بجامعة المعتمد بن عباد الصيفية وفي إطار دورتها السادسة والعشرين التي حملت ثلاثة محاور أساسية، الأول (انحسار دور النخب العربية في حركات التحديث: الأسباب والمعيقات)، والثاني (كيفية استعادة النخب العربية لدورها المؤثر في حركات التحديث)، بينما تمحور الثالث حول (النخب العربية: أية أدوار في ضوء حركات التغيير الجديدة).
يشهد العالم العربي أزمات على مستوى إنتاج نخب جديدة، ومثقفين قادرين على قيادة مجتمعاتهم، والمساهمة في إصلاحها وتنميتها، وأيضاً قادرين على النقد والتأثير، ومن هنا نبعت فكرة ندوة مهمة نظمها منتدى أصيلة تحت عنوان (انحسار دور النخب في حركات التحديث العربية)، تحضيرا لمؤتمر عربي كبير حول النخب العربية، تنوي مؤسسة منتدى أصيله تنظيمه في موسمها الثقافي الدولي المقبل عام 2012 في مدينة أصيلة، تدعو إليه صفوة من المفكرين والمثقفين والكتاب والإعلاميين العرب.
لماذا الانحسار؟
يرى بعض المحللين أن هناك تراجعاً للنخب العربية عن أداء أدوارها التنويرية المؤثرة في مجتمعاتها، باعتبارها ضمير الأمة وصوتها، ومن ثم فقدت جانباً مهماً من رأسمالها الرمزي والمعرفي. ويُرجع محللون هذا الانحسار إلى تدني القيم الثقافية في المجتمعات العربية عموماً، وتعقد علاقة النخب مع الدولة، وهيمنة النزعات الثقافية الاستهلاكية، وتسطيح الوعي السياسي والإعلامي للشباب.
وتزايد الإعطاب التاريخية التي كشف عن القصور في تشخيص الأزمات وفي توفير البدائل والحلول. بالإضافة إلى ذلك، يُرجع مهتمون هذا الانحسار إلى هجرة الكفاءات والنخب العربية إلى الخارج، فضلاً عما يتعرض له أصحاب العقل والرأي والنقد من مضايقة وتخويف ومحاربة، ما عزلهم عن الفعل والتأثير، وفسح المجال أمام بعض النزعات والتيارات المتطرفة، لتتبوأ مواقع القادة والتأثير في مجتمعاتنا العربية.
إنه وضع دفع بالسلطة في بعض الدول العربية إلى توليد نخبها الخاصة، لتساندها بتصوراتها الموجهة وبحلولها المجتزأة ، من ثم قطعها الطريق أمام أجيال جديدة من النخب الراغبة في الإبداع والتأثير والتغيير.من هنا، يتبين أن أغلبية النخب العربية، في خضم هذه الأوضاع والسياقات المتضافرة، تعيش أزمات ضعف حادة، وتشهد انحساراً وتهميشاً بل تقاعساً عن الاضطلاع بدورها.
اعتبر المتدخلون في ندوة حول موضوع (انحسار دور النخب في حركات التحديث العربية) أن أغلب النخب المثقفة لم تساهم بشكل فاعل في دعم ومساندة حركة التحديث التي شهدتها المنطقة العربية خلال الآونة الأخيرة، وذلك بالنظر إلى (تراجع أدوارها التأطيرية والتوجيهية، وفشلها في مواكبة التحولات العميقة التي شهدتها البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للدول العربية)..
ويتفق جميع المتدخلين في هذه الندوة الهامة على أن النخب التقليدية التي تخلت عن الاضطلاع بعدد من أدوارها الأساسية، أفسحت المجال لظهور منظرين وموجهين وقادة رأي جدد ساهموا بقسط وافر في دعم موجة التغيير السياسي التي تشهدها المنطقة العربية، انطلاقا من إدراكهم لمواطن الخلل في المنظومة الديمقراطية ومناصرتهم لطموح التحديث لدى شعوب المنطقة، لاسيما لدى فئة الشباب.
واعتبر هؤلاء المتدخلون، وهم ثلة من المفكرين والأدباء والجامعيين والإعلاميين العرب المرموقين، أن بعض النخب (رضيت منذ زمن طويل بالنهج السياسي الذي تبنته عدد من الأنظمة العربية، بالرغم من اعتلالها وافتقادها لمقومات الديمقراطية والحداثة والحكم الرشيد، مما جعلها تتخلى تدريجيا عن عنصر المصداقية الذي يعد شرطا أساسيا في نجاح واستمرارية النخب).
الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، محمد بن عيسى قال في مداخلته خلال الندوة، إن الأوضاع الراهنة أضحت تقتضي أكثر من أي وقت مضى مساءلة الأدوار المنوطة بالنخب العربية والبحث عن السبل الكفيلة بتحسين أدائها، انطلاقا من المعطيات التي تفيد بانكماشها وانحسار إسهامها المعهود في قيادة المشروع التحديثي والنهضوي العربي.
من جهته، اعتبر رئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة ومستشار عاهل المملكة في الشؤون الديبلوماسية، محمد عبد الغفار أن النخب تتعدد وتتنوع من حيث مهامها وأدوارها في قيادة ركب التنمية والتحديث، مشيرا إلى أن إحدى أبرزها هي النخبة (المعولمة) ذات الإسهام الإيجابي في مسلسل التطوير الذي تشهده الدول العربية.
الكاتب والروائي المصري جمال غيطاني أكد في حديثه عن التغيير السياسي الذي شهدته مصر في خضم ما أضحى يعرف بـ(الربيع العربي)، أن النخبة التقليدية الموالية لنظام الحكم السابق لم تستقرأ جيدا دلالات اللحظة السياسية والاجتماعية التي كانت تمر بها البلاد، موضحا أن الشباب المصري كان في تلك الأثناء يعيش عصر التكنولوجيا الحديثة وثورة مواقع التواصل الاجتماعي التي جعلت من العالم الافتراضي منطلقا لقيادة التغيير على أرض الواقع. الأستاذ الجامعي.
والكاتب مبارك ربيع أكد على أن الأنظمة العربية ظلت ولزمن طويل بعيدة عن التحولات العميقة التي كانت تشهدها أوروبا في سعيها إلى تحقيق التقدم والازدهار على جميع الأصعدة، وبالتالي فإنها لم تحاول الاستعانة بالتجربة الأوروبية في التأسيس لتغيير حقيقي ينبني على أسس ديمقراطية صلبة.
النخب العربية والثورات الجديدة
البعض يرى أن الثورات الشعبية غالباً ما تفضي للفوضى، فالاستبداد باسم الحاجة للاستقرار. والسؤال: هل للنخب الليبرالية العربية قدرة على التأثير في مسار الأحداث؟ هذا ما طرحه الباحث د.السيد ولد أباه ( على الرغم من أن الموضوع بدا نظرياً عاماً، إلا أنه لم يكن بعيداً عن الأوضاع العربية الراهنة التي تطرح على المثقف العربي أسئلة وإشكالات جوهرية. كانت الندوة .
كما هو متوقع محاكمة قاسية للمثقف العربي في علاقته بالسلطة وفي دوره في عملية التغيير الاجتماعي العميق التي يشهدها حالياً عالمنا العربي). يؤكد الباحث على أن الإشكالية الأولى تتعلق بتركيبة النخب التي تغيرت في قاعدتها الاجتماعية وخلفياتها الإيديولوجية وبنيتها المؤسسية. كانت النخب التي قادت ثورات التحرر الوطني وواكبت بناء الدولة الوطنية الحديثة تنتمي لدوائر ثلاث أساسية هي:
الارستقراطية التقليدية من زعامات أهلية ودينية، والبورجوازية التجارية والصناعية التي انبثقت عن ديناميكية الاندماج في الاقتصاد العالمي الحديث، والانتلجنسيا الإيديولوجية التي تشكلت منها التنظيمات العقدية والفكرية الفاعلة في الساحة السياسية.
تحالفت القوى الثلاث في حركات التحرر الوطني، وتجلى تأثيرها الفاعل في التجارب الليبرالية المحدودة التي عرفها العديد من البلدان قبل (ثورات الجيوش) التي دشنت صفحة جديدة في الحياة السياسية العربية نعيش حالياً نهايتها. انهارت الارستقراطية التقليدية.
ولم تبق منها سوى زعامات طائفية وعشائرية داخلة في منطق الدولة التسلطية ومستغرقة في شبكتها الزبونية وتصدعاتها الداخلية، وانتكست البورجوازية المدينية التجارية التي عوضتها الفئات الجديدة من رجال الأعمال الذين أفرزهم "اقتصاد الريع الاستخراجي"(المواد الأولية والنفط) والفساد الإداري، وهم في غالبهم من حاشية النظام القائم ووسطه الأسري الضيق.
أما حول مستقبل الحالة الثورية العربية وقدرة النخب على التحكم فيها، فقد برز خلال الندوة موقفان متعارضان: رأي متفائل بمسار التحول الذي يؤمل أن يقضي إلى إصلاح اختلالات المجتمعات العربية وإلى انتقالها الديمقراطي السلمي، ورأي متشائم يرى أن احتمالات الانتكاس واردة، وأن الثورات الشعبية غالباً ما تفضي للفوضى، فالاستبداد يأتي دائما باسم الحاجة للنظام والأمن والاستقرار.
والسؤال المطروح هو: هل للنخب الليبرالية العربية قدرة فعلية على التأثير في مسار الأحداث، في الوقت الذي تدل المؤشرات على أن الأحزاب ذات الميول الإسلامية أو التشكيلات التي تستند لأرضية طائفية أو عرقية هي المرشحة للاستفادة من الديمقراطية التعددية والانفتاح السياسي؟
وظيفة النخب السياسة العربية
ظلت النخب السياسية العربية بفعل التهميش الذي تعانيه وبحكم الطوق المفروض على أي إصلاح أو تغيير حقيقيين غائبة أو مغيبة عن واقعها وهو ما توضحه الإكراهات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المتفشية داخل مختلف الأقطار العربية.
حظي هذا الموضوع باهتمام كثير من الفلاسفة والمفكرين منذ آلاف السنين؛ فأفلاطون سبق وأن تحدث عن طبقة الحكماء.. كما استعملت كلمة (النخبة) في القرن السابع عشر لوصف سلع ذات تفوق معين، وامتد استعمالها فيما بعد ليشمل الإشارة إلى فئات اجتماعية متفوقة؛ كالوحدات العسكرية الخاصة أو الطبقات العليا من النبلاء.
والنخبة من منظورهمـــا هي مجموعـة ــ قليـــلة من الأشـــخاص الذين توافرت لهم شـــروط موضوعيـة (الثروة والقـدرة..) وأخرى ذاتية (المواهب..) بالشكل الذي يجعلها متميزة عن باقي أفراد المجتمع.
وتتعدد السبل المؤدية إلى النخب السياسية وتتنوع بين الوراثة والقوة والتعيين والتزكية تارة وبين الانتخاب تارة أخرى. وتشير الكثير من الدراسات إلى أن نظرية النخبة جاءت كرد فعل على استحالة تطبيق الديمقراطية باعتبارها (حكم الشعب نفسه بنفسه ولنفسه)، وكبديل لنظرية الطبقات الاجتماعية التي جاءت بها الماركسية.
من خلال المعطيات السابقة، يمكن استخلاص أن النخبة السياسية هي أقلية داخل المجتمع، تتوفر على خصائص وقدرات ذاتية وإمكانيات أخرى موضوعية؛ تمكنها من قيادة المجتمع والتأثير في مساره من خلال قدرتها على صناعة القرارات السياسية..
وهي تحتل بذلك مكانة متميزة داخل المجتمعات باعتبارها القاطرة التي يفترض أن تقود حركة التطور والتنمية، غير أن نجاح هذا الدور الحيوي والهام يظل مرتبطا بمدى قوتها ومصداقيتها وتجددها.
ولذلك؛ فمن الطبيعي أن تتوافر لكل مجتمع من المجتمعات - بغض النظر عن درجة نمائه وتطوره نخب سياسية تحظى بأهمية كبرى على مستوى قيادة التغيير والإصلاح.
ويعد انفتاح النخب وقيامها على أساس الكفاءة والمسؤولية أحد المؤشرات الرئيسة لفعالية هذه الأخيرة، كما أن تجديدها أمر هام وضروري لكونه يسمح بتعزيزها بكفاءات جديدة كل حين؛ ويمنحها نوعا من الحركية.
إن تحقق هذه الشروط التي تمنح النجاعة والفعاليـــة لهذه النخب؛ تظل رهينة في جزء هام منها بطبيعــة الفضــاء السياسي الذي تشتغل فيه, فكلما كان هـــذا الفضاء ديموقراطيــا ومنفتحا؛ إلا وبرزت حركية وحيوية هذا التجدد والعطاء باستمرار وتمكنت من أداء مهامها ووظائفهـــــا المفترضة في جو سليم يسمح بمعانقــــة آلام وآمــال الجماهير وبلورة تصـــورات وقرارات تنسجــــــم وتطلعاتهم وانتظاراتهـــم.
وكلمـــا كان النظــــام السياسي مغلقـــــا وشموليا وسادت الممارسات الاستبدادية إلا وضعــف أداؤهـــا وانحرف مســـارها. فالنخب السياسيــــة الحاكمـــة المستبـدة غالبا ما تفرض مجموعة من الشروط التعجيزيـــة للالتحاق بصفوفها؛ كما أنها لا تقــــر بأهميـــة الممارســـة الديمقراطيـــة إلا عندمـــا تكـــون هذه الأخيرة في صالحها.
إن النخب السياسية العربية الحاكمة منها أو تلك المتموقعة في صفوف المعارضة؛ ينبغي أن تراهن على الجماهير؛ وتستمد منها مشروعيتها وقوتها، كما أن إيمانهـــا بالديمقراطيـــة مبدأ وسلوكا يعد منطلقا لتحقيق تغيير حقيقي في الأقطار العربية.

