تبقى جماليات السيارات الكلاسيكية، حية في بريقها ونبضها في ذاكرة عشاقها، لتستمر مخاطبة أرواحهم وأحاسيسهم وأذواقهم. فتحرك، في هذا الوهج، ملامح تعلقهم الفريد بها، والذي بات يشكل في انفسهم، قيمة شغف يغتني بقصص الماضي ومفرداته، وكذا روح استمرارية في الحاضر، ومن ثم يكون عنوانا للمستقبل.
لم تعدم السيارات الكلاسيكية، روحية التأثير، في وقتنا الحالي، حيث أصبحت تضفي بظلالها على الأذواق المعاصرة، كونها مضمونا جماليا قيما، يعكس تاريخ المدن وثقافتها، وعبق الماضي وروحه. ولاشك ان القديمة منها، تعبر عن عمق الاهتمام بالفن، فهي ليست قوالب جاهزة، كما هو الحال في السيارات الجديدة، بل نجدها تغور في أذواق المرحلة التي ولدت فيها هذه التصاميم والأشكال. وهكذا فهي تحدثنا عن تاريخ المدن، وحياة زعمائها ورؤساؤها وفنانيها.
بيروت .. رائدة
شهدت العاصمة اللبنانية، بيروت، ما بين العشرينات والسبعينات من القرن الفائت، رواجا كبيرا للسيارات الكلاسيكية. وكان بعضها ملكا لشخصيات بارزة، من رؤساء جمهوريات وشخصيات اجتماعية واقتصادية، علاوة على كونها لا تزال قيد الخدمة، رغم قدمها. فهي في بيروت أو في غيرها من بلدان العالم، تشكل وثيقة تاريخية لحياة الناس في القرن العشرين، لكون هذه السيارات تخص شخصيات سياسية معروفة، منها : رؤساء الجمهورية (الرؤساء الراحلون: بشارة الخوري، كميل شمعون، فؤاد شهاب، وغيرهم). وتكشف ملصقات صور مجسمة لبيروت، في فترات متفاوتة من القرن العشرين، تواريخ صناعة السيارات، والكثير من القصص. . كما أن صور المدينة تعطي انطباعا كأن السيارة تقف أمام الرصيف أو قرب محال تجارية أو أبنية قديمة، ومنها : ساحة البرج (الشهداء).ارتبطت السيارات، في الحفلات المقامة خلال فترة الستينات والسبعينات، ضمن العالم العربي، بانه اجتاحتها موجات الصخب الغربية، حيث برزت صورة لملك الروك، توم جونز الأميركي، والفونوغراف (هو جهاز تشغيل الأسطوانات المعروف). وطغت أجواء لاس فيغاس وهوليوود على تلك الفترة وكان الجميع متأثرا بها.، وكان الناس يذهبون بالسيارات لحضور الأفلام، في مزيج بين الثقافة والفنون. بيد أن اللافت للنظر أن بعض هذه السيارات العتيقة، طرازا وتاريخا، لا تزال تعمل وتسير في الشوارع، إلى جانب السيارات الحديثة الأخرى. وكان يقف وراء صناعة هذه السيارات نخبة من الفنانين والمصممين، وبرز هؤلاء الفنانون في الولايات المتحدة خصوصاً، حيث تنشط هذه الصناعة، وأشهرهم الصانع الماهر جورج باريز الذي كان يعتبر السيارات مجرد عجينة طرية يصقل أشكالها كنحات، لتبهر العيون وتبقى في الذاكرة، بعد تدخلاته. وهو لم يكن يعيد صياغة السيارات ويغير أشكالها من أجل بيعها، بل من أجل استخدامها في أفلام هوليوود التي تطل على ملايين البشر في العالم. ولا تزال هذه السيارات تظهر في الأفلام الهوليودية لكي تلهب خيال عشاق السيارات من الهواة والمحترفين، على حد سواء. وبما أن هذه السيارات تشكل جزءا من الذاكرة الجماعية بادر (متحف بيترسون للسيارات) ــ وهو أهم متحف للسيارات في العالم ــ لاقتناء هذه السيارات وعرضها من اجل الاطلاع. وأتاح هذا المعرض الدائم فرصة أمام المشاهدين أن يطلعوا على 80 سيارة تعتبر من القطع الفنية والتي تجسد تحفا نادرة في تاريخ السيارات، أبدعها جورج باريز المولع بتحوير السيارات وإبداع تصاميمها الصادمة لأذواق عصره. واعتبر ذلك أكبر إنجاز في عالم السيارات، منذ فترة الستينات والسبعينات من القرن الفائت، عندما كانت السيارات تصنع بحجم كبير نتيجة انخفاض (غالون) البنزين آنذاك. وأذهل جورج باريز الجمهور وأمتعه قرابة نصف قرن، من خلال تصميماته وأشكاله الغريبة في تصنيع السيارات. وقام بتحوير وإعادة صياغة سيارات المشاهير، أمثال الفيس بريسلي وفرانك سيناترا ومشاهير آخرين. ويقول في هذا الصدد:(عملت على السيارات الشخصية، حيث كان الفيس بريسلي يتجول هنا بالقرب من مخزني. وكان يحيي المستخدمين في محلي. والتقيت به مصادفة).
كنوز في متحف
دخل الفيس بريسلي في صميم الثقافة الأميركية، كما دخلت سيارات جورج باريز فيها. ولعل أشهر سيارة موجودة في متحف(...) المتخصص بالسيارات القديمة في مدينة نيويورك، هي باتموبايل (رقم واحد)، التي استخدمها الممثلان آدم ويست وبيرت وارد.
ويعتبر المتحف حدثا فنيا واقتصاديا في آن واحد، لأن هذه الكنوز من التصاميم والأشكال الهندسية، لم تكن تظهر إلا على الشاشة، بل كان الجمهور يتخيلها جزءا من أوهام السينما، وليس من صلب الواقع. وفي هذا السياق، اشاد ديك ميسير، مدير متحف بيترسون بنوعية هذا المتحف :(يتمكن المرء من أن يتجول في أروقة هذا المتحف ليكتشف السيارات الأسطورية التي شاهدها في الأفلام وطالما حلم برؤيتها على أرض الواقع).
ووصل صيت المصمم جورج باريز، الذي ابدع هذه السيارة، إلى درجة كبيرة من الشهرة، حيث قارنه توم وولف بالرسام الشهير بيكاسو، كما قام باتفاق مع شركة صناعة الألعاب، بتصميم هذه السيارات كلعب للأطفال. وكما يروي في سيرته الذاتية : (..ومثل أي طفل أميركي اكتشفت السيارات). وكان أول عمل نفذه في عالم السيارات، عندما قام بتصليح سيارة أحد أفراد عائلته، وهي من طراز (بيوك) إلا أنه لم يتردد في إعادة صياغتها من جديد، بحيث لم يتعرف صاحبها على شكل سيارته. وهذه السيارات التي ابتدعها جورج باريز طافت البلدان جميعها عبر الأفلام السينمائية والتلفزيونية، بل وأثرت على صناعة السيارات وتصاميمها قاطبة، في العالم.ووصل ولعه بسياراته إلى الحد الذي لا يمكنه التفضيل بينها. وهو يقول بهذا الصدد: ( لا أستطيع أن أفضل سيارة على أخرى. فذلك يشبه أن تسال عائلة مكونة من 10 أفراد. أي طفل تفضل؟ وفي حالتي إنها عائلة تتكون من عشرة آلاف طفل! لا أستطيع أن أفضل أحدا على الآخر. ولكن بمقدوري أن أقول ان السيارة الأكثر شعبية هي سيارتي ــ باتموبايل ــ ).
اسطورة
يتركز عمل جورج باريز على إبداع سياراته من خلال إعادة صياغتها من جدي، كما يقول: (كنا نأخذ سيارات الستينات من القرن 20، مثل طراز بونتياك ونعطيها تصميما عاليا من خلال تغيير أشكالها ووظائفها، آخذين بالاعتبار مدى ملاءمتها للمستقبل). ولم يتوقف إبداع جورج باريز عند هذا الحد بل قام بتدريس الطلبة كيفية تحوير السيارات وتغيير أشكالها وتصاميمها. وهكذا تحول جورج باريز إلى نوع من الأسطورة في عالم السيارات، وهو يروي قصة عشقه للسيارات : «تربيت في كاليفورنيا الشمالية في مدينة صغيرة اسمها روز فيل . وعشقت السيارات منذ أيام الدراسة. وكان والدي يمتلكان مطعما وفندقا. وكنا نذهب وأخي إلى المدرسة، وأول سيارة قمت بإصلاحها هي من طراز بيوك 1925. واتبعت طريقة الـ (كوستيمايز) ــ وهي تغيير شكل السيارات وجعلها أكثر ملاءمة ــ وهذا ما جعلني أعود إلى سنوات الثلاثينات من القرن الـ20، من أجل استيحاء أشكالها وتصاميمها، لأنها غابت عن أذهان الناس بفعل التطور. وهكذا كنت أذهب إلى المخازن، من أجل شراء قطع الغيار التي أحتاجها، وأكثر من ذلك كنت أذهب إلى منزل والدتي من أجل أن آخذ بعض قطع الغيار من مقابض الأبواب، لاستخدامها في سيارتي. وعندما أفاقت أمي في الليل ولم تجد هذه المقابض على الأبواب، لم تكن تندهش لأنها كانت تعرف من هو الفاعل. وأول عمل قمت به هو تحويل سيارتي وتغيير شكلها وكان الأطفال يحبون ما أقوم به ويتمتعون بأشكال السيارات الغريبة ذات الألوان البراقة).بدأ جورج باريز صنع سيارات المشاهير، أمثال كلارك كيبل وليونيل هامبتون وجون واين ونجوم آخرين، في خمسينات القرن الماضي، معتنيا بالاشتغال على عكس وتجسيد رغبات من ينوون تغيير أشكال سياراتهم لجعلها تخرج عن المألوف والرتابة. ويعتبره مدير متحف بيترسون من أمهر صنّاع السيارات.، ويقول فيه: (إن هذه المدينة مزيج من الدخان والمرايا، وهو الصانع الأمهر في تلميع المرايا ونفخ الدخان).
وتبدو تأثيرات جورج باريز أكثر من ما يمكن تصورها لأن تصاميم سياراته لم تقف عند حدود معينة، بل أخذت تنتشر عبر القنوات التلفزيونية، من خلال عرض الأفلام القديمة والحديثة. وكان جورج باريز يضفي لمساته الفنية على السيارة، مثل ساحر يغير أشكالها ويجعلها أكثر جمالا وبريقا.
سيارات النجوم
أول أجر حصل عليه جورج باريز، مصمم السيارات الشهير، كان مقداره 10 دولارات، وحينها قال :(سأصبح مليونيرا). وبالفعل أصبح مليونيراً، وقد بلغ سعر بعض سياراته نحو مليون دولار. ولم تقتصر تصاميمه على سيارات المشاهير من أمثال ألفيس بريسلي وفرانك سيناترا، بل صمم سيارة شهيرة للممثل جيمس دين، في فيلمه (سباق مع المصير). وكذلك للممثل جون تريفولتا. وايضا سلسلة سيارات (باتمان).
أشهر مصمم
ولد جورج باريز، في منتصف العشرينات من القرن الـ20، في شيكاغو باميركا، حيث بدأ مع أخيه امتهان الرقص، وانتقلا إلى روزفيل، واصبحا من الراقصين المحترفين أثناء طفولتهما ومراهقتهما. وقد درس جورج باريز في سنوات مراهقته، في المدرسة الفنية في لوس أنجلوس، حيث تدرب فيها عدد كبير من المصممين. وبعد تخرجه من المدرسة العليا قرر أن يغير مظهر السيارات، ومن ثم انتقل إلى تغيير أشكال السيارات من طراز (سيلبرتي)، وهي السيارات المفضلة لديه. وبدأ جورج باريز وأخوه سام بتصميم بعض السيارات في الأربعينات والخمسينات من القرن الفائت. وطبعت تصاميمه عالم السيارات بكامله، ما دفع مجلة (موتر تريند ماغزين) لان تقول عنه بأنه (غيّر وجه مدينة ديترويت).
