ورق بعبق الياسمين وفي لون زهور القرنفل الناعسة. قلم بسيط يسطر كلمات من القلب والوجدان فتكون الرسائل المتبادلة بين الناس في كل صوب، في القرى و"البنادر"، وفي شتى الحواضر والعواصم.

 

سحر خاص تحوزه مضامين الرسائل والخطابات حين تكون بين اثنين. ولكنها، دائما، تتنوع وتتعدد وتتفرع، لخلق ملامح سمات بانورامية تكتسب معها قيمة فريدة، وتحديداً في ظروف مناخات ومحطات أحداث تاريخية مؤثرة، وهذا ما تمثله فعلياً، رسائل المشاهير والشخصيات البارزة.

للرسائل تاريخ طويل يضرب في عمق البشرية، فعلى ورق البردي سطر الفراعنة رسائلهم ووصاياهم وتحذيراتهم وعشقهم وسياستهم، وعلى المسلات الحجرية خطت تكوينات رسائل ابجديتها الرسم والخط ليطير في كل الدنيا فيفك أسرارها العارفون بعلم المصريات القديمة.

 

رسائل القراء

هناك مجموعة رسائل، من نوع خاص جداً، قد تحدد مستقبل الإنسان، ومنها رسائل لقبول الشباب للعمل في أماكن متفرقة في العالم، ورسائل تحدد ترتيب العقول ونوعية التفكير، إذ يظل الشباب ينتظرونها بلهفة وصبر وقلق، فهي تحدد قبولهم في أشهر جامعات العالم ليكون لهم مستقبل من متمايز. ويوجد رسائل أخرى تسطر في الصحف في صفحة لها خصوصية معينة صفحة الوفيات لتخبر القراء من عائلة المتوفى بأنه «انتقل إلى رحمه الله تعالى والدعاء له بالجنة». وهذه النوعية من الرسائل الصحافية هي للعلم فقط بالوفاة، وتعرف باسم «النص».

 

رسائل القراء

تفرد صحف عدة في كل العالم، مساحة لكل من يجد في نفسه موهبة التعامل مع الكلمة، وأيضاً تعكس شكاوى المجتمع وأخطاء الأطباء وأمثلة أخرى كثيرة تندرج في صفحة «رسائل القراء».

وهناك نوع مصيري من الرسائل والخطابات، بها تقام وتحصن العروش وتترسخ السطوة وأدوات وركائز حكم الشعوب. إنها رسائل الساسة والعاملين في كواليس مقرات السرايا والقصور الملكية والقصور ذات الحكم الجمهوري، ففي قصور و"سرايات" الحكام وكواليس جلسات الساسة كتبت خطابات مهمة، ومن أشهرها، تلك التي كان يكتبها الملك فاروق، ملك مصر والسودان، بتصحيح الأوضاع في البلاد وإجلاء المستعمر البريطاني، وفي المقابل خطاب السير ويلسون للملك فاروق يراوغه فيها، وإيماءات مكتوبة بين السطور تقرأ للتدخل في اختبار مجلس الوزراء والأحزاب.

 

خطابات مفصلية

أما الخطاب الأهم في حياة الملك فاروق فكان ذلك الذي أبلغه فيه رجال الثورة بقيادة جمال عبد الناصر، إنهاء حكم فاروق للبلاد وترحيله منها، فرد فاروق بخطاب ملكي أرستقراطي اللهجة، يطلب فيه أن يرحل على يخته الخاص «يخت المحروسة»، ومعه أسرته. هكذا وبالشموخ الملكي والأرستقراطية التي رحلت معه، ترك مصر المحروسة ليعود إليها محمولاً على الأكتاف ليدفن في ثراها الذي عشقه.

ومن خطابات المشاهير كذلك، التي نشرت في الوثائق البريطانية العامة، خطابات الكولونيل تي.إي. لورانس، الذي عرف بلقب «لورانس العرب»، محتواها بأنه كان يعطي ثلثي مرتبه الخاص بعمله في الجيش البريطاني، تحت اسم مستعار، للسيدة روي بريانت.

وهذا التصرف يعكس البعد الشخصي في حياة لورانس، وهذه الخطابات تعتبر من الأشهر على الإطلاق، في منظومة الخطابات السياسية العسكرية ذات البعد الشخصي. ومن الخطابات الشهيرة في عالم حركات التحرير، خطابات ووثائق كتبها مارتن لوثر كينغ، في شهر أغسطس من العام 1963، تعكس في محتواها وأفكارها وتناولها لحركة الحقوق المدنية للأفارقة الأميركيين، وشهد سجن برمينغهام بداية تسطير هذه الخطابات التي كانت مؤثرة في ردود أفعالها.

مازالت الخطابات السياسية تفرض حضورها القوي والمؤثر في أحداث العالم، رغم انها سطرت في زمن فات، ومنها أول رسالة أرسلتها جان دارك لملك إنجلترا وأيضاً لدوك بدفورد الذي كان وقتذاك يحكم فرنسا، محتواها بأن جان دارك مستعدة لإعلان السلام وإجلاء الانجليز عن فرنسا، في حال اعترافهم بأخطائهم تجاه الشعب الفرنسي، وكذا ان يعلموا الأخطاء التي وقع فيها الفرنسيون بسبب حروب الانجليز لهم، وحذرتهم إذا لم يتم ذلك سيكون رد فعلها قاسياً، تنفذ من خلاله قتل أي انجليزي على الأراضي الفرنسية، وهذه الخطابات سطرت في مارس من العام 1429.

 

..أهل العشق والهوى

كثيرة هي خطابات اهل العشق والهوى، في التاريخ، وهذا يزداد ويستمر، طالما يبقى هناك قلب ينبض بالحب والعشق الصادق فوق ورق بعبق الياسمين وفي لون زهور القرنفل الناعسة. فعندما يلقي كيوبيد سهامه بين العشاق، تكون لغة الخطاب أرق من النسيم وأصفى من ماء نبع. وعلى هذا المنوال كان ملك انجلترا هنري الثامن، كتب رسالة إلى زوجته بوليتر، يقول فيها: «أنا وقلبي رهن يديك، إليك أتوسل ألاّ تجعلي غيابك ينقص من جذور عواطفك نحوي، بما يزيد آلامي وأحزاني.. غيابك حبيبتي يذكرني بنظرية في علم الفلك تقول (كلما امتدت الأيام ابتعدت الشمس بضوئها، رغم اشتداد حرارتها). وهي نظرية أشبه ما تعكس صيفاً فغيابك يزيد من حرارتي، حتى تكون سعيراً».

كما كتب فيلسوف القوة، الشاعر الألماني فريدريك نيتشة، للفتاة التي أحبها وزادته عشقاً: سالوميه، تلك التي ملكت عليه نفسه ورآها في وحيه وشعره وفلسفته، وكانت سالوميه المحبوبة التي هام بها نيتشة، موزعة الفكر والقلب، بين فلسفة نيتشة وفن فاغنر، فلامها نيتشة على تصرفاتها، وشك في حبها له، فهجرته وأعرضت عنه، فبعث إليها بهذه الرسالة: «إن مشيئتك من حقك لأن إرادتك بالنسبة لي مقدسة عندي، بل أنا أحب أن تكون لك مشاعر لي بها أحيا، فكرنا متشابه، لماذا لا تختارينني زوجاً محباً لك؟ ومهما كان بعادك وغيابك عني، سأعرف كيف أحتله».

ورسائل العشق والهوى مازالت مشتعلة في أدب الرسائل ونثرها وشعرها، من الأمثلة على ذلك عشق الروائي والكاتب الكبير عباس محمود العقاد، لمي زيادة التي حركت أوتار قلبه ومكنونات نفسه، فانساب الحب لديه، كلمات من ضياء في رسائل وخواطر وشعر. ونجد أنه تميز ذاك الزمن، برسائل شكلت مضمون إبداع فكري وأدبي وشعري ثر، نسجت أبجدياته، مبحرا في عوالم عشق زيادة، اقلام مجموعة مبدعين، منهم:

مي زيادة والعقاد وطه حسين وجبران خليل جبران وأحمد شوقي وأحمد لطفي لسيد ومصطفى صادق الرافعي وحافظ إبراهيم وإسماعيل صبري وغساب كنفاني ومحمود درويش وخليل مطران، هو زمن الكبار زمن الحب والإبداع والفكر والثقافة، وهو زمن زيادة التي عشقها الكبار، إذ كانت تمثل حينها، زهرة ذاك الزمان. ووصفها العقاد في كتاباته بالظاهرة الأنثوية الثقافية.

والتي صنعت من نفسها نموذجاً يختلف عن جميع النساء في عصرها. ومما قاله: «كسرت حاجز التمييز بين الرجل المبدع والمرأة المبدعة، وكان لها صالون أدبي شكل منارة إشعاع ومركز ثقافة في المجتمع المصري، ومن هنا كانت رسائل حبي وكلماتي وخواطري متزنة عاقلة، لأنها تجاه شخصية نسائية لا تقاوم في جمالها وثقافتها وإبداعاتها».

وأما جبران خليل جبران، فقال في رسائله حول مي زيادة، التي كانت بعنوان «رسائل الحب»: "أحبك قليلاً، كثيراً بحنو وشغف، وبجنون ووعي، فحبك ولد في رحم الحياة الزاخرة، وأخذ يكبر ويتفرع كشجرة وارفة. حب طاغ على كل مظاهر الحياة، هو حب كشجرة الياسمين التي تحتاج رعاية هي بمثابة تجديد ميثاق حبي لله.. فحبي لك هو عناق للأرواح وتواصل مورق.. هو الحب بكل أنواعه وحالاته".

وأول إهداء لكتاب جبران «المجنون» كان لمي زيادة. كما تعد رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان، نموذجاً عريقاً وعالمياً للحب الحقيقي، تجاه امرأة واعية، ربما جذبته بفكرها وجمالها، فالعشق في زمن الكبار، ليس عشقاً وقوده الجمال والانبهار السطحي.

 

خطابات غسان وغادة

على الرغم من مرور 35 عاماً على رحيل غسان كنفاني، ومرور 15 عاماً على نشر غادة السمان رسائله إليها وأيضا خطاباته، تظل هذه الرسائل محط اهتمام كبير، واجتهادات من مفكري هذا الزمان، وسيظل تعلقها بذاتها وغرورها الأنثوي الأكثر تأثيراً في نشر هذه الرسائل، وهو ما أشارت إليه غادة السمان: «ها أنا أستجوب نفسي في لحظة صدق.

وهي تكاد تتستر على عامل.. لا يستهان به (الفخر بحب رجل مثل غسان كنفاني الذي أهدى روحه لوطنه) وأنشد لي يوماً ما معناه «روحي فداك وفدى الوطن، فإن مت وواراني الثرى، يكفيني نبض قلب يهفو إليك، حياً أو ميتاً، ووطن أقدم له روحي، فقد كشفته عشقاً للأرض فيه معنى وجوهر».

ومن خطابات ورسائل العشق التي كتبها غسان كنفاني لغادة السمان والتي تعتز بها هي، بصفة خاصة: "تعرفين أنني أتعذب وأنني لا أعرف ماذا أريد، انني أحترق وأتعذب، تعرفين أنني غارق في ألف شوكة برية، ولكن أنت فوق ذلك كله، يا من قبلك لم أكن، وبعدك لست إلاّ عبثاً، بعدك ليس إلاَّ الخواء، دونك لست إلاَّ قطرة مطر ضائعة في سيل".

 

رسالة من تحت الماء

للرسائل مكان مميز ورائع في الأغاني، ومن أشهرها أغنية العندليب الأسمر، معلم الحب للملايين عبد الحليم حافظ، الذي رحل تاركاً رسائل حب يتبادلها العشاق عند سماع أغانيه المفعمة بالرومانسية ورقة المشاعر،: «رسالة من تحت الماء» من كلمات الشاعر الراحل نزار قباني، وألحان كمال الطويل، وتقول الاغنية: «اشتقت إليك فعلمني ألاَّ أشتاق.. علمني كيف يكون الحب وتنتحر الأشواق». وكذا تشدو فيروز في بلاد الأرز «يا مرسال المراسيل». فعندما ترتبط كلمات الرسائل بالألحان في حضور كبير في قلوب العشاق، يكون الإبداع الصادق الحقيقي، ويتخلق مزيج اللحن والمعنى والحب.

وهناك «رسائل البحر» الفيلم المميز، الذي هو من روائع المخرج المصري داوود عبد السيد، ومن بطولة آسر ياسين وبسمة وأحمد لطفي، وهو فيلم يلعب فيه المكان والمشهد دور البطولة، وهو رمز من رموز داوود عبد السيد التي أثرى بها السينما المصرية. ويرمز العنوان «رسائل البحر»، إلى العديد من التساؤلات على لسان البطل آسر ياسين في كل ما حوله.

وكان محاولة لإعادة اكتشاف الكون، بما فيه من شخوص وأماكن متنوعة. فيلم «رسائل البحر» جدارية رومانسية الحوار فيه، كرسائل الإنسان للآخر. وكالمعتاد تظل النهاية على طريقة «الأوبن ايند»: (النهاية المفتوحة)، وهي ما اشتهر به داوود عبد السيد، الذي يبعث برسائل من خلال الفن السابع.

 

الرسالة

الفن التشكيلي العربي والعالمي، ما هو إلاّ رسائل بالريشة واللون والخطوط، وخلفيات خاصة ذات إيحاءات معينة، ومن أهم هذه الاعمال جدارية «سوق الجمعة» للفنان المصري العالمي الدكتور طه القرني، الذي دخلت جدارياته موسوعة غينيس للأرقام القياسية. وتمثل «سوق الجمعة» العملاقة والشاملة، مجموعة رسائل حول مجتمع السوق الشهير في مصر، والمعروف بـ «سوق الجمعة».

ونلمح أيضا تلك الفتاة ذات "القرط اللؤلئي" للرسام العالمي توهان فيرميه، وكأنها رسالة عشق في صورة. عشق خادمة المنزل التي نقلها إلى مرسمه في أعلى المنزل فبدأ يرسم ملامحها الرومانسية، وأهداها قرطا (حلق) من اللؤلؤ، ومن هنا جاء اسم اللوحة، فهي عشق في صورة، ودخلت هذه الصورة بكل معانيها، الى الفن السابع في فيلم قدم بالاسم نفسه، وحصد عدة جوائز. إذا هي الرسائل دائماً.. جسر ذهبي للتواصل بين كل الناس.