مشاهد تداخلت مع مفردات حياتنا ، صغارا كنا ننتظرها يوما بعد يوم، هي حكاية باعة متجولين، قبل أول شعاع شمس يخرجون للشوارع بعد أن يسبحوا الله ويسألونه عز وجل عن رزق وفير ويوم جميل، وعودة محمودة «للعيال وأمهم»، ومعهم عشاء متواضع حوله يلتفون ويحكون حكايات تبدأ ولا تنتهي، من الشارع مكانها وسيناريوهاتها وحواراتها بين الباعة والمشترين.
بائع السميط والجبن الأبيض الاسطنبلي الأصيل والبيض المسلوق والدقة، المكونة من الملح والفلفل الأسود والبهارات والسمسم وبذر المشمش المحمص والمسحوق، دقة مصرية يغمس فيها البيض المسلوق ومعها قضمة من السميط بالسمسم وحبة البركة، وقطعة جبن.. إفطار أناس يتجولون أيضا مثل الباعة المتجولة، أناس الشارع يشكل مساحات من حياتهم، ربما لا مأوى آخر لهم، وربما يطول بهم البحث عن العمل من أجل رزق بسيط ولقمة عيش بالحلال، وغالبا ما يتجول بائع السميط والجبن والبيض والدقة في الأزقة وعند أسوار المدارس الإعدادية وفي محطات السكة الحديد، من تأليفه وألحانه ينادي على بضاعته «اللذيذة» بصوت جميل فيقول «قرب.. أيوه.. خذلك سميطة وجبنة وبيضة وشوية دقة..» على صوته يلتف حوله الكثيرون ومع الوقت يكونون زبائن مستديمة، بضاعته هي إفطارهم اليومي وربما عشائهم أيضا.
بائع السميط والجبن والبيض والدقة غالبا ما يرتدي جلبابا بلون الطيف وسترة بنية و«تلفيحة» وطقية، على كتفيه سبت عملاق دق فيه عواميد رفيعة خشبية يوضع فيها السميط بطريقة فولكلورية لم يغيرها الزمن، فأصبحت علما من أعلام الباعة المتجولين، في قاع السبت وفوق كرتون مقوى يرص البيض المسلوق الذي قضت أم العيال جزءا من الليل تسلقه على «وابور الجاز» بعد جمعه من دجاجاتها التي تشارك الأسرة حجرتهم المتواضعة فوق سطوح بناية آيلة للسقوط.. ولكن يهم سقوطها فسيكونون من الساقطين، هنا يقفز الشعور الجمعي الرائع والتوكل على الخالق الذي يحميهم من كل فقر وكل شر.. سميع عليم يجيب دعوة الداعي إذا دعاه بقلب خاشع وصوت خافض وبدموع الرجاء في قبول الدعوة.. فالله وكيلهم وعليه سبحانه يتكلون، ومن هنا سر استمراريتهم في عالم ربما يهمشهم أو كاد.
والطريف ان «الشي ء لزوم الشي ء» هكذا يقول أحد الأمثلة الشعبية المصرية، فنجد باعة السميط المتجولين يتجمع معهم باعة المشروبات الغازية في محطات السكة الحديد حيث يضعون زجاجات المشروبات سطل من الألمنيوم، يقرعونه بفتاحة الزجاجات، وبدورهم ينادون.. «أيوه المثلج»، فما من المارق سوى شراء السميط والجبن والبيض وزجاجة مياه غازية، ويقولون: «الحمد الله اللهم احفظ نعمتك من الزوال»، فالشعور بالشبع يتساوى مع كل الجائعين، سواء هؤلاء الذين يسدون جوعهم أو جشعهم بشرائح السمك السلامون الكندي المدخن المقدم على طبق من الفضة ومعه زبد وتوست وقهوة «اكسبريسو» في بهو أحد فنادق العشر نجوم!! أو مع من سد رمقه بسميطة وبيضة وقطعة جبن.
على امتداد محافظات مصر التي يمر عليها القطار السريع أو «القشاش» الذي يركبه عمال التراحيل وغيرهم من قاع المجتمع، على هذه المحطات يصطف باعة السميط والجبن والبيض، بل يدخلون لطرقات القطار يبيعون مأكولاتهم خلال عشر دقائق هي الوقت المخصص لانتظار القطار في محطات المحافظات.
نموذج آخر على هذه المحطات خاصة عندما يدخل القطار محطة طنطا مسقط رأس السيد البدوي، فنجد الباعة المتجولين يبتاعون الحمص و«حب العزيز» داخل مخلة من القش الملون، ينادون: حب العزيز الربع منه بقرش.. إنه زمن كان للقرش فيه حضور! وماذا بعد؟ الكثير بحق.فما أن يعلن الصيف حضوره فنجد باعة البطيخ يرصونه فوق العربية «الكارو» التي يجرها حمار منهك القوى، يقطعون نصف بطيخة بسكين حاد ليطل منها الحَمار والحلاوة، وعليها قطعة من لوح ثلج أخذه البائع من «الثلاج» (بائع الثلج) على طريقة المقايضة حيث يعطيه نصف بطيخة مقابل قطع من الثلج، والمشهد هذا لم يكتمل بعد، فالبائع يغرز سكيناً حادة في البطيخة المقطوعة وكأنها «أحلى أخواتها» ليبرهن للجميع من الشارين بأن البطيخ كله «حَمار وحلاوة» وغالباً ما يصدق، من زبائنه المستديمين، معظم الموظفين الخارجين من عملهم في عز الحر في صيف ساخن لا يُطفئ ناره سوى بطيخ وجبنة كوجبة إذن صيفية، وهذا المشهد للموظف الذي يحمل البطيخة طالما تكرر في الأفلام المصرية في زمن سينما الأبيض والأسود، وغالباً ما يكون نجيب الريحاني هو أحد الموظفين «الشقيانين» فيشتري بطيخة بعد تردد عنيف خوفاً من ارتفاع ثمنها عن ميزانيته الشهرية، وبالفعل يتجرأ ويشتري واحدة، وللأسف تكون لا حمراء ولا حلاوة.. هكذا كانت تعاسة الدنيا.. والظروف والناس وأيضاً البطيخ!
ملامح
وعلى امتداد الشواطئ في العواصم المطلة على المتوسط، نجد حضوراً قوياً للباعة المتجولين وكأنهم يكملون ملامح لجدارية هم والبحر والشواطئ المتعرجة والازدحام أبطال المشهد الصيفي المتكرر الذي دخل القلب والذاكرة وأبى على ان ينسى، على الرمال الساخنة نجد باعة «الفريسكا» وهي بسكويت هش خفيف يلتصق كل اثنين منه بعسل النحل وبعض يزركشه المكسرات المحمصة، يُباع داخل صندوق زجاجي كبير ولكنه خفيف، ينادي الباعة عليه «أيوه الفريسكا والبندق واللوز» وكأنهم على موعد مع المصطافين على الشواطئ بالاسكندرية عروس المتوسط، فيقترب الباعة من الجالسين تحت الشماسي، يجلسون أمامهم «على ركبة ونص» ويبيعون لهم «الفريسكا» فيهرول الصغار بملابس البحر وقطرات «المالح» تتساقط من جسمهم وشعورهم ليشترون الفريسكا، وبعد حين باعة الآيس كريم، يروجون له بأحلى كلام، وأشهر أنواعه التي تنتشر على الشواطئ ما يُعرف باسم «كلو كلو» عبارة عن بسكويتة على شكل «قرطاس» محشوة بالآيس كريم ذي النكهات المختلفة ومغلفة بورق يحفظ برودتها ويحميها من الذوبان تحت شمس الصيف.
وإذا كنت من هواة السير على الأقدام وقت العصاري على كورنيش البحر، فلا بد وأن تكون من زبائن بائع الذرة المشوي الذي يستأجر مكاناً يضع عليه «نصبه» الشواء والطريف أنه لا يدفع أي إيجار ويقول «إحنا قاعدين في مِلك الحكومة»! وينادي على الذرة الذي يغازل حاسة الشم فيقول «الحمام المشوي»!
مصر الفاطمية
إذا كنت من رواد المقاهي والمسارح، فما عليك إلا وأن تخضع لنداءات الباعة عندما يبيعون المانغو «التيمور» لصاحبها تيمور باشا أشهر إقطاعي في زراعة المانجو في مصر، ينادي البائع الذي يرص المانجو داخل سبت من القش الملون ويقول «الحلويات» ويقترب من الزبائن الذين يتوسم فيهم بقايا ثراء وجزءا من فخامة وأبهة هي كل رأسمالهم الذي كان.. فيشترون المانجو التي تجلب أحاديث حول ما كانت عليه الزراعة وما آلت إليه يتحسرون وغالباً ما ينتهي كلامهم «يا عم إحنا حناخد زمنا وزمن غيرنا.. آهي دنيا وخلاص!».
بضاعة أخرى تأخذ شكل الباعة الجوالون ، ولكنها ليست هكذا بالضبط، إنها بدوية آتية من منطقة الملاحات وكينغ مريوط على مشارف الاسكندرية، كحيلة العين، بدينة تلتف في مَلَس أسود وكردان «قشرة» ومعها قواقع تقترب من الفتيات وتقول وهي تغمز بإحدى عينيها: «آتبيّن زين وأخط بالودع.. وأشوف بخت الصبية والجدع»، فما من كل الشابات يلتففن حولها، ويستمعن إليها وهي تقول: قدامك سكة سفر طويلة، ده اللي بيقوله الودع فتتصور الفتاة حلمها الأميركي والهجرة إلى بلاد الأحلام! «وكله بيضحك على كله» فلا سكة سفر ولا حلم ولا جدع!
وفي الأزقة في مصر الفاطمية وأمام المشربيات والعمارة الإسلامية الرائعة، يصطف باعة البطاطا العسلية وباعة الدوم والفريكة (الفريك) والكرنب والخضروات، ينتظرون حتي تستيقظ الأم وتنزل لهم السبت يضعون فيه كل ما لذّ وطاب؛ ولا يمكنهم غش بضاعتهم، لأن «سي السيد» زوج الست سيطل عليهم وهو في طريقه لدكانه بالصاغة أو العطارين ويوزع عليهم أوامره بأن البضاعة لابد وأن تكون «درجة أولى» وإلاّ... سيبلغ البلدية وينظف المكان منهم.. ولأن الرزق يحب الخفية، لا يمكن مناقشتهم له.
وهناك أمام المساجد الشهيرة في مصر تقام أسواق بكاملها أبطالها باعة جوالون يعرضون بضائعهم تحت الشماسي في الصيف، وهذا المشهد الرائع للبيع والشراء رصده الفنان التشكيلي الرائع الدكتور طه القرني في جداريته «سوق الجمعة» والتي دخلت موسوعة جينس للأرقام القياسية؛ وأشهر الشوارع التي تشهد البيع والشراء شارع السد بحي السيدة زينب وسوق العصر في حي السيدة نفيسة وسوق الناصرية في حي المبتديان، والأبطال هم الباعة المتجولون والناس والزحمة.
الباعة المتجولون مشهد من مشاهد زمن ربما ولى على أرض الواقع، ولكن سيظل حضوره هو الأقوى على الإطلاق في الذاكرة وفي النفس والوجدان وهي نسيج بداخلنا يستضيف أحلى الأوقات وأجمل الأزمان على الإطلاق.. زمن موسيقى عبدالوهاب وصوت ثومة وسينما صلاح أبو سيف وأشعار صلاح عبدالصبور ومعمار المشربيات، وأزقة خان الخليلي الشاهدة على أعمال محفوظ..
باعة سبع نجوم
للأحياء السكنية الارستقراطية باعة جوالون أيضاً ولكنهم يصنفون «باعة سبع نجوم»، كانوا أبطال الخمسينيات وما قبلها، وحاليا يندر تواجدهم خوفاً من منافسة «الطيار» وهو اسم سائق الدراجة البخارية المجنونة السرعة «الدليفري».
ففي شوارع غاردن سيتي الناعسة، يمر يومياً في الرابعة عصراً بالتمام والكمال بائع آيس كريم جروبي، يقود دراجة بيضاء مرفق بها ثلاجة بيضاء وأيضاً تفتح بغطاء محكم فتظهر بداخلها ثلاجات صغيرة تحفظ علب الآيس كريم المقلمة بألوان المنتج، البني للشوكولاته والأحمر للفراولة والبرتقالي للمانغو والأصفر للفانيللا.
جميع صغار جاردن سيتي يملأون الشرفات في انتظار المتجول الأنيق بملابس جروبي البيضاء وشاره حمراء يزين القميص في لون الحليب، وينادي..» جرووووبي!وكأن فتح باب السعد للصغار الذين لابد وأن يستأذنوا ويقدمون الولاء والطاعة للأهل وخاصة الجدة التركية التي تمنح كل منهم ثلاثة صاغ ثمناً لآيس كريم جروووبي الشهير!وإذا ما خرجوا عن أصول الطاعة طوال اليوم، يكتفون بنظرة عاتبة من الجدة مصحوبة بكلمات تهزئ بالتركية فتقول «أطفال يوك»، «خرسيس أدب سيس»، بمعنى إنهم غير مؤدبين خارجين عن عرف البني آدمين»، وهنا يكتفون بتلويحة مصحوبة بالآسى، لبائع الآيس كريم الأنيق.. فيفهم، لأنه يعرف كل بيت على حده ويعرف أصحابه حق المعرفة!
التين الشوكي يطل من قلب الصيف
عربات «الكارو» التي يُرص فوقها التين الشوكي الذي تتدرج ألوانه من الأحمر الفاتح والزهري والأخضر، تظهر مع قدوم الصيف، ففي المغربية تبدأ رحلة الباعة المتجولين بعربات التين الشوكي، ولكل بيت طقوسة في ذلك، فمنذ الظهيرة تضع «ست البيت» سلطانية بللورية شفافة وبها خمسة قروش ثمناً لعشر تينيات شوكية وما أن ينادي البائع، نجد مجموعة من الشغالات من كل بيت يهرلون تجاه البائع ويضعن شروطهن في نوعية التين الذي يتم شراؤه، وغالباً ما يعطي البائع «ثمرة تين معسلة» لإحدى الشغالات ذات الملامح الريفية والجدايل السوداء، فتفهم على التو بأنها عربون محبة.
ولكن الطبقات الارستقراطية تحرم شراء التين الشوكي لان طبيب الأسرة المفرط في الارستقراطية أيضاً أقنعهم بأن الشوك الموجود بالتين يسبب لحالات التهاب الزائدة الدودية (المصران الأعور) ومن هنا كانت العديد من الطرائف، مثل أن تقول الابنة المدللة التي لم تتذوق التين أبداً، ممكن البياع يشيل منه البذر!!
وبائع التين الشوكي كان بطلا للعديد من المشاريع التخرجية في كليات الفنون الجميلة خاصة كلية الفنون الجميلة بالزمالك بجوار إحدى السفارات الأجنبية التي تمنع تواجد الباعة المتجولين، ومن هناك كانت غرابة مشروع التخرج.
«خادمة بالمطبخ».. جدارية فيرميه
جدارية للفنان يوهان فيرميه تحكي قصة خادمة هولندية تتخصص في صناعة وتحضير الخبز بالحليب لأصحاب البيت والتي رسمها الابن الأكبر فيرميه عندما كان يراقبها كل يوم.. وكانت الخادمة هذه تبتاع يوم أجازتها الخبز امام الكنائس، وعلى نواصي الشوارع واشتهرت جداً ولكنها لم تتمرد على عملها الرئيسي كخادمة بالمطبخ وهو عنوان الجدارية التي تعتبر من أشهر مارسم الفنان التشكيلي يوهان فيرميه في القرن السادس عشر.
أحلى الأوقات
الباعة المتجولون مشهد من مشاهد زمن ربما ولى على أرض الواقع، ولكن سيظل حضوره هو الأقوى على الإطلاق في الذاكرة وفي النفس والوجدان وهي نسيج بداخلنا يستضيف أحلى الأوقات وأجمل الأزمان على الإطلاق.. زمن موسيقى عبدالوهاب وصوت ثومة وسينما صلاح أبو سيف وأشعار صلاح عبدالصبور ومعمار المشربيات، وأزقة خان الخليلي الشاهدة على أعمال محفوظ..
