مشهد آخر للجدارية الروسية التي خرجت من تحت عباءة الثلوج التي تلعب دور البطولة فيها الدببة القطبية ومن خلفها أشعة شمس تطل بالكاد، تنكسر أشعتها أمامه بلوحة متراكمة عنيدة مصرة على حضورها القوي والمتفرد حتى يعلن الصيف حضوره المتردد على المكان.. مشهد لا يقل جمالاً وروعة.. الأسواق التراثية الروسية تلفت الأنظار بحضور مختلف، يطل من سجلات التاريخ نعم.. هكذا تلفت الأنظار دمى »الباتريوشكا« الخشبية التي تتداخل
مع بعضها البعض، والمنمنمات الأبنوسية يدوية الصنع تعكس التاريخ الروسي وملامح من الحاضر.
وراء فنون الشعب أناس يسطرون باللون والحفر والمهرجانات مفردات لابد من الالتفات إليها، ففي كل صيف تفتح الحوانيت الخشبية الملونة المسقوفة بأسقف بلاستيكية منقوشة بألوان الصيف.. تفتح أبوابها لتحكي حكاية فنون الشعب الروسي..
مهرجان الشاي.. واحد من أكبر المهرجانات الروسية استقطابا للإنسان، ومخاطبة الحس الثقافي والحضاري لديه، في مقابل كاتدرائية «سانت بازيل» على حافة الميدان الأحمر العملاق الذي يتوسط موسكو العاصمة، يبدأ مهرجان الشاي الدولي العالمي الذي تعكس روسيا من خلاله كل فنونها التراثية في مجال صناعة أواني وآباريق الشاي التي اتخذت مكانا لها بين الفنون التراثية على خريطة العالم.
تظهر فتيات روسيات بملامح دقيقة وبشرة بيضاء تحاكي ثلوج الشتاء يصببن الشاي من الآباريق المصنعة يدوياً والمنحوتة بألوان تلمع تحت إنكسارات أشعة الشمس الصيفية، وتعرف هذه الآباريق التراثية باسم «ساموفار» عبارة عن أبريق من البورسيلين بألوان ساخنة، كالأرجواني والتركواز.
والأحمر الذي يغازل قبة الكرملين في لونها المشابه له ، الإبريق منحوت بأشكال تقليدية مختلفة عرف بها الفن الروسي منذ القدم ويتميز بكبر حجمه الذي يأخذ الشكل المستطيل والذي ينتهي بصنبور من اللون الذهبي الخالص منه يسكب خليط الشاي الأسود والأرجواني والأبيض وهي خلطة شاي روسية يتهافت عليها كل من تطأ قدماه بلاد الثلوج والفنون، والباليه والابنوس والماتريوشكا.
جنباً إلى جنب مع مهرجان الشاي وآباريق «الساموفار» في مهرجانات الصيف الروسي، تطل دمى خشبية عملاقة تتداخل في بعضها البعض من الأكبر إلى الأصغر، لا تلفت فقط عيون وعقول الصغار خاصة الفتيات، نظراً لألوانها الاخاذة المتدرجة بكل ألوان الطيف والألوان الساخنة كالأحمر والبرتقالي والأخضر اللامع، وإنما أيضاً تستوقف كل باحث ومثقف يقرأ تاريخ البلاد من خلال هذا الفن الخشبي يدوي الصنع.
حيث تعكس الدمى المعروفة «بالماتريوشكا» ـ تعكس ـ رموز الحكام وكبار الساسة في تاريخ روسيا، ابتداء من جورباتشوف وانتهاء بفلاديمير بوتين مرورا بليونيد بريجنيف، يطلون على شكل دمى الباترلوشكا في ميدان سانت بيرسبورج ـ وكأنهم شاهدين على مختلف العصور والاحقاب التاريخية لهذا البلد الممتد على مساحة أكثر من ألف و800 كيلومتر هي مساحة العاصمة موسكو وفقاً لما تنشره وزارة التخطيط الروسية، فهي العاصمة العملاقة على مستوى العالم .
والتي تقع على نهر موسكو بكثافة سكانية 11.2 مليون نسمة، حسب احصائيات عام 2005، وتعتبر موسكو بلاد الحضارة والفنون والثقافة أكبر وأكثر المدن تطوراً في الولايات الروسية المطلة من تحت عباءة التاريخ، والتي تجذب كبار المستثمرين من كل بقاع العالم.
نظراً للتقدم الهائل في بنيتها المتقدمة الحديثة، وعدد كبير من الفرص التجارية التي تفتح ذراعيها مرحبة بكل المستثمرين الأجانب، وربما من هنا تستقطب موسكو أعدادا هائلة من رجال الأعمال الذين يقضون أوقاتهم في المتاحف والمكتبات العملاقة، ومزارات المهرجانات والتحف السياحية والمتنزهات والمعالم الرياضية.
ومشهد الزائرين للبلاد يتكثف في الميدان الأحمر بصفة خاصة والمعروف بإطلالته الفريدة عاكساً همينته على البلاد، يطل الناس من تحت القبب الحمراء في ثيابهم التقليدية والحديثة معاً وحركة بيع وشراء على التهاتف على الموروثات الشعبية الروسية التي تتقدمها ومن الماتريوشكا التي يزيد الإقبال عليها في أوقات الانتخابات الروسية للحكام والساسة، فهي تعكس بدورها حضورهم السياسي القومي، وتعتبر واحدة ضمن العديد من الترويج لبرامج المرشحين.
وجنباً إلى جنب مع «الساموفار» (غلاية الشاي الروسية التقليدية والماتريو شكا الملونة «الدمى الخشبية» توجد إطلالة أكثر نعومة، وثقافة وفن، إطلالة المسارح الروسية التي تعرض أكبر عروض باليه «البولشوي».
الرقص الايقاعي المعروف للعالم كله، حيث أصبحت مؤسسة مسرح باليه البولشوي مؤسسة عالمية، معها توجد مسارح أخرى عريقة مثل مسرح مالي ومسرح موسكو للفنون الرفيقة الجميلة.
ولا تقتصر مهرجانات الصيف الروسية على كل هذا فحسب وإنما تطل الفنون والثقافة الروسية من نحو 75 متحفاً وصالة عرض تجتذب عشاق التاريخ الوطني، حيث يعرض في متحف لينين المركزي معروضات تخص الثورة الروسية، كما تعرض ثروات القياصرة في المتحف الحربي في الكرملين، ويشاهد في معرض الانجازات الاقتصادية أهم الانجازات في مجالات العلوم والتكنولوجيا.
العلب الخشبية الأبنوسية، منمنمات راقية تعكس بالفن الملون والنحت اليدوي تاريخ البلاد، وأهم مزاراتها، تطل هذه المنمنمات الشهيرة عالمية جنباً إلي جنب مع الفنون الروسية من واحد من أعرق أسواق موسكو والمعروفة باسم سوق «الأربات» ويقع في منطقة شعبية تحمل الاسم نفسه في وسط موسكو العاصمة تصبح بأعداد هائلة من المتاجر التي تبيع الفنون التراثية، وسلسلة من المطاعم العملاقة التي تقدم الأطعمة التقليدية وأهمها حساء السمك، الذي يباع على طريقة «التيك أواي» في أكواب فخارية يحتسي منها الزائرون ألذ حساء على الاطلاق.
حيث يقدم معه قطيعات السمك المقدد المخلوط بالزنجبيل، أيضاً يباع في المكان ذاته علب من المعدن الذهبي والفضي بداخلها «الكافيار» الروسي الأشهر على مستوى العالم، وتعتبر العلب ذاتها تحفة فنية رائعة تعكس بالألوان الأخاذة تفاصيل رحلة الصيادين وصناع الكافيار الروسي.
وتمتاز أسواق موسكو وأشهرها أسواق منطقة «الآبات» بالفرق الموسيقية الفنانون المتجولون والمجادلات السياسية، كل ذلك وأكثر يجعل من هذه الأسواق مزارات خاصة جداً لا مثيل لها في العالم.
وتوجد في منطقة «الآبات» رقعات للشطرنج عملاقة مرسومة على الأسفلت، وعليها إقبال كبير من المتسابقين والمتخصصين في هذه اللعبة التي تعتمد على الذكاء وسرعة التفكير والمراوغة والدهاء، ويحيط بالمكان حراسة حتى لا تحدث حوادث نزاعات بين المتسابقين.
جنة التسوق الروسي تتخذ مكاناً لها في أحد أطراف الميدان الأحمر، تعج بالباعة الذين يبتاعون كل ما هو تاريخي وتقليدي. أهم ما يباع كتب التاريخ الروسي في شكل مميز، حيث انها مطبوعة على ورق من الحرير ذو اللون الذهبي المميز، وباعة متجولون يتنافسون في بيع الماضي والحاضر معاً، فالبلاد ثرية في كل حقبة من تاريخها..
والطريف ان يصاحب هؤلاء الباعة سيدات مسنات يبعن الشاي الأبيض في الآباريق التقليدية، ومعه شطائر الأسماك والكافيار.. فهذه الأسواق وجبة دسمة من الفنون والتراث والحاضر معاً، وهذا ما يميز هذه الأسواق عن غيرها على مستوى العالم، وكأنها كتاب روسي مفتوح تعكس صفحاته تاريخ شعبه التواق لكل ما هو فني وعريق.
«سوق اسماعلوفا»
واحد من أشهر أسواق بيع الفنون والمنمنمات الروسية والإيقونات الملونة المحفورة يدوياً، وهو مكان يطل من التاريخ أيضاً، حيث يعكس التماثيل الخشبية الروسية في حرفية عالية مثل حفر شكل الكرملين على منمنمات خشبية ملونة، تصدر صوتاً موسيقياً وتعمل بالبطاريات التي تجعلها تتحرك في كل الاتجاهات، تباع وسط مهرجانات للموسيقى والفنون الروسية في سوق اسماعلوفا الشهير، فيه أيضاً تباع راقصات باليه البولشوي الشهيرات.
والطريف بأن السجاد الروسي العتيق يتخذ له مكاناً وسط هذه الفنون، يعرض للبيع وأيضاً للمشاهدة حيث يخصص السوق مكاناً للحرفيين المتخصصين في نسج السجاد الصوفي الملون على النول اليدوي الشهير.
مصورون ومكاتب بريد متجولة في سوق الاسماعلوفا لإرسال فوري لبطاقات سياحية روسية تطير في كل الدنيا ـ ويمكن للزوار تسجيل شكلهم عن طريق الرسم أو التصوير لإرسالها لذويهم.
كل ذلك وأكثر يخرج من تحت عباءة الثلج الروسي الذي كان يلين ويذوب. في صيف موسكو الحار، فتنتعش حركة البيع والشراء وازدهار الترويج لأعرق السلع الروسية.
بلاد القديم والحديث في تعايش متوازن رائع، فنون وثقافة، مساحات شاسعة هي تتنفس لكل من تطأ قدماه موسكو.. عاصمة كل قديم وغريب متجانس مع حاضر متقدم يخطف الأبصار.
بحيرة البجع للأطفال فقط
نموذج من مشاهد من مسرحية باليه بحيرة البجع، تعرضها مسارح خاصة بالأطفال فقط، يرتدون نظارات تجسد الشكل والمضمون لهذه المسرحية العالمية، ويضعون سماعات في آذانهم من خلالها يستمعون لشرح واف لهذا العمل الرائع المميز.
بالإضافة إلى أن هذه المسرحية وغيرها الكثير تدرس ضمن المناهج الدراسية في المدارس الثانوية والمعاهد الفنية المتخصصة في المسرح والباليه.
أبحاث يقدمها الأطفال بعد مشاهدة مثل هذه العروض ــ يقربونها لمدارسهم ـ لقياس نسبة استيعاب الفنون.. هكذا ترتقي الشعوب من خلال هوامش الثقافة والفنون وهما وجهان لعملة واحدة هي التقدم والرقي.
ورش عمل
حتى لا تندثر الفنون القديمة التراثية مثل دمى الماتريوشكا وآباريق الشاي التقليدية «ساموفار» تقام ورش عمل صيفية تجتذب الأطفال والشباب للتدريب على نحت وتلوين هذه الفنون تحت إشراف فني عالي المستوى من الحرفيين الأصليين.
والجميل إن هذه الورش تقام في قاعات المسارح والمتاحف وأيضاً في الهواء الطلق بجوار رقع الشطرنج المرسومة على الأسفلت.
مكافآت مادية ومعنوية وشهادات تقدير لكل مبتكر ضيق، حفاظاً على تراث أمة وتقاليد شعبها.



