حين يبدأ عشاق القهوة يومهم بفنجان يوقظ برائحته الطاقة الكامنة فيهم، لا يهمهم حينها معرفة الكثير عن تاريخ ذلك المشروب الذي يعد عالميا دون منافس، مهما اختلفت طرق تحضيره، إذ يقال ان البن الأخضر هو ثاني أكثر السلع تداولا بعد النفط الخام في العالم ، وتعد القهوة بأنواعها من المشروبات الأكثر شعبية في المعمورة .
ورويت الكثير من القصص حول اكتشافها، منها تلك الحكاية القديمة التي تتحدث عن راع فوجئ بحركة نشطة وحيوية لغنمه، أكثر من المعتاد، بعد أن أكلت من شجرة معينة، وهو ما دفع الراعي لتناول ثمار هذه الشجرة، وبالتالي وجد زيادة في نشاطه وحيويته، كما قيل ان أول من اهتدى إليها هو أبوبكر بن عبدالله العيدروس، وكان صوفيا، فعندما كان في إحدى سياحاته أكل من ثمار إحدى الشجرات، ما أدى إلى تنشيطه، فوجد بها ضالته التي تسهم في سهره وتنشيط عبادته، ولهذا أرشد اتباعه إليها، ثم نشرها في الحجاز واليمن ومصر.
انتشار
من المعتقد بأن الأثيوبيين، أجداد قبيلة أورومو، كانوا أول من اكتشف وتعرف إلى الأثر المنشط لنبات القهوة، ولكن لم يعثر على دليل مباشر يكشف بالتحديد، مكان نمو القهوة في إفريقيا، ويعود أقرب دليل إلى منتصف القرن الخامس عشر، في الأديرة الصوفية في اليمن.
انتشرت القهوة من اليمن إلى مصر وإثيوبيا، ووصلت إلى أرمينيا وبلاد فارس وتركيا وشمال إفريقيا، ولعبت القهوة منذ اكتشافها دورا مهما على مر التاريخ، إذ استخدمت في إفريقيا واليمن في الاحتفالات الدينية، وهذا ما دفع الكنيسة الأثيوبية لمنع استهلاكها المدني، حتى عهد الإمبراطور منليك الثاني، كما حظرت في العهد العثماني في تركيا في القرن السابع عشر لأسباب سياسية، حيث ارتبطت بالأنشطة السياسية المتمردة في أوروبا.
وتتميز شجرة البن بطولها الذي يصل إلى ستة أمتار أو أكثر، لكنها تقلم كي لا تتجاوز الأربعة أمتار، وأزهار شجرة البن بيضاء اللون، وثمارها حمراء، ويكون تلقيحها ذاتياً، وتستكمل الشجرة نموها في ستة أعوام. لتحصد من بعدها بذور البن بالآلات عن طريق هز الشجرة.
فوائد ومضار
لا يزال الجدل مستمرا حول ما إذا كانت الآثار العامة للقهوة إيجابية أم سلبية، ولم ينجح الأطباء والباحثون في حقل التغذية بتحقيق إجماع مقنع حول تأثير وفعالية القهوة في الجسم، فغالبية الدراسات الطبية تناولت الأخطار التي يسببها الإسراف في تناول القهوة، ولم تهتم بشكل حقيقي بتأثيراتها الإيجابية، إذ أظهرت الدراسات اليابانية الجديدة أن تأثير القهوة الفيزيولوجي يصب في خانة الإيجابيات، وشربها المعتدل يقلل من خطر الإصابة بسرطان الكبد، ويهب شاربها نوعا من الوقاية من مرض الشلل الرعاش.
ولكن بالمقابل لا يمكن التغاضي عن سلبياتها، إذ ربما تسبب الأرق والعصبية، وزيادة ضربات القلب، وغير ذلك. ولهذا تنصح الجمعية الألمانية للتغذية بشرب القهوة بشكل معتدل، وتؤكد المتحدثة باسمها أنه لا يوجد قاعدة معينة تطبق على جميع الناس، حيث ان تفاعل شخص قد يختلف عن الآخر، لكن يجب عدم تجاوز الأربعة فناجين يوميا.
أنواع
من الصعب حصر أنواع القهوة، فهي تختلف حسب تفن كل شعب من الشعوب بطريقة صنعها، ولكن يمكن القول إن أشهرها القهوة العربية، وهي خفيفة توضع فيها حبات الهال، وعادة ما تكون مرة خالية من السكر، وتقدم في فنجان صغير، فمه أوسع من قاعدته. أما القهوة التركية فهي ثقيلة غامقة، تصنع على الأغلب من حبات القهوة البرازيلية، وتطحن بدرجة ناعمة وتختلف بطريقة تحضيرها، ما بين الغلي الجيد أو السريع، وكذلك بالنسبة للسكر الذي يوضع بدرجات متفاوتة، وهي تقدم في فنجان صغير بيد، مع صحن. وتعتبر فناجين القهوة التركية الأكثر شهرة واستخداما في العالم. وهناك أنواع أخرى مختلفة لم تعد حكرا على الدولة التي صنعتها، وذلك مثل الإسبرسو والكابوتشينو في ايطاليا، والموكا وقهوة الحليب الفرنسية، والقهوة الإيرلندية، وقهوة فيينا. وغيرها الكثير.
سيرة القهوة
في كتاب جاء بعنوان (غواية الاسم- سيرة القهوة وخطاب التحريم)، يسرد الناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي، سيرة القهوة ويستعرضها أولاً بوصفها مفردة في اللغة العربية، من بين الكثير من المفردات التي نستخدمها وتعيش معنا منذ آلاف السنين، دون أن نتوقف عند دلالاتها وتاريخها، إذ ان القهوة تحمل تأريخا جدليا مع الخطاب الديني. وكانت في ثقافة الإنسان العربي واحدة من أسماء الخمر، ومشروبا دارت حوله الكثير من الجدليات حول التحريم والتحليل في الخطاب الديني، وهو ما جعل البعض يتخذ موقفا من القهوة شبيها بموقفه من الخمر.
وتناول السريحي ما دار من روايات حول اكتشاف القهوة ونبتة البن، ومن ثم تطرق إلى تجليات القهوة بدءًا من تلبس اسمها بالخمر، وما وصفه الصوفيون من كرامات تتصل بها، وما يتصل بذلك من عوالم تبدو غريبة، مثل موقف الاحتجاج ضد تحريم القهوة، ثم تعرض القهوة شاربها للاستهجان، وذلك في القرن العاشر الهجري، وكيف كانت ترتبط حينها بمجالس اللهو واللعب والشطرنج والغناء والرقص واجتماع النساء بالرجال. وقال السريحي: (إذا كان التحريم لم يحل دون احتفاء من لم يجدوا ضيرا في التغني بها، على اعتبار التغني بها فنا من فنون الشعر العربي أصوات الخمريات وعرق بهاء شعراء أوشكوا أن يجعلوا شعرهم وقفا عليها أو زاوجوا بينها وبين ما يدور في مجالسها من لهو وطرب وتغزل بالنساء والغلمان). كما تحدث عن عوالم أخرى كصفاء الذهن الذي رأى فيه المتصوفة مرادهم بالقهوة. ليتوقف من بعدها عند ما انتهى إليه أمر التحريم، قارئا الحقول الدلالية للتصور الذي ربطها بالخمر، سواء في التسمية أو العادات المتبعة عند شربها، كما يتوقف عند الحجج التي قدمها من ينتصرون للقهوة والتي مكنتهم من إصدار فتوى تخالف وتناقض فتوى التحريم، لتعود من بعدها إلى بقية أصناف الطعام والشراب مما هو حلال، وقال السريحي بهذا الشان: (صاحب انتقال شرب القهوة من بيئة المتصوفة إلى بيئة العوام ما اسماه الشيخ المزجد اختلاف الأمزجة بين الناس، فكان انتقالها إلى العوام، انتقالا في المقاصد والنوايا التي تبعث إلى شرب القهوة). وكما رأى، أن كل تلك الأنساق الثقافية المتصلة ببعضها، من الديني والاجتماعي والتاريخي، يشكل سيرة القهوة وحكايتها. وقال في تفسيره لما عرضه: (هل لي أن أزعم بعد ذلك كله، أن هذه الصفحات محاولة لاستعادة ذاكرة الأمة وطرق تفكيرها، حين تحب وحين تكره، حين تقبل على ما تقبل عليه، أو تصد عما تصد عنه).
وفي إحدى صفحات سيرة القهوة، قال السريحي، متسائلا وقارئا لواقع المفردة وما اتصل بها من عوالم أخرى: (القهوة المادة والقهوة الاسم والقهوة الغواية). وهل يمكن أن نعيد الاعتقاد الشعبي الذي يرى أن لخطوطها في بقية القهوة في الفنجان القدرة على استشراف المستقبل ومعرفة الطالع، إلى تلك الروح الصوفية التي تتوارى خلف تاريخ التعرف إلى القهوة وما ارتبطت به بعد ذلك، مجالس الذكر والعبادة والتأمل، وكأنما القدرة على قراءة المستقبل من خلال ما تتركه بقاياها في قعر الفنجان وحوافه من خطوط استشفاف لروح الولي الكامن فيها واستنطاق لما يمكن أن يفضي به من أسرار.
قراءة الفنجان
تعتبر قراءة الفنجان عادة تركية قديمة، وكان الأتراك يقومون بها في المعابد، فعندما يرغب شخص ما بمعرفة مستقبله، يذهب إلى المعبد، وقبل دخوله يشرب فنجانا من القهوة التركية، وبعد ان ينتهي يدخل المعبد ويؤدي طقوس عبادته، وبعد انتهائه من العبادة يخرج ليلاقي رجل الدين بانتظاره، ليخبره عن مستقبله وطالعه. ويقال ان قلب الفنجان على الصحن يحتاج إلى مهارة، وكذلك الأمر بالنسبة لفك الطلاسم، كما يقال ان انتشار قراءة الفنجان ساهمت فيها امرأة شامية، تدعى شمس، ورجل حلبي يدعى حكم، حيث افتتحا مقهى في اسطنبول، بسبب مهارتهما في صنع القهوة، وبعدها ظهرت قارئة الفنجان في تلك المقاهي، وذاع صيتها، ومازالت قراءة الفنجان عند البعض في هذا الزمن، مهنة ومصدر رزق. وهنا لا بد أن نذكر كيف تفاعل الشاعر نزار قباني مع هذا الطقس، في قصيدته (قارئة الفنجان)، والتي غناها المطرب عبدالحليم حافظ.
