تتلألأ مدينة فلورنسا، عاصمة منطقة التوسكان الإيطالية، تحت أشعة الشمس بين البساتين والتلال الخضراء وأشجار الصنوبر الزمردية اللون. فتعرض شرفاتها المزركشة بكل ثقة وترفع قبابها بكل فخر.. وبيوتها مرصوصة كالجواهر بمرمر أخضر وأحمر وأبيض ووردي. بينما ساحاتها واحة من الطمأنينة وأزقتها ملمح هدوء وسكينة. تلك هي فلورنسا : عروس لا تشيخ أبدا.
ليست فلورنسا كروما أو أثينا أو غيرهما من العواصم الأوروبية الكبيرة المتناثرة الأطراف التي تمتد إلى ما لا نهاية، فهي فريدة ومتفردة في كل شيء، بما فيها الكنائس المزركشة المكسوة بالمرمر اللامع والمتضمنة لمجموعة قصور رمادية حجرية. وهي تحوي الساحات المرصعة بالمنحوتات. ويتبدى نهرها (الآرنو) الذي ينساب بكبرياء وهدوء بين المنازل والدكاكين العامرة والمطاعم الصاخبة تحت جسور أثقلها الزمن والذكريات والحنين. جميلة في الليل بملايين المصابيح التي تتناثر فوق الدروب والقبب والنوافذ الناعسة. وجميلة في النهار حيث تتلألأ تحت أشعة الشمس التي تعكسها مياه النهر وأحجار المرمر وقطرات النوافير ونوافذ البيوت ..وكأن الشمس توالدت فتتواعد هناك في تلك المدينة.
توجد في قلب المدينة كاتدرائية (سانتا ماريا ديل فيوري) والتي يمكن ترجمتها إلى: (القديسة ماريا المزهرة). والكاتدرائية لها قبة كبيرة وهائلة، كما لها واجهة ضخمة ملونة مصنوعة من حجر الرخام الأبيض والأخضر والوردي. وبجانب الكاتدرائية يوجد برج اسمه (كومبانيل دي جيوتو). وهو بناء أنيق يبلغ ارتفاعه 84 مترا، وقيل عنه (تعدى بجماله وأناقته وارتفاعه ودقته، كل ما استطاعت روما وأثينا تشييده). وبالفعل لا يمكن للزائر إلا أن ينبهر بالفن الهندسي الذي تجلى في (كومبانيل دي جيوتو)، حيث جمال المنحوتات وشكل النوافذ واختيار نوعية المرمر بألوانه، وكأنه يلخص لوحده، كل مهارة معماريي فلورنسا.
وعلى بعد أمتار قليلة وسط الساحة الحجرية (سان جيوفاني) توجد البوابة البرونزية التي أطلق عليها الرسام العظيم مايكل أنجلو (بوابة الجنة).
وليس بالبعيد من هناك يوجد المقر السياسي للسلطة، ويدعى ( لاتزو فيتشيو)، وقد شيد على شكل قلعة، ويبلغ ارتفاعه 94 مترا. وفي أسفله توجد الساحة الكبيرة (بلازا ديلا سينيورا)، التي لا تخلو من الزوار طوال النهار، إذ يكتظون حول النافورة البرونزية (نيبتون).
طائر الفن
حين تصل إلى رواق (ديل او فيس)، في مدينة فلورنسا، والذي يستحق لوحده عناء السفر، فإنك تكون وقفت أمام واحد من أقدم وأشهر المتاحف، حيث جمعت أكثر من 5000 قطعة فنية.
أما عن متحف فلورنسا فلابد من زيارته بتمهل وتركيز كبيرين. المتحف هو عبارة عن قصر مكون من جناحين يفردهما فوق الجسر وكأنه طائر يفرد جناحيه ليطير بين النهر والسماء. وفي الطابق الثاني من القصر، يوجد كل ما يمكن تخيله من إبداعات: منحوتات، لوحات زيتية، تماثيل. وجميعها لكبار الفنانين، وأشهرهم: بوتشيسيلي، مايكل أنجلو، فرا أنجيليكو.
وبعد هذه الرحلة الفنية يمكن أن تتجه إلى جسر فلورنسا الخشبي القديم (لو بونتي ديل فيكشيو). وهو الذي اشتهر ببائعي الحلي، والذي لا يزال يتباهى بكل جماله، بالرغم من كارثة الفيضانات التي أغرقت المدينة سنة 1966. ويحمل الجسر المدعوم بأعمدة خشبية، محلات فاخرة لبائعي الذهب والألماس. وقد يصعب على الزائر تخيل أن تلك المحلات الفاخرة كانت في البداية محلات بسيطة جدا لبائعي السمك والجزارين والدباغين والحرفيين البسطاء، إذ كانوا يلوثـــون مياه النهـــر بالفضلات، ولذلك قرر الحاكم (فيردينو الأول) في القرن 16، أن يغير أماكنهم، ذلك استجابة لرغبة السكان، وحفاظــــا على نظافة المدينة. إن هذه المدينة التي تعـــود إلى القرون الوسطى حيث كانت وما زالت مدينة التجار والفنانين والصـــرافين الذين اختاروا العيش في أحيائها القديمة، مثل حي (سانتا كروس) في شرق المدينة، إذ هناك وسط متاهاته وأزقته وشوارعه الضيقة، أفضل المتاجر وأرقى المطاعم وألذ المثلجات الإيطالية. ومن الجهة الأخرى لنهر (الآرنو) توجد الأحياء للصناعة التقليدية، حيث مجموعــــة النحاتين والورش الفنية وبائعي التحف. وهناك بعيدا عن صخب المدينة وفضول السياح، تجد نفسك داخل متحف ممتد في الهواء الطلق ما يزال يحيى منذ عصور.
القصر (القمة)
فلورنسا ليست فقط مدينة في السفح بل هي كذلك ذلك القصر (بلازو بيتي) الذي يطل من القمم، من على ارتفاع 200 متر، بمتاحفه العديدة، خاصة ( البورسلين) الذي يوجد في قمة القصر، إذ يطل على القرية المحيطة بفلورنسا، وهناك يستمتع الزائر بالطبيعة الخلابة والبساتين الشاسعة والنوافير العذبة والمنحوتات الجميلة. ولمن أراد العزلة والتأمل فعليه الصعود إلى جسر (لو بونتي ديل فيكشيو)، الذي يأخذه إلى طريق ضيقة وملتوية بين البيوت الهادئة والأشجار العطرة. وكذا بين مرتفعات تحجب تارة وتكشف أخرى، جمال المدينة المغمورة بالألوان: أحمر ترابي ورمادي وأبيض بيضاء وأخضر و وردي .. ان فلورنسا لوحة فنية لها سحر خاص يسكن الذاكرة لينعش القلب إلى الأبد.
تاريخ
اشتهرت فلورنسا في عهد القيصر في سنــة 59 قبل الميلاد. وحافظت منذ ذلك العهد على التخطيط المربع. وكان الرومان في عهد القيصر في أوج حضارتهم التي ازدهرت وسادت في المنطقة برمتها، بما فيها اللغة وطريقة الحياة والفنون بجميع أشكالها، فازدهر فن العمارة والنحت وفن المسرح.
وشيدت الحمامات الشعبية والقصور، وكانت اللغة الرومانية سائدة، فتغنت بها المسارح وأصبحت فلورنسا مركزا مهما في الإمبراطورية الرومانية، فازدهرت وتطورت وأصبحت غنية. وبعد سنة 476 ميلادية عرف تاريخ المدينة اهتزازا، حيت تعرضت لغزو أجنبي متوحش، ثم تعرضت بعدها لغزو شارلمان ملك فرنسا سنة 774، واعقبه غزو البيزنطيين لها، فعرف تاريخها بعض الفتور والتراجع في ذلك العهد.
وفي القرن الـ11 شهدت المدينة انطلاقة جديدة بفضل الفنون التقليدية والتجارة، اذ استقر فيها التجار والحرفيون وأصحاب البنوك. واتحدوا فيما بينهم ونظموا عملهم على شكل هيئات حرفية، وهو ما عاد عليهم بالربح الكثير، فازدهرت المدينة بفضلهم. وسرعان ما أصبحت فلورنسا أغنى مدن ايطاليا، وبذا ازدهر فيها العمران وكذا الثقافة. وفي سنة 1252 سكت فلورنسا نقودها بنفسها، ليتم التداول بها في جميع أوروبا. ولعبت تجارة مادة الصوف دورا مهما في اقتصاد المدينة، حيث لم يظهر الحرير في المنطقة، إلا في بداية القرن الـ 13، ولكن للأسف كان هذا القرن تاريخ تفرقة وتمزق، اذ تمزق قلب المدينة بين أتباع البابا الذين يسيطرون على المدينة، والموالين للإمبراطور. فسادت حروب أهلية انتصر كل طرف فيها لفترة، إلى أن فاز أتباع البابا في آخر المطاف، فسيطروا على كل حرفة في المدينة. ومع بداية القرن الـ 14 عادت فلورنسا لتزدهر وتنعم بالاستقرار والرفاهية من جديد، إلا أنها، وفي القرن نفسه، تعرضت لكارثة أكبر، نتيجة انتشار مرض الطاعون، كما شبت الحرائق. وساد الجوع فانهار الاقتصاد وعم الفقر بين سكانها. وفي القرن الـ 15 كان مطلع عصر النهضة بالنسبة لفلورنسا، فجاء (جيوفاني دي بيكي) مؤسس العائلة الحاكمة (ميديسيس)، أول عائلة حاكمة تسود وتتحكم في المدينة ومنطقتها، بما فيها البنوك والاقتصاد. وفي عهد عائلة (ميديسيس) أصبحت فلورنسا غنية وازدهرت التجارة فيها، كتجارة الصوف والحرير، لكن سرعان ما تم محاربة هذه العائلة لتنهار سنة 1492 مع البنوك التي أسستها. ولكن كان للأسرة الفضل الكبير في ترسيخ أسس الديمقراطية بين شعوب المنطقة.
وبعد ذلك انتقلت المدينة إلى يدي ملك النمس، وظلت تحت وصايته إلى غاية سنة 1860 ( باستثناء 15 سنة كانت فيها فلورنسا تحت وصاية نابوليون بونابرت )، ومنذ سنة 1860 إلى غاية 1871، اتخذ من فلورنسا عاصمة لايطاليا، وشهدت المدينة في تلك الفترة، انجازات عمرانية كبيرة كي تتسع وتتلاءم مع وضعها الجديد في المنطقة.
»سان لورانزو«
تمثل كاتدرائية (سان لورانزو)، أول كنيسة شيدت في فلورنسا، وذلك سنة 393م، حيث تم توسيعها سنة 1059، ولتتغير كليا في سنة 1420، وذلك في عهد عائلة (ميديسيس) اذ شيدها مجددا المهندس المعماري (فيليبو برونليتشي)، على غرار طرز هندسة النهضة. وعلقت لوحة ضخمة ناصعة البياض على واجهة الكاتدرائية المشيدة من الحجر والصلصال الرملي، لكن الواجهة لم يكمل إنجازها كليا، حيث ان المهندس كان يريد تغليفها بالرخام الأبيض.
نهر الآرنو
كان نهر الارنو في فلورنسا، سببا لسعادة ورفاهية المدينة ومنطقتها، وفي الوقت نفسه كان سبباً في دمارها، بفعل الفيضانات الهائلة، مثل ما حدث في سنة 1330، حيث اجتاحت الفيضانات فلورنسا وتهدم جسرها(لو بونتي ديل فيكشيو )، الذي يعود إلى العهد الروماني. وفي سنة 1966 حطمت السيول بيوتا عديدة. وأتلفت قطعا فنية كثيرة في المتاحف. وعندما يعبر المرء الجسر على ظهر نهر (الآرنو) يشعر وكأنه يهجر المدينة وعالمها. لكنه، وبمجرد عبور الجسر، تتفتح أمامه ضاحية المدينة بعطر القرية وقصورها الحجرية وبساتينها الرومانسية ومتاجرها الحرفية. وفي القرون الوسطى كان جسر (لو بونتي ديل فيكشيو) الوحيد في المدينة الذي يصل بين الضفتين، وتم بناؤه بعد سنة 1330 عقب أن دمرته الفيضانات.
»رواق قصر الأوفيس«
وهو من أكبر وأوائل متاحف العالم التي فتحت أبوابها أمام الزوار. وشيد الرواق في سنة 1560، إذ يحتوي جناحين وكان في البداية بمثابة قصر للإدارة والقضاء، وليتحول طابقه العلوي سنة 1581 الى رواق جمعت فيه لوحات فنية ومنحوتات. ثم بعد ذلك، تحول القصر كله ليصبح خلال أربعة قرون، متحفا كبيرا يلتقي فيه فنانو العالم بأسره، وكذا تجار اللوحات والتحف الثمينة. وبين القرنين 13 و 18 ضم القصر ما يناهز 1700 قطعة فنية، ضمن 45 صالة، ويعود معظم تلك اللوحات إلى عصر النهضة.
