بالفطرة يعبر الإنسان عن كل حالاته المختلفة وظروفه المتباينة، في الفرح والحزن في الحرب والسلام، يتمايل الإنسان ويرقص على نغم بعزف منفرد، أو على أنغام متعددة ولكنها تبقى رقصات متجانسة تصدر عن التخت الشرقي، أو العزف الغربي المتعدد، فعلى وقع الأنغام ودقات الطبول والدفوف والرق الشرقي يتمايل الجسد في مرونة ونعومة وجمال، هنا يتحد مع النغم من خلال الأذن، وأيضا تأثير الأضواء المختلفة في المكان.
لأن الرقص تعبير عن مكنونات النفس البشرية فهو ظاهرة صحية معبرة، وأيضا في العديد من دول العالم توظف الرقصات المختلفة لعلاج العديد من الأمراض النفسية كالاكتئاب والانطواء والانسحاب من المجتمع، وأيضا يكون الرقص علاجا للبدانة وتيبس المفاصل وترهل العضلات.
الرقص الشرقي أبهر العالم كله، فعلى أنغام التخت العربي وخاصة المصري، كانت أشهر الرقصات مثل رقصة الشمعدان التي اشتهرت بها بديعة مصابني وتحية كاريوكا وسامية جمال وبهر زكي التي اشتهرت بالرقص على أنغام أغاني كوكب الشرق أم كلثوم، في حفلات الأعراس التي تبدأ بالزفة المصرية الشهيرة، تتمايل الراقصة أمام العروسين على دقات الدفوف والموسيقى الشرقية وأغاني الزمن الجميل، فهي أهم فقرة في الفرح، ومن أشهر رقصات عصرنا هذا اللاتي يحيين زفة العروس الراقصة لوسي ودينا وهندية.
وللرقص أزياء خاصة لكل رقصة، فالرقص البلدي المصري اشتهرت راقصاته ببدلات الرقص المصنعة من الشيفون والتل والأحجار الكريمة، وتخصص في تصميمها كبار مصممي بدل الرقص في مصر، وتعتبر منطقة الصاغة وخان الخليلي أماكن اشتهرت بصناعة بدل الرقص الشرقي المصري والخلخال الذهبي البندقي الذي يزين قدم الراقصة ويزيدها جمالا، أيضا شارع عبدالعزيز بالقاهرة وشارع محمد علي من المناطق المتخصصة في صناعة بدل الرقص الشرقي، فكم من عروس تمايلت فرحا على أنغام الموسيقى الشرقية وهي تزف بين الشموع والزهور، وتسبقها أشهر الراقصات لإحياء ليلة العمر التي تدوم إلى سبع ليال كتقليد مصري قديم.
ويعتبر الرقص التركي هو الثاني في منطقة الشرق الأوسط بعد الرقص البلدي المصري، والرقص التركي غالبا ما يكون جماعيا ويشبه رقصته الدبكة اللبنانية إلى حد ما، مع الاختلاف في الموسيقى المصاحبة للرقص، والرقص التركي الفولكلوري ينحدر من الرقص العثماني القديم على إيقاع موسيقى للتخت التركي الشهير، وأيضا هناك الرقص التركي على إيقاع الموسيقى التركية القديمة الهادئة التي معها يتمايل الراقصون وتنحدر هذه النوعية من الموسيقى من التراث الموسيقي الصوفي التركي الذي يتميز بالهدوء والرصانة وعمق صوت الآلات الموسيقية.
وتتميز تركيا بأنماط مختلفة من الرقصات ويرجع ذلك إلى موقع تركيا الجغرافي الواصل بين البلدان الأوروبية والشرق أوسطية.
ومن أشهر الرقصات التركية رقصة «البار»، يتم أداؤها بشكل جماعي حيث يصطف الراقصون جنبا إلى جنب بحيث تكون أيديهم موضوعة على أكتاف زملائهم من الراقصين وغالبا ما يؤدى هذا النوع من الرقص التركي في الهواء الطلق على امتداد الساحات والحدائق والمتنزهات، تصاحبه نغمات الطبلة والمزمار وهما معروفان في اللغة التركية باسم «الدافول والزورنا».
ورقصة «الهالاي» التركية تنحدر من منطقة وسط الأناضول وهي رقصة ناعمة يتمايل الجسد فيها مع نغم رومانسي بالكمان يتداخل معه دقات خفيفة على الطبلة «الزورنا»، ونغمات الآلات النفخية وآلة الباجلاما الوترية.
رقصة «الكانكاس» التركية، هي أشهر الرقصات الشعبية في تركيا خاصة في منطقة القوقاز.
وتتميز أزياء الرقص التركي بالفخامة والألوان الدافئة لبدلة الرقص، ولكل رقصة من الرقصات التركية أزياء خاصة بها.
للأفارقة رقصات متعددة، تصاحبهم في السلم والحرب، والمناسبات المتنوعة كالحصاد وبداية مواسم الأمطار ومواسم الجفاف.
والرقص الافريقي قديم قدم القارة ذاتها، له تاريخ طويل وعريق، ويتميز الرقص الافريقي على امتداد القارة بالعنف النسبي، وأيضا العنف الحاد الذي يتم مع بداية قرار الحروب وهذه النوعية العنيفة من الرقص الافريقي يقصد بها الرعب في نفوس الأعداء، يرتدي الراقصون على وجوههم أقنعة مخيفة، والملابس تكون من القش والجنازير والسلاسل والجلود خاصة جلود الحيوانات المفترسة كالنمور والأسود، والحمر الوحشية والفيلة البرية، ويستخدم العاج في أزياء الرقص الافريقي الذي يتميز بدق الأرض وحركات هيستيرية بالجسد وأصوات قرع الطبول العالية التي تتداخل مع الغناء الافريقي الحاد النبرة.
وإذا انتقلنا إلى النقيض فيما بين الرقص الافريقي الحاد الحركات والنغم والصوت، إلى الرقص الذي يوصف بالتحليق في العالي بلمس الأرض بخفة ثم السمو في الارتفاع بحركات اليدين وكأنه تحليق في فضاء رحب وتأمل كمستوصف يريد الوصول للحقيقة.
لرقصة التنورة فن وفلسفة، فهو فن شعبي مصري وتركي، يرتبط في التراث بفلسفة خاصة تعتمد على قيام الراقص بحركات دائرية تنبع من مفهوم الحركة في الكون تبدأ عند نقطة معينة وتنتهي عندها، ومن هنا تعتمد هذه الرقصة على الدائرية المحورية للفنان، تلمس قدماه الأرض ويحلق في الوقت نفسه عاليا في السماء، وعندما يدور الراقص حول نفسه فيكون كالشمس التي يلتف حولها كل الراقصين في المشهد الرائع ويطلق على مجموعة الراقصين حول الراقص الأصلي «الحناتية» وكأنهم مجموعة كواكب تدور في فلك الشمس.
ويرمز ذلك الدوران المتعاقب في رقصة التنورة، والذي يسير عكس عقارب الساعة ــ يرمز ــ لتعاقب الفصول الأربعة على مدار العام، وحينما يقوم راقص التنورة برفع يده اليمنى إلى أعلى، ويده اليسرى إلى أسفل، فهو يعقد الصلة ما بين السماء والأرض، وكأنما يكون دورانه حول نفسه يتخفف به من كل شيء بقصد التحليق في السماء، وعندما يفك الرباط المربوط حول خصره، فهو يرمز بذلك لفكاكه من رباط الحياة الضاغط على النفس والجسد معا، ليتحلل من كل ما يقيد حركته.
وأيا كانت الفلسفة التي تعتمد عليها الرقصة، وجذورها وتاريخها، إلا أن الروح الشعبية المصرية نجحت في إضفاء حالة خاصة عليها تتضح معالمها في تنوع الإيقاع الذي يدور به راقص التنورة والذي يبدأ من الإيقاع البطيء ثم المتوسط حتى يصل إلى أقصى سرعة ممكنة للراقص، ومما يزيد من ثراء العرض وتشويقه تنوع الألوان التي تجمع فيما بين بعض ألوان قوس قزح وألوان الطبيعة المختلفة خاصة الأخضر، كما تدور الكلمات المغناة المصاحبة لرقصة التنورة الرائعة حول قيم السلام والصداقة والمحبة والحكمة، وتشير فلسفة رقصة التنورة أيضا إلى علاقة الإنسان المصري والتركي بالحياة والكون، ترجع هذه الرقصة لجذور التصوف وفكرة التسامي بالنفس البشرية.
وتلقى الرقصة رواجا واسعا جدا بين السياح العرب والأجانب في مصر، كما يسعى الشباب في مصر حاليا لتعلمها خاصة بعد البصمة الرائعة التي تركها فيلم «ألوان السما السبعة» من بطولة فاروق الفيشاوي وليلى علوي وسوسن بدر وحسن مصطفى وشريف رمزي وأحمد راتب، ويرمز الفيلم للتخلص من الماضي الأليم على الأرض والتسامي بالنفس والتحليق في العالي كرمز من رموز تخلص الجسد من أخطائه وسمو الروح.
وماذا عن رقصة الفلامنغو الاسبانية؟
يرجع تاريخها إلى عام 1492 في جنوب أسبانيا، وهي مزيج من الرقص الغجري والاسباني، تأثر بالعرب وخاصة موسيقاهم التي ترقص عليها راقصة الفلامنغو رائعة الجمال والقد الممشوق والأزياء الخاصة جدا التي تتناغم مع أصوات الكلارينات المثبتة على أصابع الراقصة والكلارينات تشبه الفارق الكبير «الصاجات» المصرية التي يشتهر بها الرقص البلدي في مصر.
وتعتمد موسيقى الفلامنغو الاسبانية على خصائص لحنية وإيقاعية الشكل، ولكل قالب موسيقي طابعه الخاص، والغناء هو مركز مجموعة الفلامنغو حيث الراقص يترجم الكلمات وعاطفة المغني جسديا من خلال حركات الجسد المرنة السريعـــة مع وقفــات على نغمات إيقاف يتخللها دكة على الأرض الخشبية على المسرح، ويكون عازف الجيتار مكملا بالمغني والراقصة ذات الزي ذو الذيل الطويل المتسع والذي يتسم بطبقات من القماش في شكل متراكم فوقه فوق بعض يتناغم بجمال مطلق مع ضيق الزي الذي يبرز جماليات الراقصة ابتداء من الخصر وحتى الأعلى، إكسسوارات اسبانية رائعة تكمل مشهد الراقصة، عديد من السوارات في معصم اليد وقرط مستدير كبير ومشبك للشعر الابنوسي الململم للخلف في تسريحة معروفة باسم «شينوا سبانيول» أي لملمة الشعر على الطريقة الاسبانية الشهيرة، تنتهي بزهرة كبيرة تتناسب ولون الفستان، حذاء بكعب مرتفع به يدق على خشب المسرح. ماكياج يبرز جماليات العيون الاسبانية الواسعة الكحيلة وحمرة وجنتين في لون كرز الجبال الاسبانية.
تستند فلسفة رقصة الفلامنغو الاسبانية على قوة الكبرياء واعتزاز الإنسان بذاته، يظهر ذلك بوضوح في رفع رقبة الراقصة أثناء الرقص اليعبيري للأعلى، الحركة التي توحي بكبرياء وشموخ النفس البشرية بكل أبعادها، فالرقصة الاسبانية هذه تعبر كذلك عن الكبرياء وتحدي الضعف ومحاربة الظلم وتعتمد حركات الرقصة هذه على التمايل الهادي بالجسد بعيدا عن هز الخصر، مع التركيز على حركة الأطراف والعنق وتبدأ الرقصة بهدوء ثم تأخذ الحركات والإيقاع في التصعيد لينتهي بدق الأرض بعنف ورفع العنق لأقصى امتداد له للأعلى، وموسيقى الفلامنجو تبدأ بإيقاع هادئ وتتصعد أيضا تدريجيا، وتنتشر هذه الرقصة في العالم كله
رقصة الفلاح
وكلمة «الفلامنغو» ترجع إلى «فلاح منجو» أي الفلاح التعيس أو المنكوب، ونلاحظ تداخل العربية والاسبانية معا في التسمية التاريخية للكلمة. وتندرج نحو الكلاسيكية.. نحو رومانسية الرقصة، «التانغو»، وهو نوع من الرقص الإيقاعي تصاحبه موسيقى ناعمة، يرجع أصل رقصة التانغو إلى بوينس آيرس في الأرجنتين. ثم انتشر في العالم كله، وموسيقاه خليط من الموسيقى الأوروبية والأرجنتينية، ويعود أصل كلمة «تانغو» للتعبير عن الرقص الإيقاعي إلى التصنيفات من القرن التاسع عشر 1890 تقريبا.
وفي سبتمبر من العام 2009 واثر طلب تقدمت به الأرجنتين والأرجواي وهما منشأ التانغو، أعلنت منظمة اليونسكو أن رقصة التانجو تعتبر جزءا من التراث الثقافي الإنساني غير الملموس في العالم كله.
وتنقسم التانغو إلى أنماط متعددة منها التانجو الأرجنتيني، والتانجو ليسو، والتانغو النيوفيو وتانغو صالون، وجميعها انتشر في العالم كله بشموخ وحضارة راسخة.
والتانغو يعتمد على مرونة وإمكانية إطالة العضلات لأقصى مدى ممكن، ويؤكد المتخصصون في هذه النوعية من الرقص على انه من الإيقاعات التي تخلص الجسم من توتراته العضلية والنفسية، كما يحفظ للجسد رشاقته، وهو يحاكي اليوغا في تخلص البدن من ؟؟ ويحفظ للعقل توازنه وللروح صبرها وصفائها.
والتانغو من المراسم الفنية والثقافية والحضارية التي لابد وأن تتعلمها فئات بعينها في المجتمعات، مثل المشتغلين في السلك الدبلوماسي، والمنحدرين من الأسر العريقة التي تعتمد في حياتها على إقامة الحفلات عالية المستوى، والمشتغلين في مجال الفنون الراقية. معاهد ومراكز لتعليم التانغو منتشرة في عواصم العالم الكبرى حتى العواصم الشرق أوسطية، ففي القاهرة توجد العديد من مراكز تعليم خاصة التانغو الأرجنتيني، وتستلهم السينما المصرية ذلك حيث ظهر التانغو بحضور قوي في فيلمي «السلم والثعبان»، بطولة هاني سلامة وحلا شيحا، وفيلم «تعالي نرقص» بطولة يسرا وعزت أبو عوف وتامر الهجرسي والراحل طلعت زين.
والرقصات الهندية تعتمد على السرعة والإيقاع الذي يبدأ هادئا ثم يأخذ التصعيد للأسرع.
الرقصات الخليجية من أشهر الرقصات الجماعية في العالم، تعتمد على السرعة واستخدام العصا والسيف، وتظهر بووح في مناسبات الأعراس والأعياد والانتصارات والمناسبات الوطنية.
«الإيروبيك»، رقص رياضي على موسيقى سريعة الهدف منه إنقاص الوزن وتقوية العضلات وشد الجسم ليظهر فارغا بعيدا عن الترهلات.
الرقص لغة يجسدها الإيقاع داخل دوائر الضوء، لغة شعوب العالم المختلفة بها تتواصل في مجال الفنون والثقافة.
