هو سر غريب لم تسبر أغواره بعد، ومع ذلك لا يعرف من أين يأتي؟ وكيف يأتي وما شكله، يعيشه الإنسان منذ صيرورته الأولى، كما يعيشه الحيوان والطير والشجر والزهر وعشب الحقول، وكذلك فصول العام.
حرون وسيم لا يشيخ! كل شيء سُبر كنهه، لكن المتمرد العصي لم يعرف بعد، لأنه كالعاصفة، يأتي دون ميعاد، ويسكن أرض قلبين، فتعطي تارة خصباً وفرحاً وأولاداً وسعادة وحياةً هنية رضية، وتارة أخرى يباباً وجدباً وحزناً وألماً وعذاباً وتعاسة. فهو ناعم أملس كالزئبق، يتسلل دون إذن فيضرب ضربته ويمضي، فتشتعل خلفه الحرائق، أو تنتشي في مسافات خطواته، حقول القلوب المجدبات الحزينات!
خجول كعذارى بلادنا المصلوبات خلف نوافذ البيوت العتيقة، يزرعن الزهر، وينتظرن قدومه، وجريء كعذارى البلاد البعيدة المزروعات على الطرقات، ومحطات القطارات والباصات والميترو، وفي الشوارع والحدائق والأسواق، يقطفنه دون خوف أو وجل، ويشربنه حتى الثمالة دون ارتباك أو تردد، أمام الرائح والغادي والصغير والكبير!
سيد الخصب واليباب
قيل عنه الكثير، وسيقال عنه أكثر، وهو ما زال هو لا يتغيّر، ولا يتلوّن، ولا يختلف، ولا يتبدل تبديلًا. يمنح قدمه للأرض الخصبة فيحيلها جدباً، ويمنحها للأرض اليباب فتشتعل خصباً.
لا زمن لقدومه ولا فصل: يأتي متى يريد، ويرحل متى يريد. لا شكل له ولا لون لأن كل الأشكال هو، وكل الألوان هو، ومن دونه الحياة مجدبة، وبه الحياة مجدية. فيتعب الجميع وهو لا يتعب، كما يشيخ الكل وهو لا يشيخ، وينتهي البشر وهو لا ينتهي!
أسئلة معلقة
حاول الشعراء أن يكتبوه كلمةً ونصاً فما استطاعوا، كما حاول الفنانون أن يرسموه خطاً ولوناً وحركةً ولحناً وصورة وإيماءً وكتلة في فراغ فعجزوا، وحاول المفكرون والفلاسفة والأطباء أن يسبروا كنهه وماهيته فأدركوا المستحيل، قالوا يهوى سكنى القلوب فوجدوه في الخلايا، وتحدثوا عن لونه الأحمر فوجدوه في كل الألوان، وترصدوه عند منعطفات اليفاعة والشباب، فوجدوه في كل منعطفات العمر، بدءاً من الطفولة، فاليفاعة، فالشباب، فالكهولة، فالشيخوخة.
لا يميز بين فقير وغني، ولا بين رجل وامرأة، ولا صغير وكبير، فهو يسكن من يريد، ومتى يريد، وتلائمه كل الطقوس والمناخات والأزمنة والأمكنة، فما ما عُرف عنه انتسابه لأمة محددة، أو شعب بعينه، أو انتمائه لحزب، أو ملة، أو تبنيه لسياسة خاصة، لأنه مدينة من السياسة قائمة بذاتها ولذاتها!
لا يؤطر، ولا يُعرّف، ومع ذلك يملأ شرايين الحياة بصخبه، وتعيش دورته كل الكائنات فوق الأرض.
إنه الوجد، الهوى، الموافقة، العشق، الميل، الهيام، الانجذاب. إنه الحب، ذاك الوجع اللذيذ، القديم، الجديد: شكل الحياة ولونها وطعمها، لا يتقادم عليه الزمن، ولا تمل منه الكائنات.
نظريات وآراء
اختلفت الآراء وتعددت، في تفسير آليّة وماهيّة وضرورة الحب، ومن ثم حاجة الإنسان إليه أو عدمها، إذ هناك من يرى أن الحب لا يختلف عن أية حاجة مادية لازمة للإنسان أثناء حياته، تماماً كالماء والطعام، بدليل أن عدم حصول الطفل عليه، من قبل والديه ومحيطه، أثناء نموه، يحوّله إلى كائن معطوب ومعقد ومعاق، وقد يؤدي به الأمر إلى أن يفقد حياته، ما يؤكد حاجته الضرورية للإنسان، من أجل سلامة صحته الجسديّة والنفسيّة، حيث يشبع الحب الناحيتين في الإنسان، ويرمم روحه وفكره، ويصون عواطفه وخياله، ويحفظ جسده من الأمراض، ويوفر الظروف المثاليّة لتعلمه وإبداعه وإنتاجه ونجاحه في العمل والحياة.
ومن هنا يجب إشباع الطفل بعاطفة الحب والاهتمام والرعاية، جنباً إلى جنب، مع الحليب والطعام وباقي متطلبات استمرار الجسد للنمو والحياة.
كما أن هناك نظريات أخرى، ترى أن الحب حاجة طبيعيّة، تولد مع الإنسان، بحيث لا يمكن لأي كائن بشري أن يعيش بعيداً عن حبه للآخرين وتعاطفه معهم، وهذه الحاجة لا تقتصر على مرحلة عمريّة محددة، بل يحتاجها الإنسان في مراحل حياته كافة، بدءاً من الطفولة وحتى الشيخوخة.
وترى هذه النظريات، أن لونه لا يقتصر على مجرد الحاجة الجنسية الموجودة هي الأخرى لدى الحيوان، لكنها لدى الإنسان، تأخذ بعداً أرقى، مع تأكيدهم أن يقظة الغرائز الجنسية لدى الإنسان، تساعد على خلق الجو المناسب والملائم، لولادة الحب وحيويته واستمراره. لذلك كله، يتجاوز الحب الحاجة إلى التناسل، ليطول كيان الإنسان الجسدي والنفسي، والتربوي والأخلاقي، والاجتماعي.
ولأن الحب يتم في الزمان فهو معرض للموت، وهو أيضاً، نسبي في شدته وقوته، في حضوره وغيابه، في حياته وموته، وأخطر أنواع الحب ذاك الذي يتحول إلى كراهية قاتلة.
وتشير القواميس إلى أن الجذر الثلاثي لكلمة الحب LOVE هو (حبب)، الذي يعني ود، فالحب يعني الوداد، وهو نقيض البغض، كما يأتي بمعنى المحبة والموافقة والميل إلى الحبيبة، أو الحبيب، ويُعبّر عنه بمصطلحات متباينة، تتعلق بمستواه وشدته، كالعشق، والهيام، والصبابة، كما للمحبة في العادة أربعة ألقاب هي: الهوى، أي سقوط الحب في قلب المحب. والحب وهو وصول الهوى إلى القلب. والعشق ويعني الإفراط في الحب، أما الود، فيعني ثبات الهوى أو العشق أو الحب، وبشقيه الإيجابي والسلبي، في قلب المحب أو الحبيب.
من جانب آخر لم تستطع الدراسات النفسيّة، تحديد الكيفيّة، أو الآليّة، التي يتم من خلالها فعل الحب، وهل هو ذاتي، أم اجتماعي، وهل يولد مع الإنسان، أم يكتسبه عبر التنشئة، ولماذا يكون الإنسان محباً ومحبوباً في آنٍ معاً.
تقبل الآخر
يقول ماسلو إن الحب هو قبل كل شيء، تقبل للذات، ثم هو تقبل للآخر، ولا يعني التقبل هنا أن يتغاضى الواحد عن عيوب الآخر، بل رؤيته كما هو في الواقع، دون أية محاولة لوصفه بما ليس فيه، أو تجاهل صفاته غير المألوفة وإنكارها.
من جانب آخر، يختلف الحب من عصر إلى آخر، ومن بيئة إلى أخرى أيضاً، فثمة مقومات عديدة تؤثر فيه: كالعادات، التقاليد، الموروث، العرق، الدين، الأخلاق، التربية، الثقافة، الحاجات العاطفيّة، والمناخ.. وغيرها، وهو كما يراه العرب ثلاثة أنواع: حب طبيعي غريزي، وحب غريزي خالص، وحب إلهي أو روحي.
طوق الحمامة
يتناول ابن حزم الحب في كتابه الشهير (طوق الحمامة) من زاوية نفسيّة تحليليّة متأثراً بأفلاطون، كما أن غالبية الشعراء العرب القدماء منهم والمحدثون، تناولوا الحب في أشعارهم، وكان لديهم متبايناً ومختلفاً، ما دفع الدارس لتصنيف أشعارهم وفق نظراتهم إليه، فكان الشعر الغزالي العذري، والنسيب وغيره.
ومن الكتب التي تحدثت عن الحب، كتاب (عطف الألف المألوف على اللام المعطوف) لمؤلفه أبو الحسن الديلمي، الذي يصنف الحب في خمسة أنواع هي: الحب الإلهي، ويسعى إليه أهل التوحيد، والحب العقلي، وهو هدف أهل المعرفة، والحب الروحي، ويرتبط بخاصة الناس، والحب الطبيعي، ويرتبط بعامة الناس، والحب البهيمي، وهذا الأخير لأراذل الناس.
أما الحب عند إخوان الصفا فهو فضيلة، أو أمر موجود في العالم وفي طباع النفوس، وهو قائم ما دامت الخليقة موجودة.

