تشهد المتاحف، منذ سنوات خلت، تحولات عميقة في اسبانيا وعبر العالم، بعد أن تمكنت من تطوير آليات عملها، حيث تشعبت مهمتها. ولم تعد تقتصر على عرض قطع أثرية وتاريخية. وبعد أن أصبحت مكانا للقاء والاسترخاء والتأمل، حيث يمكن تبادل أطراف حديث مع صديق أو شرب فنجان قهوة أو حتى قراءة كتاب أو صحيفة. خبيران متخصصان في الإدارة الثقافية يحللان في هذا المقام ما آلت إليه حال هذه المؤسسة العريقة.
متى تخلت المتاحف عن كونها تلك المعابد أو المزارات التي كان الناس يؤمونها بقصد تأمل أعمال الماضي الفنية العظيمة؟ وفي أي لحظة بدأت تتحول إلى تلك المراكز الحاضنة للنشاطات التي تستدعي حشودا من الناس على غرار متحف ( تيت) في لندن و( الملكة صوفيا) في مدريد؟ وكذا متى بدأ التحول في هذه المواقع التي نعرفها اليوم ونعرف أنها باتت أكثر ديناميكية، ومن الممكن الذهاب إليها ليس لرؤية المعارض فقط ولكن أيضا للاستماع إلى الموسيقى وتذوق الشعر ورؤية عرض مسرحي أو راقص، أو اختيار كتاب وشرب شيء في مقاهيها أو حتى تناول وجبة طعام في مطاعمها؟ واخيرا: متى بدأ ينظر إليها بصفتها رافعة للتطور الحضري وتلعب دورا مهما في بقية القطاعات الاقتصادية وتستخدم للتباهي من قبل الإدارات السياسية؟
بنى تحتية ثقافية
لا يقف خلف هذا التحول الكبير سبب واحد، بل هناك مجموعة من القضايا التي أدت إلى ذلك التغيير، لكن المفارقة تكمن في أنها جميعا بدأت تتخفى عندما حاولت المؤسسة أن تتعافى من إحدى أهم اللحظات الحرجة في تاريخها، لحظة كان الفنانون قد قرروا فيها مقاطعة الدوائر التقليدية للفن وراحوا يضعون استراتيجياتهم الانتاجية خارج المتاحف وصالات العرض. بيبي جيراو، المدير السابق للمتحف الوطني (الملكة صوفيا) والمدير الحالي لمتحف (كاسا انسنديدا) في مدريد، لخص على نحو جيد جيدا هذه العملية وردها إلى الحملات الجارية الخاصة بالبنى التحتية الثقافة التي نظمتها السلطات الثقافية الإسبانية في الآونة الأخيرة. حيث تم فتح النقاش مجددا حول أهمية المتاحف والمراكز الثقافية والدور الذي تلعبه في الحياة المعاصرة عموما وحياة الناس في اسبانيا على وجه الخصوص، لا سيما في لحظة بدأت فيها مبادرات جهوية واقليمية ووطنية وبلدية متنوعة، تعد العدة لمبادرات مثيرة للاهتمام من هذا النوع في العديد من المواقع في إسبانيا وغيرها من بلدان العالم.
هذا هو حال متحف ( ماركو)، الذي تم إنشاؤه عام 2004 من قبل معتمدية روساريو، ومتحف الفنون الجميلة في نيوكوين، الذي كان سبقه بشهرين، ومتحفي (كرافة) وقصر (فيريرا) في قرطبة، ومتحف (رينيه بروساو) في ريسيستنسيا، الذي تم افتتاحه أخيرا، والمركز الثقافي للمئوية الثانية في سانتياغو ديل استيرو، والمبنى المذهل الذي صممه كارلوس غوميز سنتوريون الذي يحتضن هذه الأيام المجموعة الفنية لمتحف الفنون الجميلة في سان خوان، مع صالتين مخصصتين لمجموعته الفنية الدائمة، ومسرح فخم ومقهى ومكتبة وعدة صالات بأبعاد مختلفة للمعارض المؤقتة أو الموسمية.
التجربة الاسبانية، التي أحرزت خلال العقود الأخيرة من الزمن نموا ملحوظا في عدد البنى التحتية الثقافية، التي يصعب مقارنتها بمثيلات لها حول العالم من ناحية استخداماتها وتكلفتها، تم تلخيصها من قبل رفائيل دكتور، مؤسس (متحف الفن المعاصر في كاستيا وليوين) ومديره السابق، الذي أدلى بدلوه أيضا حول اشعاعات وظلال هذه العملية الصادمة:(إحدى القضايا التي ساهمت إلى حد كبير، في تغيير مفهوم المتحف التقليدي، ظاهرة المعارض الكبرى، حيث يتم الحديث عن اتجاه في ثمانينات القرن الماضي لم تتبنه متاحف الفن المعاصر فحسب، وإنما المتاحف الكلاسيكية أيضا، فباتت معارض مثل المعرض الاسترجاعي الكبير لبيكاسو في متحف الفن الحديث في نيويورك 1981 تعني حدثا تاريخيا في ظاهرة تقوم على واقع يشي بأن مدينة ما تجد نفسها مكتسحة بأعمال فنان، أصبحت منتشرة على حين غرة، في جميع الأرجاء والأشكال، بدءا من الكتابات على القمصان التي يرتديها الناس). ويضيف: (هكذا. وانطلاقا من هذا الواقع، راحت كافة المؤسسات المتحفية تحاول أن تجد لنفسها موطئ قدم في هذا الاتجاه. وعلى سبيل المثال، معرض فيلازكيز في متحف برادو المدريدي في ثمانينات القرن الفائت، الذي على الرغم من أنه لم يكن لديه بالكاد سوى أعمال قليلة من مجموعات أخرى كانت ستضاف إلى الأعمال التي كان يعرضها بشكل عادي، إلا أن الناس كانوا مضطرين للوقوف 10 ساعات في الطابور للدخول. بمعنى أن ثمة مسلكا جديدا يولد في المتحف المعاصر ويتخطى المتحف التقليدي الذي كان حتى ذلك الحين يحافظ على نفسه بعيدا عن الجموع الغفيرة التي تؤم العروض الفنية. وكذلك المتحف، حيث بدأ ذلك المكان المخصص للقاء بعض النخب بالتغير وبأن يصبح مكانا يمكن أن يشاهد فيه عامة الناس، الأمر الذي بات يبدو متاحا بفضل الدور الذي تلعبه وسائل الاعلام. وهكذا راح يولد الحدث الثقافي الكبير الذي تم تبنيه من قبل المتاحف المعاصرة، ومن قبل المتاحف التقليدية على حد سواء).
شبكة
هناك ظاهرة أخرى من الظواهر المثيرة للاهتمام أشار إليها جيراو، وتشكل جزءا من هذا التغيير المنظم، وهي تكمن في شبكة المتاحف ومراكز الفنون في ألمانيا. والحديث هنا يدور عن ظاهرة ألمانية بامتياز يطلق عليها اسم (الحجم كونسذال) الذي ولد في سبعينات القرن الفائت، وهو عبارة عن مساحة لا تتجاوز مساحة متحف أو مركز، لكن من دون مجموعة فنية، وهو مركز شبيه بالعديد من المراكز في إسبانيا، مثل (ريكوليتا) الثقافي ومؤسسة (بروا) أو مؤسسة (بورخيس)، والتي لها مثيلاتها التي يعتز بها الناس في ألمانيا مثل مراكز ومتاحف كولونيا أو فرانكفورت أو دسلدروف، إذ تحظى باحترام كبير تؤمنه لها ديناميتها ونوعية معارضها المؤقتة. أما في الحالة الإسبانية، فيمكن القول إن هذا ما كان في الأفق التاريخي عندما دفعت الإدارة الاشتراكية في ثمانينات القرن االـ20، باتجاه تحديث الثقافة الإسبانية عموما. ( المجتمع الاسباني وصل متأخرا إلى ظاهرة المعاصرة، لكنه وصل بحماس)، هذا على حد تعبير المدير السابق لمتحف الملكة صوفيا، الذي يعد أحد المؤسسات الرئيسية المولودة تحت إصرار الاشتراكية على تحويل هذه المؤسسات إلى مؤسسات حديثة في أقصر وقت ممكن، حيث يقول:( أردنا الانتماء إلى الحداثة، أردنا أن نكون ما لم نكن. ما حدث في اسبانيا كان ظاهرة تحول تماما مثلما يحدث في جميع الظواهر من هذا النوع التي تنطوي على صعوبات واخفاقات). كما يوضح رفائيل دكتور بعض ملامح عملية النمو المتسارع للبنى الثقافية الكبرى القائمة حاليا : (عندما ولدت لم يكن هناك أي متحف للفن المعاصر، بينما يستطيع المرء في يومنا هذا أن يجد في أي بلدة منسية مكانا للفن المعاصر. وفي يومنا هذا يوجد 122 بنية تحتية ثقافية. وهذا يتطلب التأمل لأن أيا من هذه البنى الثقافية لم يكن ولد بفعل اهتمام حقيقي من قبل المجتمع، وإنما بسبب اهتمام سياسي ربط تلك البنى بفترات انتخابية محددة، وذلك لإظهار إنجازات كانت تولد أسلحة للمستقبل. لكنهم أغفلوا أو نسوا، في أغلب الحالات، إيجاد مشروع حقيقي لا يقتصر على الجانب المعماري وجمالياته فقط، وإنما يمتد ليعطي معنى للبنية التحتية. لذلك أتكلم عما يطلق عليه "حقبة الانتينيدور"، التي انتشرت فيها المتاحف والمعارض على نطاق واسع، لأننا كنا مرتهنين لتعزيز هذه الحالة، عوضا عن العمل على المعنى الذي ستعطيه للمجتمع. فغالبية المؤسسات تخضع في نهاية المطاف لاعتبارات تتعلق بأموال الدولة والحكومات المحلية والبلديات).
توجيه
وهكذا يتبين أن أماكن الفنون قد تحولت في عيون مختلف الحكومات في اسبانيا إلى أساليب لكسب إمكانية للرؤية. لكن ما يسمى البنى التحتية الثقافية قد عادت، في ظل الأزمة، لتشكل محور النقاش، غارسة في الوقت نفسه نوعا من إعادة توجيه السياسات الثقافية ووضعها في خدمة الجمهور أيضا.ويقف بيبي جيراو في يومنا هذا على رأس متحف (كاسا انسنديدا)، الذي يعتمد على أرصدة خاصة، لكن مع الالتزام بتقديم خدمات للمجتمع، وكان أعار اهتماما خاصا بظهور جمهور جديد.
وهو يوضح أن (الجمهور الحالي قد كسر حواجز قانون الذوق العام الذي كان يفرضه المتحف التقليدي، وذلك يعود بالدرجة الأساسية لما تعنيه مسألة إمكانية الوصول إلى المعلومة، حيث بات الناس في السنوات العشر الأخيرة، يصلون إلى المعلومة بطرق أخرى، ويحصلون على معلوماتهم حول الفن بأساليب مختلفة، فضلا عن أنهم باتوا قادرين، منذ أن وصل الانترنت، على الوصول إلى كل شيء بفلاتر أخرى، لا سيما أنهم يتجرؤون على تبادل وجهات النظر حول وجهات نظر مغايرة لما كان سائدا في السابق، حيث من الممكن أن يبدو بيكاسو لهم مروعا أو العكس تماما.
إذا، لدينا جمهور مختلف كليا لديه اهتمام بأشياء وأمور كثيرة. فنحن نتحدث هنا عن جيل أربعيني بوسعه المشاركة في منظمة غير حكومية والتعاون والمشاركة في أمور أخرى كثيرة، بينما بدأ يزعجه التخصص الهائل. فهو جمهور مشتت ومبعثر ويجد نفسه مهتما بأمور متنوعة كثيرة، وذلك نتيجة ميله إلى الشك والريبة. وإذا كان من شيء بدأ يصبح واضحا، فهو أن المسألة ليست واضحة بعد. فإذا جمعنا الازدراء إلى الريبة، وكذا امكانية الوصول إلى المعلومة عن طريق قنوات أخرى لا تسيطر عليها نماذج تقليدية، فإننا نجد أنفسنا أمام وضع آخر. لكن بالنسبة لمربين يعملون بطريقة البيات الشتوي، فإن الجانب الأدائي والسينمائية والعمل التركيبي بات يعود إليهم، بطريقة لم تعد معها الأمور كما كانت عليه في ستينات القرن الفائت، لكن لا شك بأن نظام كيفية البناء يتكسر، وذلك بعد أن انتقلنا من أمكنة للتأمل إلى أمكنة للفعل، حيث العمل الفني والمكان يتفاعلان. ومن الضرورة بمكان تأمل هذه المتغيرات).
