لا تزال غالبية مدننا العربيّة الحديثة، تعاني من مظاهر مختلفة تشير إلى وجود حالة تردٍ في الذوق العام ضمنها، سواء لناحية عمارتها التلفيقيّة الهجينة التي تنتمي لكل الطرز المعماريّة العالميّة إلا لتراثها وبيئتها وخصوصيّة المكان الناهضة فيه، أو لناحية تباين واختلاف »آرمات« المحال التجاريّة، والفنادق، والمطاعم ومؤسسات الدولة ودوائرها واللوحات الإرشاديّة والتوجيهيّة...
بات الفقر الجمالي، وتردي الذوق العام، في مدننا العربية، يطول القديم والحديث فيها. وبخاصة مع تشعب وازدياد أبنية الفقراء المعدمين (المخالفات) والميسورين الذين أنفقوا عليها أموالاً طائلة، لكنها خرجت بالقليل من الجمال والذوق!
تكريس البشاعة
لا يحتاج الزائر لمدننا العربيّة المعاصرة، إلى جهد كبير، ليكتشف أنه رغم الحداثة الملتبسة التي ترفل بها، فإن ثمة بشاعة تتكرس، وبشكل مخيف، في مرافقها المختلفة، الخاصة والعامة، الخدميّة منها والسكنيّة. أي في السوق والشارع والساحة ومداخل المدن والبلدات، وفي البيت السكني الهجين والمتباين والطارئ على بيئتنا العربيّة المتفردة.
بمعنى آخر، البشاعة موجودة في العمارة الخاصة، وفي العمارة العامة. الأولى تنعكس على الثانية، والعكس صحيح أيضاً، فـ (المايسترو) غائب هنا وهناك، وحدها الفوضى والارتجال والمزاجيّة الشخصيّة، من يتحكم بعمارتنا وآرماتنا، مفضيّة بذلك، إلى كل هذه البشاعة والتلفيق والتهجين والتنافر العجيب!
والسؤال هنا: لماذا غاب الجمال والتنظيم والترتيب، من عمارتنا وآرماتنا، وحضر التلفيق والتهجين والتنافر البشع؟
اضطهاد يومي
ثمة أسباب عديدة، تكمن خلف ذلك، بعضها يتعلق بذوق الفرد ومزاجه غير المنضبط أو السليم، وبعضها الآخر، تتحمل مسؤوليته الدولة، ممثلة بالبلديات ومجالس المدن ومهندسيها الأشاوس، الذين لم يشغلوا بالهم كثيراً بدراسة الخصائص البيئيّة والاجتماعيّة لبلادنا وإنسانها، وابتكار الطرز الملائمة والمنسجمة والمتوافقة مع البيئة الطبيعيّة والمناخيّة والبيئة الاجتماعيّة، وإنما اكتفوا بانتظار ما يضعه المهندس الأجنبي، من طرز وتخطيطات وتقانات، ومن ثم استيراده بنسخة مطابقة فإقحامه في بيئاتنا العربيّة التي باتت تنوء بثقل ما يُستورد من طرز معماريّة.
وتنظيم مدن غريبة وهجينة، كان بالإمكان الاستغناء عنها، أو تطويعها لتتوافق وتنسجم، مع المكان الناهضة فيه، بقليل من الجهد والدراسة، للحاجات الماديّة والروحيّة التي تتطلبها بيئتنا، ويحتاج إليها إنساننا الذي بات يعاني في تنقله اليومي، بين مكان عمله وتأمين مستلزمات عيشه ومسكنه، من اضطهاد يُمارس على بصره وأحاسيسه وحركته، بشكل يومي، مرده، مظهر بشع، وظاهرة خاطئة، وأسلوب شاذ، يطل من هذا البناء، أو تلك «الآرم»
إن هذا الاضطهاد اليومي، قد لا يدرك سببه المواطن العربي، ولا يعي بشكل واضح مصدره، فهو يشعر به ولا يقدر على تفسيره، أو الهرب منه، ما يجعله في حالة من الكآبة الدائمة، تنعكس سلباً على إنتاجيته وعلاقاته مع الناس حوله، في البيت والعمل. وقبل هذا وذاك، على توازنه مادة وروحاً.
إحالة ضروريّة
من المؤكد، أن بعض الدول العربيّة، نتيجة لعوامل عديدة: ماديّة وفكريّة، تمكنت من إشادة مدن منظمة، مرتبة، وعلى قدر كبير من الجمال، لكن معظمها، ظل في حدود الجمال الهجين والملفق والطارئ على البيئة والإنسان والتراث الذي جاء متساوقاً مع حاجات الإنسان العربي الماديّة والروحيّة.
وللتأكد من صحة ذلك، نحيل القارئ إلى الخليط العجيب الغريب من الطرز المعماريّة السائدة في عمارة مدننا وأساليب تنظيمها، حيث تحتضن كل ما أفرزته العمارة الحديثة من أشكال وطرز وأساليب ومواد، وتغيب عنها (إلا في عدد محدود من الأبنية القديمة أو الرسميّة) الخصيصة المعماريّة المحليّة التراثيّة.
وهذه الخصيصة هي التي وسمت عمارتنا العربيّة، قبل اكتشاف الاسمنت، وانتشار استخدامه في العمارة المعاصرة، بل وسطوته عليها، وها نحن نجابه اليوم، مزاحمة الفولاذ والزجاج والبلاستيك، ونظام الأبراج له عليها، مكرسة بذلك، هذه المواد والخامات الجديدة، غربتها وهجانتها وبرودتها وعزلة ساكنيها عن بعضهم البعض، وعن الأم الرؤوم (الطبيعة) والفضاء الواسع!
وقد يبرر البعض انتشار البناء الشاقولي، بقلة المساحات المخصصة للبناء، والحاجة الماسة لأعداد البشر المتزايدة يوماً بعد يوم، للسكن والمأوى، وبروز نزعة الفرديّة والانعزال، لدى الناس. إذ لم يعد ممكناً للعائلة الواحدة أن تعيش مجتمعة في بيت واحد كان يدعى (بيت العائلة)، الأمر الذي يتطلب إيجاد مسكن خاص لكل فرد من أفرادها، كيفما كان.
وبأي شكل كان.يضاف إلى ذلك، عدم إمكانية غالبية الناس، من تأمين المنزل المفرد، مع ملحقاته من الفضاءات والفسح السماويّة، التي كانت سائدة في البيت العربي القديم والمؤلف من طابق أو طابقين فقط. فمثل هذه البيوت مكلفة مادياً، وتحتاج إلى مساحات واسعة من الأرض، وشبكة كبيرة من البنى التحتية كالشوارع، والصرف الصحي، ومياه السقاية، والطاقة للتدفئة والتهوية.
ومع ذلك، كان بالإمكان، منح ما يُشاد من أبنية ومدن، هويّة تصميميّة معماريّة خاصة، تجعلها ابنة بيئتها وتراثها، وهو ما فعله القيمون على العاصمة العُمانيّة (مسقط) التي يشعر الزائر لها، منذ أن تطأ قدماه أرض مطارها، أنه في مواجهة بلد عربي إسلامي. ويتأكد هذا الانطباع، عندما يواجه معمار المدينة المستقر في فضاءات رحبة، مزينة بالأشجار والعشب والأزاهير والتنظيم المدهش.
وقبل هذا وذاك، بانعدام ناطحات السحاب في هذا المعمار، ووجود لمسة تراثيّة جميلة ومعبّرة، على كل مبنى، سكنياً كان أم خدمياً، ومرد ذلك، وجود تشريع صارم يفرض وجود هذه اللمسة، في كل ما يُشاد من أبنية، مهما كان حجمها أو شكلها أو وظيفتها، وهذا ما كان يجب أن تفعله البلديات ومجالس المدن، والمؤسسات الأخرى المعنيّة، في مدننا العربيّة، بقطاع البناء وتنظيم المدن، قبل أن تنهض كل هذه العمائر الملفقة والهجينة في مدننا وبلداتنا.
عشوائية «الآرمات» والتزيينات
كما تُرك الحبل على غاربه، للمهندسين والمصممين المعماريين، تُرك أيضاً، لمصممي الآرمات وخطاطيها، لنجابه من جديد، خلطة عشوائيّة في أشكالها وطرز خطوطها وحجومها وأماكن توضعها. فهي متنوعة ومختلفة إلى حد البشاعة والنشاز، ومزحومة تطول واجهة البناء، وتتسلق جدرانه، وأعمدة الإضاءة، والهاتف، وكل ما نفر أو غار، من المنشأة المعماريّة.
وفي أحايين كثيرة، تسكن الأسطحة، وترصع واجهات المحال التجاريّة وزواياها وأطرافها. توضع في مدخل الشارع أو الحي، وفي مخرجه، لتعلن بكل الألوان والحجوم وطرز الخطوط، عن عيادة هذا الطبيب، أو تلك الصيدليّة، أو الفندق، أو المؤسسة، أو المحل، أو المكتب، أو المنتوج التجاري.
وكل ذلك، دون ناظم لشكلها وألوانها وحجومها أو مكان توضعها أو نوع خطوطها (كوفي، ثلث، رقعة، فارسي، ديواني، حديث). أضف إلى ذلك، الأسلاك التي تضيؤها والهاجمة إليها من فوق، أو تحت، أو من اليسار واليمين، مشكلة مع فوضى أسلاك الهاتف، شبكة عنكبوتيّة يعجز أي فنان تشكيلي سريالي عن ابتكار لوحة مماثلة لها، لغرابتها وطرافتها ولا معقوليتها.
أفكار واقتراحات
يبدو أننا نحن العرب، مولعين، وإلى حد بعيد، بالألوان الزاهيّة المتضادة والفاقعة، وهو ما تعكسه بجلاء ألوان الآرمات ولوحات الإعلان والدلالات، في مدننا وبلداتنا التي لا تزال بحاجة إلى شعارات (لوغو) تدل عليها، وتختزل برموزها وكتاباتها، وما تشتهر به، إن كان على الصعيد الثقافي أو الاقتصادي أو الاجتماعي.
كما هو سائد في بلدان العالم كافة. فلماذا لا يكون لدمشق وحلب وحمص وحماة واللاذقية وأبو ظبي ودبي والشارقة ورأس الخيمة. وغيرها من المدن العربيّة (لوغو) يذهب بالمتلقي إليها، بمجرد أن تقع عينه عليه. (لوغو) يعمم على الأوراق الرسميّة الخاصة بالمدينة أو البلدة، ويرصع مبنى بلديتها، وباقي المباني الرسميّة، حيث يتحول وجوده على الآرمة إلى قرينة تدل على أن المبنى الذي أمامنا هو من المباني الحكوميّة؟
ثم لماذا لا نوحّد آرمات الأطباء والمحامين وذوي المهن المختلفة، والمحال التجاريّة والخدميّة، لوناً وشكلاً وطرازاً محدداً من الخطوط، بحيث تصبح هذه الآرمة، قرينة للمهنة، ليستدل عليها حتى الإنسان غير القادر على قراءتها.
ومن جانب آخر، يجب تحديد المكان والكيفيّة التي تُزرع بها الآرمة على البناء والمحال التجاريّة والمكاتب، بحيث لا تشوه ولا تشوش على بعضها البعض، ولا على المنظر العام للشارع والحي، ولا على العمارة وإيقاعها ضمن النسيج العام للموضع الموجودة فيه. كما يجب دراسة شكل وألوان وطرز خط الآرمة، بالاعتماد على الألوان السائدة في المكان الذي ستوضع فيه، بحيث تبرز هي والمعلومة التي تريد أن تقدمها للسابلة، وفي الوقت نفسه، لا تخلق حالة من النشاز والتضاد مع ما حولها من عناصر معماريّة أو طبيعيّة.
إن الإيقاع المنسجم بين العمارة وما تحمل من آرمات وإشارات دلاليّة (توجيهيّة أو إعلانيّة أو إعلاميّة)، وبين العناصر الطبيعيّة والفراغ المحيط، حالة مطلوبة بإلحاح، في مدننا وشوارعنا، لتوفير مشهد بصري، يحترم الذوق العام ويُريح البصر، ويساهم في تنمية الذائقة الجماليّة لدى مواطنينا.
والتي يعتبر الشارع المرتب والنظيف والمدروس، كتلةً وفراغاً وألواناً، من أهم وأبرز وسائل تكريسها في بصر وبصيرة الناس الذين يرتادونه مرات عديدة في اليوم الواحد، سواء راجلين أو في وسيلة نقل خاصة وعامة. وبالمقابل، فإن البشاعة، والفوضى، وغياب التنظيم، ووجود النفايات والأوساخ في الشارع، تخلق مشهداً بصرياً مستفزاً للعين والشعور.
الأمر الذي ينعكس سلباً على نفسيّة الناس، وعلى أدائهم السليم والصحيح في الإنتاج والعمل. والأمر نفسه، ينسحب على مكان عملهم: مكتباً خاصاً، أم عاماً، أم مؤسسة، أم معملاً، أم مدرسة، أم جامعة. فالمكان النظيف، المريح، المنظم، المزدان بالخضرة، والأثر الفني المجسم (تماثيل وكتل فراغيّة)، والمسطح (اللوحات والآرمات والإشارات الدلاليّة)، هو يلجم التوتر والقلق في الإنسان، ويوفر البيئة الصحيّة لنجاحه في عمله، وزيادة إنتاجيته، بل وتحسينها باستمرار.
تشريع ضروري
كما يجب على المشرع العربي، وضع قرارات خاصة تدعم الارتقاء بالذوق العام في الشارع الذي هو ملك للجميع، وعلى الجميع المحافظة عليه وحراسته من تسلل البشاعة إليه، ويكون ذلك، بوضع غرامات ماليّة رادعة على كل من يسيء إلى المظهر العام النظيف والجميل والمنظم، إن كان ذلك من خلال إقحام عمارة هجينة وغير منسجمة مع محيطها، أو آرمة مرتجلة وفجة، شكلاً وألواناً وخطوطاً.
أو بالتعدي على موجودات الشارع من أشجار وأزهار وعشب وأرصفة. وهو ما تتبعه الدول المتطورة كافة. ففي ألمانيا، يُغرم المعتدي على مظاهر الذوق العام في الشارع، بدفع غرامة مالية قدرها عشر ماركات. ومن ذلك، المشي على العشب، أو قطف الأزهار، أو إحداث ما يمكن أن يؤذي المارة، بصرياً وشعورياً، كنشر الغسيل في البلكونات أو النوافذ.
وهو ما حصل مع زميل لنا من جمهوريّة مصر العربيّة، كان يُحضر لدكتوراه في تنظيم الحدائق والمدن في ألمانيا، أواخر ثمانينيات القرن الماضي، عندما اضطرته الشمس الغاربة، لنشر جراباته المغسولة، في نافذة غرفته المطلة على شارع عام، لكي تسعفه أشعتها في تجفيفها بأقل وقت ممكن، لحاجته السريعة لها. وكنا جالسين معاً في ردهة البناء الذي نسكنه، عندما طُلب لمراجعة مكتب بواب البناء لأمر خاص.
وقد اعتقده في البداية، بأنه لوصول رسالة أو طرد، ولكن سرعان ما عاد وبيده ورقة صغيرة، وفي فمــه سلسلة من اللعنات والاحتجاجات، إذ قامت الشرطـــة بتغريمــه عشر ماركات، جراء نشره لجراباته في نافذة تطل على شارع عام يزوره الناس بكثافة، الأمر الذي أساء إلى الحالة الجماليّة المتوافقة والمنسجمة في الشارع، وبالتالي اعتبر هذا الأمر، اعتداءاً على الذوق العام، وهو أمر يستوجب العقاب، من أجل عدم إعادة هذه الفعلة مرة ثانية! والسؤال الذي يفرض وجوده هنا:
تُرى من يتمكن من إحصاء المخالفات الموجدة في شوارع مدننا وبلداتنا؟ وكم نحتاج من وقت لإنجاز ذلك؟
