اكتشف الإنسان فكرة التهريج ليخفف من خلالها عن المآسي التي تصيبه، ويحيل الدمعة إلى ابتسامة، حتى لو كانت مرة. وكذلك فإن التهريج محاولة من إنسان شاء أن يكون مهرجاً، لتبديل الدموع بالفرح والبسمات. إنها حالة إنسانية يتحد فيها الشخص المهرج بعامة الناس، فيتألم لآلامهم، ويُسر لمسراتهم.
طالما اكتسب المهرج شعبية كبرى في سائر المجتمعات البشرية، حيث إن جميعها نظرت إليه، نظرة تنفس عن الآلام والنكبات. ولا شك في أن الإنسان دوما يحتاج إلى مَن يُضحكه، كما يحتاج إلى مَن يبكيه، ويكفي المهرج فضلا أنه قبـِل أن يكون مهرجا، وقبـِل أن يلعب دور المهرج فقط، دون أن يكونه، وفي جميع الأحوال، فإن الذي لا يحب الناس حبا جما، لا يتطوع من أجل أن يضحكهم، ففي حين أن دموعه تتساقط في أعماقه، بيده، نجده يبتسم عندما يرى الابتسامات ترتسم على شفاه أولئك الذين ينظرون إليه. وهكذا فكما أن الناس يستمدون ابتساماتهم من حركاته، فإن المهرج يستمد ابتسامته وحيويته، من تلك الابتسامات التي تزيده تألقا وبهجة، وذلك بينما هو في غمرة عمله الذي هو في جوهره، إسعاد الناس.
وظيفة المهرج
يؤدي المهرج وظيفة اجتماعية بالغة الأهمية في تفاصيل الحياة الاجتماعية للناس. وعموما فإن لغة التهريج لغة عالمية يفهمها الناس جميعا، ورسالة التهريج لا تلقى أي عائق لغوي أو فكري أو ثقافي، لتصل إلى المتلقي. وهناك أهمية قصوى دوما لوجود شخص يحمل روح النكتة حتى عند وقوع الويلات والمآسي، وهذه النكتة التي تخفف عن الناس، وتروّح عنهم بعض الشيء، تفيد في التغلب على ما هو مأساوي في الحياة، وذلك طبعا لا يتم اعتياديا إلا بوسيلتين فقط، وهما : الدين، السخرية- وهذا طبعا طبقا لما يراه الفلاسفة والمتخصصون. وإذا نظرنا إلى مشهد مروع يقوم فيه المهرج بالتخفيف عن الناس، من خلال إضفاء روح السخرية، فينتابنا إحساس بأن هذا الشخص المهرج يمتلك عينا ثالثة، يرى بها ما لا يراه غيره. ويمكن أيضا ملاحظة سمات مشتركة بين ملامح وجه المهرج، وملامح وجه الفيلسوف. فمثلا للتثبت من ذلك لننظر إلى : الجاحظ، توفيق الحكيم. وقد أطلق بعض نقاد السينما على شارلي شابلن، لقب : «المهرج الكوني 1». إذا، يتمتع المهرج بهذه الخصوصية في امتلاك وجه ضاحك باك في آن، فيمكن أن تضحك حد القهقهة، وأنت تنظر إليه، ويمكنك أن تبكي حد النحيب وأنت ترنو إلى تلك القسمات. وإن ما يضفي على المهرج روح التهريج، امتلاكه لهذه الخصوصية في الوجه، فإن فقد هذه الميزة، استعان بوجه صناعي جعله وجها مستعارا له، وهنا يحاول أن يعوّض ذلك بدقة الحركات البهلوانية، والتلاعب بحركات الألفاظ.
التهريج في الأدب
استفاد الأدب بصفة عامة من فكرة التهريج، ووظفه خير توظيف في الكثير من الأعمال الإبداعية. كما تعرض الأدب في مختلف أجناسه لشخصية المهرج، وكانت هذه الشخصية بالغة الأهمية في تلك الإبداعات. وكان المهرج يظهر بأشكال وألوان وهيئات مختلفة، ويظهر تارة على أنه بهلول، وتارة على أنه معتوه يفلسف الأحداث والوقائع، وأحيانا يميل البطل في مراحل وقوع المآسي البالغة عليه، إلى شيء من التهريج، كما الأمر في مسرحيات شكسبير 2. وكذلك استعان الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشة بشخصية المهرج في عمله / هكذا تكلم زرادشت /، عندما ظهر ذاك الشخص المهرج، ظهر من الجبال وغدا ينذر الناس قائلا : / الحياة في خطــر /.
كما أن مذهب السوريالية استفاد كثيرا من لعبة التهريج، وهذا إن لم يكن التهريج أحد أهم دعائمه. ويؤكد أندريه بريتون - واضع بيانات السوريالية - مثل هذا التأثر بقوله: الكل يعرف جيدا ما هو الإلهام، ولا سبيل إلى أخطائه، فهو الذي زوّد حاجات التعبير السامية في كل زمان ومكان. ويقال في العادة إنه موجود (في) أو غير موجود، وإذا لم يوجد فإن شيئا من ما يصدر عن الحذق الإنساني المشاب بالمصلحة وبالحيلة المنطقية وبالتمكن المكتسب من الجهد، لا يمكن أن يسلينا غيابه. إذا هذه الثمار هي الكتابة الآلية ورواية الأحلام، وهي تتميز في وقت معا بأنها الوحيدة التي توفر مواد تقديرية رفيعة للنقد الذي يبدي في الميدان الفني حيرة غريبة، وبأنها تمكّن من إعادة تصنيف عام للقيم الشعرية، وبأنها تزود بمفتاح قادر أن يفتح إلى ما لانهاية ذلك الصندوق المتعدد الأعماق الذي يسمى الإنسان. كان اللجوء إلى ظاهرة التهريج حالة يحاول من خلالها الأدباء التعبير عن المآسي التي تصيب العالم بصفة عامة، أو تصيبهم بصفة خاصة. ومثالنا هنا، هو من أندريه بريتون، في الحادثة التالية : / لايزال لويس آراغون يذكر معي مرور صبي جاء يبيع زهورا في مقهى كنا فيه ذات مساء برفقة شريكو. كان يولي ظهره للباب، فلم يبصر الصبي داخلا، وكان علي أن أسأل آراغون، وقد أخذته مشيئة الوافد إن لم يكن شبحا، فأخرج شريكو، دون أن يلتفت إلى الباب، مرآة صغيرة من جيبه، وأجابا بعد تفرس في وجه الصبي الصغير : »إنه شبح بالتأكيد «.
إذا. إنها المعاناة التي تدفع إلى التعبير عن هولها، من خلال اللجوء إلى إحدى أشكال التهريج، وهنا علينا أن لا ننسى تلك المعاناة الشديدة، وتلك الأهوال التي وقفت خلف كل تلك الإبداعات الأدبية الكبرى التي قدمت للبشرية. كما أن أبولينير كان يعاني طوال حياته من عقدة أنه ابن غير شرعي، حتى أنه كان يرغب في أن يخرج عن جلده، كما لم يسبق لرامبو أن تلقى قبلة حنان واحدة من فم أمه، فاضطر إلى كل تلك الأسفار، بحثا عن قبلة تعوضه عن تلك القبلة، وكان ذلك خلف بعض سلوكياته الانحرافة. وشوبنهور الذي لاقى الأهوال على يدي عشيق أمه، اندفع بتأثير هذا، لأخذ ذاك الموقف السوداوي من المرأة، ومن الحياة بصفة عامة، فأبدع كل ذاك التعبير عن فلسفة التشاؤم. وأمضى الماركيز دي ساد، خمسا وعشرين سنة في السجن، ما أدى إلى إبداعه لنزعة السادية، وانتهى نيتشه بالجنون، وسويفت بالوهن العقلي، بينما فقد أبو لينير القدرة على الكلام. وأما دستويفسكي فكان يقول : لدي مشروع، أن أفقد عقلي. وسطـّر إلى أخيه قائلا : وما تبقى لي سوى هذا القلم، والدم واللحم، هذا الذي يعاني ويشفق ويتذكر، ويبدع الحياة رغم كل شيء، لم أشعر مطلقا بهذه الخواص الملأى بالقوى، والغنى الفكري من قبل، كما أشعر بها الآن . وبلغت المعاناة بأدغار آلن بو، مرحلة لم يعد فيها قادرا على المشي في الشارع، وانعزل كلايست عن العالم والأهل قائلا : لقد أصاب الجرح روحي، حتى لأكاد أقول حين أخرج أنفي من النافذة، يؤلمني ضوء النهار الذي يلتمع في وجهي ..
التهريج في التراث العربي
حفل التراث العربي بأسماء عديدة لمهرجين كانوا يترددون إلى أولي الأمر، فيحيلون الآلام، وحتى المصائب، إلى نكات، كما الأمر مع أبي دلامة، وأبي الشمقمق، وأبي العبر الهاشمي وغيرهم.
ومع أبي العبر الهاشمي، نرى شكلا من أشكال التهريج الذي يجمع بين الفطنة والتحامق والسخرية. ومن المفيد هنا ذكر حادثة يرويها أبو العبر بنفسه، يمكننا من خلالها التعرف على شيء من هذا النزوع لديه. إذ يقول: «كنا نختلف ونحن أحداث، إلى رجل يعلمنا الهزل، فكان يقول : أول ما تريدون رفع وقلب الأشياء. فكنا نقول : إذا أصبح، كيف أمسيت، واذا أمسى، كيف أصبحت ؟ وإذا قال : تعال. نتأخر إلى الخلف.
وكانت له أرزاق تعمل كتابتها في كل سنة، فعمل مرة وأنا معه، الكتاب، فلما فرغ من التوقيع، وبقي الختم، قال : أتربه. وجئني به، فصببت عليه الماء، فبطل. فقال : ويحك لاتصحبني، فأنت أستاذ الأستاذين». وكان يتجول أبو العبر في الناس، وينشر أفكاره فيهم عن قرب، حتى غدا شخصية شعبية شبيهة بالمهرج الذي يبطن المعاني العميقة خلف عباراته الساخرة الهزلية. وقال له شخص ذات مرة: «يا أبا العبر لِم صار دجلة أعرض من الفرات، والقطن أبيض من الكمأة؟ فقال : لأن الشاة ليس لها منقار، وذنب الطاووس أربعة أشبار». ومن مواقفه الغامضة الطريفة، أنه يجيب عن سؤال لرجل قال له: يا أبا العبر لِم صار العطار يبيع اللبد، وصاحب السقط يبيع اللبن ؟ فأجابه : لأن المطر يجيء في الشتاء، والمنخل لا يقوم به الماء. وقال له شخص : لِم صار كل خصي أمرد، والماء في حزيران لايبرد؟ فقال : لأن السفينة تجنح، والحمار يرمح. ويتحدث أبو العبر عن بعض وقائع حياته الشخصية، وكذلك التي وقعت مع المقربين له. ومن ذلك روايته: «خرج أخي الصغير إلى أحمد بن أبي داود، فشكا إليه خلة، فأمر له بألفي درهم، فمضى أبي بعده، فشكا مثل ذلك، فلم يعطه شيئا، وعرفت سر من رأى فعرفني أبي خبره، فقلت له : قف معي عند باب ابن أبي داود، وكل الكلام إلي، فوقف معي وقال : شأنك. فلما خرج قلت : أصلح الله القاضي. هذا محمد بن عبد الله بن عبد الصمد الهاشمي، يسأل القاضي أن يلحقه بالأصاغر من ولده. فضحك، ولعنني أبي، وانصرف، فوجه إليه ابن داود بثلاثة آلاف درهم، فقلت له : أعطني منها ألفا، فو الله لولا ما لفتني إليه، ما أخذت شيئا».
فكرة فلسفية
يعد التهريج من الأفكار الفلسفية التي اكتشفها الإنسان، ويبقى متجددا يحظى باهتمام شرائح هائلة من الناس، وقد تفرع التهريج في عالمنا المعاصر مع ثورة التقنيات الهائلة، فأخذ التهريج أشكالا جديدة، مثل : الكاميرا الخفية التي تعتمد على فكرة التهريج، حيث يقوم مقدم البرنامج بتمثيل دور المهرّج.
«لكل مجتمع جحاه»
يمكن القول بأن نصر الدين (جحا)، لم يكن أقل شأنا من الحكيم (أحيقار)، من خلال أهمية الوجود بين وفي محيط جميع الناس، ذلك أن الثاني كان يقول حكمة، والأول يقول نكتة، وكانت النكتة أحيانا تجلو في روح الحكمة لدى أحيقار، كما كانت الحكمة تجلو أحيانا في روح النكتة لدى جحا، ولذلك يقال إن لكل مجتمع جحاه، ولكل مجتمع أحيقاره.
ارتباط
يرى الفيلسوف الوجودي زورن كيركغور، أن أهمية المهرج تكمن في الدور الذي يلعبه بطريقة غير مباشرة، للتخفيف من المآسي التي يعاني منها الناس. ويصور كيركغور، رأيه على شكل مقطع أدبي يقول فيه: «حدث ذلك في مسرح حيث شبّت النار في أجنحته، فخرج المهرج ليحذّر النظـّارة من الكارثة المحدقة بهم، وضج الجمهور بالضحك والتصفيق استحسانا لنكتته، وكلما زاد المهرج في تعنيفهم وتحذيرهم، زاد الضجيج والضحك».
