا أجندته الخاصة أو مصنع أجندات تبرمج فكرة وشخصية وملامح من تفكيره، فالإنسان وأجندته وجهان لعملة حياتية واحدة، لا تخلو من الشد والجذب حتى فيما بين الإنسان ونفسه.
«التنظيم»
تنحدر كلمة أجندة بالعامية المصرية، من التركية بمعنى «التنظيم»، وهي تلك المفكرة التي تحتوي على أرقام الهواتف والعناوين والمواعيد، وتدوين الملاحظات. وأحياناً الخواطر اليومية.
أو خواطر كنتاج لتفريغ الذاكرة من شحنة غاضبة أو أخرى عاطفية، وثالثة رثاء للذات التي لم تهدأ وترتاح في زمن «اللاهدوء الإنساني»، فهي الصديق الذي يبوح له الإنسان بمكنون النفس والروح والفكر المضطرب والأماني والطموحات وأيضاً، فهي التي يلتقطها الإنسان معه في كل مكان وكأنها الصديق الحميم.. وهي كذلك بالفعل.
بشاوات الزمن الجميل
تتنوع أشكال فخامة الأجندات المختلفة، ومنها أحياناً يجري التصنيف المجتمعي، فهناك أجندات من الجلد الطبيعي وعلى طرفها العلوي اليميني، الحروف الأولى لاسم صاحب الأجندة غالباً ما تكون من الذهب الخالص، عاكسة بأن «باشا» من بشاوات الزمن الراحل بكل شموخ.
وأخرى من القطيعة السوداء تتصدر وسطها حروف أولى من اسم صاحبها من الفضة المحفورة يدوياً والمرصعة بالفيروز الحر الأصلي، ربما لمنع الحسد.. ربما، وأجندات أخرى سيريالية الرسومات والألوان، وهي خاصة غالباً بشباب الزمن اللاهث هذا، والتي تضيع كل لحظة ويتم البحث عنها ربما باستخدام «كلاب بوليسية»، حتى يكتمل مشهد الأبهة الزائفة لطبقة متسلقة في مجتمع يشوبه الاغتراب!!!
مصالح
تعني كلمة «Ageuda» بالإنجليزية أن يكون للإنسان أهداف خاصة أو عامة أو مصالح محددة في اتجاهات مختلفة ربما تكون سياسية أو اقتصادية. وكلمة أجندة أخذت بعداً آخر في أيامنا هذه، وانتشرت كلمة «الأجندة» بكثرة في مرحلة الربيع العربي، وهي مرحلة الانتفاضة العربية، لكل منها أجندة أو «أصحاب الأجندات».
وإذا كانت «الأجندة» تدلل أخيراً، على مصطلح سياسي، يعني أهدافاً وتكتيكات معينة، فهذالا يشين أصحاب الأجندات إذا كانت أجنداتهم لا تطفي على حريات وأجندات الآخرين، فقط هي كلمة تعني رمزاً معيناً واتجاهاً خاصاً. فجميعنا لديه العديد من الأجندات الفكرية والعقائدية، وأيضاً أجندات بمفهومها البسيط (تنظيم وترتيب كل شيء في حياتنا). و
لا تزال رحلتنا مع «الأجندة»، شكلاً ومعنى مستمرة، فالأجندة هي رزمة من الأوراق في مغلف بلاستيكي حديث يصطحبها المشتغلون في مهن مختلفة، ومعها قلم أنيق أو عادي لحضور اجتماعات صباحية واجتماع منتصف اليوم، لتدوين كل ما يدور فيها، وربما يزاحم الأجندة جهاز أنيق إلكتروني مميز هو «اللاب توب» أو المحمول، «يقوم بكل شيء» في الكون بضغطة زر خفيفة، للحفاظ عليه من أي ألم قد يتعرض له من أصابعنا»!!
أجندة الخياط أو الترزي يدون فيها اسم العملاء لديه. ومقاساتهم وهي غالباً ما تكون مزركشة بشكل «المتر» المقسم للسانتي و"ياردا".. أجندة أخرى خاصة «البيه البواب» المهيمن على مكان البناية، فيها تدوين حساب الصحف اليومية الخاصة بكل شقة وعددها وأسعارها، لأنه يحصلها في عطلة نهاية الأسبوع. وأجندة خاصة «بالبقال» (الميني ماركت)، حديثاً، لهؤلاء الذين يفضلون دفع الحساب شهرياً؛ جميعها أجندة بمفهومات مختلفة.
وخرجت المفاهيم المختلفة للأجندة عن معناها الحقيقي لمعاني أخرى عصرية، ومثالها كلمة تعبر عن أشهر البرامج التليفزيونية التي تبث على الهواء مباشرة، وتأخذ شكل الحوار الهادئ، ويبثها تليفزيون «أونقاريو» بكندا agenda، وهي اسم لمجلة بريطانية دورية متخصصة في الأدب والشعر، وتصدر في العاصمة لندن.
ويعد" Agenda " برنامجاً يومياً يبث على الهواء مباشرة، أكثر من مرة خلال اليوم، ليلخص أهم الأحداث في كل الاتجاهات، في قناة «TVNZ» في نيوزيلاندا. وخرجت الأجندة أيضاً على معناها المتعارف عليه، لتأخذ معنى مختلفاً، ففي ولاية «كانساس» الأميركية توجد قرية صغيرة تحمل اسم «قرية أجندة». وأيضاً في ولاية ويسكونسن الأميركية، هناك شارع في وسط البلد (داون تاون) يعرف باسم «أجندة».
تاريخ «الأجندات»
يطل تاريخ الأجندات من الحضارات القديمة بغالبيتها، مثل الفراعنة، وكانوا يدونون حياتهم على أجندات من ورق البردى، وسجلوا حروبهم ومهرجاناتهم على المسلات الحجرية، التي تعكس حياة أعظم شعوب الأرض في الحضارة والعمارة والفنون. وتعـــرف كلمــــة أجندة بالهيروغليفي، باسم «أجنابت»، أي بمعنى التدوين للحفاظ من الضياع، والتدوين المنظم.
وكان الإغريق يدونون البُعد الرقمي في حضارتهم العريقة على أوراق الموز بدون تسلسل. ولكن ماذا عن الصينيين القدامى؟ كان لهؤلاء أجندات معنونة في طريقة الزراعة، وخاصة الشاي والأرز، فكانت الملاحظات تكتب على الحرير ويحتفظ بها إلى حين استخدامها.
ومن هنا كان التقدم الزراعي في الصين مذهلاً لأنه يرتبط فيما بين الأمطار والزروع المختلفة. وكان الكهان في الصين القديمة يكتبون دلالة الأرقام في ألواح خزفية رقيقة كصفحة الورق ويضعونها في المنازل والمعابد لطرد الأرواح الشريرة، حسب المعتقدات الصينية القديمة.
حضور قوي في حياة التشيكيين
قبل المغزى التنظيمي للأجندة في حياتهم، كان التشيكيون يجربون فيها مزج الألوان بعضها ببعض، ثم يأخذون النتائج ويبدؤون وضعها بالريشة على «البالتي»، وأشهر الفنانين في هذا المجال: الفنان يوهان مبرميه( 1632 ـــ 1675) " في القرن السادس عشر الميلادي" وهو فنان هولندي عالمي.
ومن أشهر لوحاته تلك التي نسخت فيما بعد على واجهة الأجندات في المطارات العالمية، وخاصة مطار شيبول في أمستردام ــــ الذي يضم في واجهاته رسماً لواحدة من أشهر لوحات الفنان المذكور: «الفتاة بالقطري اللؤلؤي». وكان «فيرميه» يدون خواطره حول هذه الفتاة التي كانت تعمل خادمة في منزل اشترته.
والأجندة في حياة السياسيين لها مفهوم خاص جداً، فهي بمعنى خطة عمل تشمل الدولة بكل مجالاتها الداخلية، وأيضاً أطماع وغزوات وكبت حريات؛ فالأجندة لدى الساسة هي بمثابة نوعية النمط الشمولي للحكم، وربما من هنا كان لها ذلك الرنين التآمري في كثير من الأحيان، وهناك متخصصون في وضع الأجندات السياسية في ظل الأطماع والمطامع والمكاسب، وأيضاً الإنجازات عالية المستوى.
..في الإعلام
تبدأ الأجندة الإعلامية من خريطة البرامج، وهي تقسم إلى ما يعرف بدورات البرامج، وتغييرها يخضع للتجديد، وأيضاً أجندات خاصة لدى الإعلاميين ومقدمي البرامج، وهي التي تأخذ الشكل الحواري المستفز.
كما أنه ينتظر الجمهور المصري والعربي والعالمي، فيلم «الأجندة» الذي لم يعرض بعد، وقد يعرض حسب التكهنات في منتصف العام 2012، ويتعرض الفيلم لأحداث ثورة 25 يناير في مصر، مركزاً على أسبابها وتكتيكها، ويسخر من الانتقادات الموجهة من قبل البعض، إلى شباب التحرير الذي وصف بأنه شباب «الفيس بوك» وشباب "الأجندة السياسية الجديدة".
الفيلم من إخراج المخرجة الشابة نيفين شلبي، وقد قامت نيفين شلبي بإخراج ثلاثة أجزاء لهذا الفيلم، تعكس فيها ثورة تونس وليبيا ومصر، وسيغير اسم الفيلم قبيل العرض إلى «أنا والأجندة». وهناك أيضاً كتاب «يوميات نائب في الأرياف» للكاتب الكبير توفيق الحكيم، يعتمد في المقام الأول على تدوين الحكيم ليومياته داخل أجندة خاصة به.
وبدأ أول سطر فيها بقوله: «ما أنت إلا نافذة مفتوحة أطلق منها حريتي في ساعات الضيق». ويبدو بهذا، كأنه يخاطب أجندته التي كان يعتز بها اعتزازاً خاصاً. ويدور محور الرواية في قرية بالوجه القبلي حول حادثة قتل يحقق فيها الحكيم باعتباره وكيل النيابة، وله عين ثاقبة ترصد الشخصيات والأحداث ونقد المجتمع في أسلوب ساخر، ويعتمد على التلاحم مع المجتمع المصري وخاصة مجتمع الريف الذي وصفه بالجمال والفطرة والوحشية معاً لعادات الأخذ بالثأر.
واتسمت روايات الحكيم المستمدة من مسودات داخل أجنداته، بسرد التراث الشعبي المصري، وخاصة في الزجل والأمثال الشعبية، ومنه: «فتش عن النسوان، تعرف سبب الأحزان". و"رمش عين الحبيبة يغرس فدان". وقد تحولت هذه الكلمات الزجلية لأغنية من التراث الشعبي المصري.
وإذا كانت الأجندة معنى ورمزاً وحضوراً قوياً في حياتنا، «فجميعنا يا عزيزي أصحاب أجندات». إنها كلمات جاءت كثيراً في كتابات الكاتب إحسان عبدالقدوس، إذ وصف الحب الأول أو الوهم الأول، في حياة كل منا، بأن يطل من داخل أجندة خاصة جداً. وحتى الآن لا نعرف بالتحديد أيهما كان وهماً: الحب أم الأجندة؟

