بساط العالم من تدرجات الأخضر والبني والأرجواني، والذهبي الذي فتح الآفاق في مجال البحث العلمي..انه الشاي بقيمته في الاستخدام والدلالات الجمالية والحميمية الاجتماعية.
تعكس شهرة الشاي السريلانكي تاريخاً زراعياً عريقاً بدأ في العام 1752 عندما قدم إلى سريلانكا «جيمس تيلور» المسؤول الرئيسي عن تغيير الخارطة الزراعية في سريلانكا، وعمل «تيلور» في أحد أكبر مزارع البن في العالم لتحويلها من مزارع بن إلى مزارع الشاي، وكان جيمس تيلور مزارعاً متعلماً كرس كل وقته للتفاني في انتاج أفضل أنواع الشاي بأفضل طرق في زراعته وحمايته من أي آفات زراعية وأي تقلبات مناخية.
وكرس علمه وتفانيه بكل الدقة والصبر لجعل الشاي المحصول الرئيسي والأفضل على الإطلاق في سريلانكا وكل مدنها الريفية الشاسعة، ومن هنا جاءت شهرة الشاي السريلانكي. فقد تعاون «جيمس تيلور» مع الحدائق الملكية النباتية في مدينة «بيرادينيا» في سريلانكا.
حيث حصل منها على بذور الشاي الأولى ليقوم بالتجارب الزراعية عليها، وجعل من الكوخ الذي يسكن فيه في مزارع الشاي معملاً صغيراً لمعالجة أوراق الشاي في سيريلانكا، حيث يتم لف الأوراق على طاولات ومن ثم يتم تحميصها في أفران فخارية على جانبي الحقول الممتدة.
وفي العام 1769 انتشر وباء في مزارع البن في سيريلانكا مما أدى إلى لجوء المزارعين من زراعة البن إلى زراعة الشاي بحرفية عالية واشتهرت بها سريلانكا حتى اليوم، ويعتبر الشاي السريلانكي هو الأفضل على الإطلاق على مستوى العالم.
وقد استمر جيمس تيلور بكفاءة عالية في تطوير زراعة الشاي في سريلانكا حتى توفي بعد أربعين عاماً، من الجهود البناءة في مجال زراعة وتطوير بذور الشاي، وقد عبر «خون فيلد» المفوض السامي البريطاني لبريطانيا في سريلانكا وقتذاك بكلمات قال فيها: «يمكن القول ان جهود جيمس تيلور ومعاونيه، قد ساهمت في رسم الامتداد الطبيعي لهذا البلد الأشهر على مستوى العالم في زراعة أجود أنواع الشاي.
حيث ترون التلال الخضراء في هذا البلد بجمالها الذي تبدو عليه الآن يعود الفضل فيها إلى الإلهام الذي قدمه جيمس تيلور، الذي أسس زراعة الشاي في سريلانكا، حيث كان يبلغ انتاجها من الشاي وقتذاك 320 مليون كيلوغرام سنوياً والتي تمثل ثلاثة أرباع انتاج العالم للشاي في هذه الحقبة من تاريخ زراعته، وتقوم سريلانكا قديماً وحديثاً بتصدير نصف انتاجها منه للعالم مما يجعلها أكبر مصدر للشاي على مستوى العالم قديماً وحديثاً.
وماذا عن الصين ؟
انه البساط الأخضر اليدوي الصيني، (هكذا يطلق عليه الصينيون منذ بكورة زراعته في «طريق الخيول» في الصين وحتى اليوم)، حيث تمكنت الصين من تحويل طريق اسفلتي تسير فيه الخيول لنقل البضائع للدول المجاورة إلى مزارع خصبة لزراعة الشاي الصيني، المعروف بجودته وتعدد ألوانه من الأخضر بكل تدرجاته إلى الأرجواني، ومؤخراً اكتشف الصينيون في أواخر القرن الماضي نبتة تنبت بجوار شجيرات الشاي لونها ذهبي ولها نكهة الشاي نفسها.
و أكدت الأبحاث الصينية الحديثة بأن هذه النبتة تشفي من جميع أنواع السرطانات، ومازالت الأبحاث جارية على قدم وساق في المعامل الصينية على أعلى مستوى علمي وتقني، لأن هذه النبتة تحتوي على برادة الذهب الطبيعية التي أكدت الأبحاث على أنها فعالة في شفاء الخلايا السرطانية، وهو التكنيك نفسه الذي توصل إليه العالم المصري الدكتور مصطفى السيد في أبحاثه حول شفاء الخلايا السرطانية ببرادة الذهب.
بعيداً عن الحقول والأبحاث العلمية، فإن للشاي حضوره القوي في حياة المجتمعات المختلفة على امتداد العالم، فهو بالإجماع المشروب الأول بلا منافس.
ويشكل الشاي علاقة حميمة فيما بينه وبين الإنسان، ففي مصر يعتبر الشاي المشروب الأول للمصريين، معه يبدؤون يومهم وبه ينهون يوما شاقا، وكأن كوب الشاي المصري الصعيدي الذي يتميز بلونه الداكن بسبب كثرة طول مدة غليانه، يشارك في حمل الهموم المصرية، ويكفي للدلالة على ذلك ان مصر تستورد سنوياً أكثر من مئة ألف طن من الشاي بقيمة ما يقارب المليار جنيه مصري.
ويأتي ترتيب مصر من حيث استيراد الشاي الثانية على مستوى دول العالم المستوردة للشاي برغم معرفة المصريين للشاي، مقارنة بدول أخرى، فقد انتشر تناول شرب الشاي في مصر وقت الاحتلال الانجليزي للبلاد في العام 1882 بفضل تشجيع شركة الهند الشرقية البريطانية التي اسسها الميجور «روبرت بروست» في العام 1834.
وقامت الشركة بعمل دعاية كبيرة لمشروب الشاي بين المصريين الذين ارتبطوا به ارتباطاً وجدانياً، فإذا شعر أحدهم بالصداع يتناول كوب شاي «ليعدل الدماغ» واذا قام المصريون بأي عمل حرفي أو مهني أو ثقافي، لابد وأن يصاحبهم كوب الشاي «الكشري» على حد تعبير الطبقة دون المتوسطة التي يتناول الفرد فيها قرابة العشرين كوب شاي يوميا.
طقوس
يحضر الشاي في مصر في المقاهي الراقية، والمتدنية حسب طبقات المجتمع، وتشتهر مصر بما يعرف «بنصية الشاي» وهي عبارة عن ابريق وغلاية كبيرة داخل كشك صغير، ترص فيه الأكواب وغالباً ما يكون هذا المشهد بجوار مواقف الحافلات.
وغالباً ما يكون شايا ثقيلا فعليا، لا يخلو من الغش التجاري بوضع أنواع مختلفة معاً لإضفاء نكهة خاصة، ولكنها نكهة غير عالية الجودة، والجودة العالية تشهدها صالونات الطبقة الارستقراطية، حيث يقدم «السفرجي» أو «الدادة الفلبينية» حديثة الانتشار في مصر مراسم تقديم الشاي مع الحلويات الغربية، وفي الفنادق يقدم النادل الشاي بثيابه الرسمية.
وفي السعودية يشرب الشاي بعد غليه بالماء ووضع السكر عليه حسب الطلب وبنكهة النعناع أو الليمون أو الزعتر أو الميرمية. أما في السودان؛ فيتناولونه أسود اللون مضافا إليه كمية كبيرة من السكر والقرفة.
نكهة اماراتية
يشرب الاماراتيون الشاي في أكواب زجاجية مخروطية الشكل تحتها طبق صغير، وبنكهة الشاي بالقرفة أو الهيل أو الزنجبيل، وليس عليه إقبال كبير إلا باستثناء الجاليات العربية الموجودة في البلاد، ومن هنا نجد أكبر تجمع لطرق مختلفة في تناول وتقديم الشاي بسبب الهيكلة السكانية بالدولة.
وماذا عن المغرب العربي؟ الشاي هناك له طقوس جميلة يتناولونه مع أوراق النعناع في اباريق من الفضة وأكواب زجاجية مطعمة بالفضة ـ أيضاً يتناولونه بنكهة الياسمين.
وفي العالم طقوس غرائبية في تناول الشاي، ففي روسيا يتناولونه ممزوجاً بصفار البيض وعصير الليمون وسكر خفيف، ويغلونه في غلاية من البورسلين المقاوم للحرارة والمحفور يدوياً ومذهباً بذهب عيار 14 غرام توضع على صينية بورسلين بنفس النقوشات. أما سكان التبت فيشربون الشاي بعد خلطه بالملح والزبدة، ويعتبرونه علاجاً شافياً لنزلات البرد.
فوائد طبية
أما الصينيون واليابانيون، فيشربونه بنكهة الزهور المختلفة، من أهمها الياسمين والقرنفل، ولا مكان للسكر المذاب في الشاي لأنهم يعتبرونه مفسراً لمذاقه ومذاق نكهاته المختلفة، والأتراك يتناولون الشاي الأخضر ذا الأوراق الصغيرة، حيث توضع الأوراق في الأكواب ويصب عليها الماء المغلي المذاب فيه مقدار من عسل النحل التركي النقي.
وللطب الحديث رأي في تناول الشاي، خاصة الأخضر منه، حيث اثبتت الأبحاث في مصر والعالم الغربي بأن الشاي الأخضر يمنع التأكسد الذي يحدث بسبب تراكم الأطعمة في الجهاز الهضمي وخاصة القولون، وإنه أيضاً منق للكبد مزيل للدهون التي تراكمت عليه، والتي يطلق عليها «كبد دهني»، وهو يسبب العديد من المخاطر على الإنسان، أيضاً يعتبر الشاي الأخضر مدراً للبول منقياً للجهاز البولي مانعا لتكوين حصوات الكلى، بالإضافة إلى أنه منشط لجهاز الاحتراق في الجسم، فيؤدي ذلك لنقصان الوزن.
أما الشاي الأسود المعروف، فهو ينقي الحلق من تراكم أي بكتيريا ويسهّل عملية الابتلاع في حالات التهاب اللوزتين، بالإضافة إلى أنه منشط للذهن، وربما من هنا لا يكون مستحباً تناوله قبيل النوم لحدوث أرق لدى بعض الناس، رغم ثبوت العكس تماماً بأن الشاي يفضي إلى نوم سريع حسب الأبحاث الحديثة من جامعة بون بألمانيا.
أيضاً يدخل الشاي في تلطيف الهالات الداكنة تحت الجفون فيخفف منها، ويعيد للبشرة ليونتها في هذه المنطقة الحساسة من الوجه أيضاً، ويزيل انتفاخات الجفون، ويستخدم ايضا في ماء تُنقع فيه القدمان كملطف لهما وكمعطر ومزيل لأي تراكم بكتيري بين أصابع القدمين، بالإضافة إلى أن نصف كوب شاي أحمر يمكن خلطه بالحناء السوداء للحصول على شعر أرجواني اللون يتميز بلمعان طبيعي، وهو اللون الذي اشتهرت به الفنانة القديرة نبيلة عبيد.
مدارس
وللشاي ثقافة خاصة لدى الشعوب في منطقة جنوب شرق آسيا، وتعتبر اليابان الأبرز في هذا المجال، حيث تتميز الثقافة اليابانية المتفردة التي تتناول بعمق مختلف جوانب الحياة الاجتماعية اليابانية، ولعل من أهمها ما يعرف باسم «سادو» ومعناها طريقة عمل الشاي أو حفل تقديم الشاي،.
وهناك مدارس يابانية ومراكز لتعليم الطرق اليابانية الكلاسيكية لتناول الشاي وتقديمه أيضاً، وهي تمتد في عمق التاريخ الياباني، و«السادو» يرجع تاريخه إلى القرن الثاني عشر الميلادي، وأهم الطرق في تقديمه تحضير أواني الشاي وتحضير الغرف التي تختص بتناوله حيث يقدم وسط أجواء جميلة وخلفية موسيقية هادئة وارتداء أفخم أنواع «الكومنيو» الياباني.
إذا كان الشاي مشروبا عالميا، إلا أن العلاقة الحميمة فيما بين الإنسان وهذا المشروب تنبع من وجدان الإنسان الذي يتوحد في أحيان كثيرة مع كوب خاص جداً من الشاي، ربما يلهمه مزيدا من الافكار، أو يترجم دفأه إلى معان جميلة هربت من واقع قاس على مستوى العالم، فالشاي والإنسان وجهان لعملة واحدة، تبحث عن حميمية مفقودة في ركام عالم يضرب في المادية القاسية.
