ترمي بالقلم في بئر دماغك، فلا تجد قطرة واحدة.. دماغك على شكل أسطواني لا قرار له، تلهث خلف خيط واحد تبحث عن الدار البيضاء، عن كلمة تكون جسر المخاطرة بينك وبين تاريخها الهارب. لكن البيضاء ورقة سوداء.. مدينة بلا نهر. عبثاً تبحث عن حائط الأجداد لتسلمه ظهرك المثخن بالفشل وصفير القاطرات وثاني أوكسيد الإحباط. يتكئ القاهري على هرم من شموخ الموت.. ويتكئ أهل الوادي الخصيب على نهرين من الزمن. وتتكئ أنت على عود ثقاب في هذه المدينة أيها الصديق.
اختزل لي صديقي الراحل مدينته حيث دعاني إلى منزلهم وتعرفت على عائلته الكريمة وفي الصباح فطرنا على (الأشفنج) عجينة مقلية بالزيت تؤكل مع السكر أو العسل ـ حيث كانت غرفته مكتظة برفوف الكتب.
تقبع الدار البيضاء بين حدود لا مرئية من المياه الهائجة والبيوت المتناثرة في فسح غير مرتفعة، تفصلها مسافات مكشوفة تحدث فراغاً في النفس.
كنت أفكر دوماً أن وجوهاً غريبة ستظهر لتحمل هموم المدينة. تداهمني هذه الوجوه، في الشوارع الضيقة؛ وتعاود الظهور من زمان بعيد، كما لو كانت تطلب مني التعرف عليها.
في ساحة محمد الخامس، مهد المدينة الحديثة، ترتفع القبة البديعة، ذات الشكل الكروي الخلاب، يقطعها ممر باطني معشوشب يخترق الساحة من الأسفل ويؤدي إلى كل الاتجاهات. لم يكن يوجد تحت أسوار المدينة العتيقة في بداية القرن، سوى أرض شاسعة تحولت إلى سوق شعبي. وسط هذه الساحة توجد في قلب الدار البيضاء المتاجر الضخمة والبنايات الشامخة والفنادق الفخمة والمطاعم الفاخرة تتناثر بطريقة شبه عشوائية هنا وهناك.
وأنا أبحث وسط متاهة الأبنية عن جدار أتكئ عليه، لأن صديقي الراحل رشيد أطلق هذه اللوثة في رأسي. أتجول في شارع محمد الخامس وأنفذ إلى زنقة الأمير مولاي عبدالله متأملاً الأزقة المجاورة الضاجة بالحركة ليل نهار.
الليل يخيم على عين الذئاب.
كل الناس الذين يتحركون في الشوارع غرباء مثلي. وإذا ما التقوا، ففي ذهن كل واحد منهم آلاف التصورات عن الآخر. لكن كل تصوراتي عنها سرعان ما تلاشت. كان علي أن أستجمع كل البياض في رأسي لأفتت هذه العتمة.
تتناثر المقاهي الليلية على طول شاطئ عين الذئاب. من مقهى (لآلئ البحر) تتناهى إلى الأسماع موسيقى الأمواج الهادئة كخشيش الأوراق الجافة.. ويهيمن علي رنين الأغاني الذي يصدر عن مكبر الصوت الذي يكاد المغني يبتلعه من شدة تقريبه من شفاهه. خرجت من بين هذه الجدران لأتجول على الشاطئ وأتنفس الهواء الطلق.. أودع مزيجاً من آهات الجالسين وأعمدة دخان السجائر... (لآلئ البحر) لوحة تشتعل وتنطفئ باللون الأخضر، تجذبني الضائعين إليها.
الدار البيضاء.. عالم شاسع، يختصره مقهى (لآلئ البحر).. اللآلئ ترقد قريباً من هذا المقهى، تسكن في القيعان العميقة. غبار ذهبي ينطلق من الرمال. يوشك النهار في هذه الساعة الزحف على الأصداف واللآلئ وأعقاب السجائر على شاطئ عين الذئاب.
أتساءل في نفسي:
هل إنني محظوظ أن أعيش اللحظات المبكرة في هذه المدينة؟
تتناهى إلى أسماعي دقات طبول وهدير جوقة تنشد الأغاني البدوية المغربية. آنذاك تداعبني رغبة التسلل بهدوء إلى مصدر الأصوات. وفي كل مرة أرى تلك النساء، يصفقن ويرقصن بشعورهن الطويلة.
لا أعرف لماذا قصدت هذه المدينة، ربما اللون الأبيض تحول إلى ذاكرة.. والذاكرة إلى جولة في أزقة المدينة.
كلما دخلت إلى الدار البيضاء، بأزقتها وشوارعها وبيوتها البعيدة المنعزلة، شعرت بأنها تهرب مني كما تهرب مني ظلالي الشاحبة. فالمدن الكبيرة لا تقاس بالمسافات الشاسعة التي تمتد على طولها وعرضها بقدر ما تحدثه من شحنات تأملية في ذهنك. فهي بقدر ما تشحذ مخيلتك، بإمكانها أن تعطلها. ذلك ربما، لأن المساحات الشاسعة ترفض أن تنطوي تحت لوائي مثل حصان جامح.
يمكن الوصول إلى الدار البيضاء عن طريق البر أو البحر. لا أدري لماذا فكرت بهذين الطريقين وحدهما. المدينة تقدم وجهاً واحداً للمسافر الذي يصل إليها براً بينما تقدم وجوهاً مختلفة للذي يصل إليها عن طريق البحر. الطريق الأول أصبح حقيقة بينما ظل الطريق الثاني حلماً. لا أدري، ربما لأن المدينة التي تأتيها من البحر، تستسلم إلى رغباتك أكثر من المدن الصحراوية.
في البيضاء تختلط المدن. أجزاء من بغداد وأطراف من القاهرة، ومزق من مرسيليا وزوايا من دمشق. ميناء برازيلي ومقاهٍ إسبانية.. وأنت تعود في منتصف الليل يختلط رجع الناي النائح بشبق الفلامنكو وبالرقة النارية لكمان يشق الليل. بغداد، القاهرة، مرسيليا، ريو دي جانيرو، مكسيكو، خطوط سوداء على صفحة الدار البيضاء. اسمها برتغالي:
كازبلانكا.. غزاة استنشقوا رائحة الذهب في غيهب المحيطات ـ تصعد الصرخة: إلدورادو.. إلدورادو.. إلدورادو. وتسمع قرقعة الدروع والسيوف تجرها أجسام ستنثر على طول المحيط الأطلسي مدناً تائهة.. وهذه المدينة، معبر على الجلد الإفريقي الداكن إلى ذهب قبائل الريش والطقوس الكونية.
اسمها الآخر أنفا.. اختلط على البحاثة ذوي الرؤوس الملساء أمره. فمنهم من يعتبره روماني ـ وهكذا يصعد بتاريخ المدينة إلى غزوات أخرى قبل غزوات البرتغال ـ وهناك من يعتبره اسماً أمازيغياً ـ هكذا يسمي بربر المغرب أنفسهم ـ يدق البروفيسور إميل لاوست على طاولة وهمية.
ويقول: أنفا، وهي كلمة أمازيغية، تعني: القمة، المرتفع، الأعالي... لكن البحث التاريخي لم يصل إلى نتيجة حاسمة وهكذا تظل اسماء أنفا، الدار البيضاء، كازبلانكا محفورة في صخرة الالتباس والذاكرة المفقودة.
لم يكف المغرب عن تغذية آلة هوليوود السينمائية. كما تفرم آلة الجزار اللحم فرمت الكاميرات صهيل خيله وهبوب رياحه الجنوبية وقطعت فرسانه الجامحين على شاشات شيكاغو، لوس أنجلس، لندن، وباريس. كانت الصورة الهوليوودية عن المغرب صورة فردوس ساذج يجمع بين دم إفريقيا القريب من التراب والعشق وشطحات الشرق القديم موروكو.. بطولة تايرون بور وروبرت تايلور. شين كونري في دور زعيم قبيلة مغربية يخطف صحافية أميركية. هذا عن المغرب.. أما الدار البيضاء، فلقد حظيت بجوهرة من جواهر أفلام الاستيهام الهوليوودي. كازبلانكا.. بطولة همفري بوغارت وأنغريد بريغمان.
وجه بوغارت المتعب والقاسي وعيون أنغريد بريغمان الخضراء عبر مدينة بيضاء كازبلانكا.. يلعب بوغارت خلال الحرب العالمية الثانية دور مناضل قديم في المقاومة ضد الفاشية، يترك أوروبا وراء ظهره ويتوجه نحو المغرب ليعيش حياة الآخرين. وراءه قصة حب مفجعة.
في عيونه يستمر رجع مأساة حميمة. عبر أقواس وأسواق تشكل في معظم الأحيان جزءاً من الديكور: خدم، كومبارس، جماعات. عبر كل هذا تصعد إلى السطح الصورة الأميركية للدار البيضاء: مدينة تتلخص في مجموعة من المقاهي، ودزينة من الأقواس الأندلسية ونصف دزينة من العيون الفاتنة المحجبة، وديكور بشري، وشخصية مغربية واحدة تشارك في الفيلم هي شخصية الخائن الذي يلعب دوره ممثل رفيع المستوى نسيت اسمه.
يختلط في خيال هواة السينما اليوم اسم الدار البيضاء مع عيون أنغريد برغمان، وهي تجر من جديد همفري بوغارت إلى النضال ضد الفاشية. عند هؤلاء تختلط المدينة البيضاء بسترات بوغارت البيضاء و"بابيونه" الأسود. وهذه المرارة التي تعبر ابتسامته، ألم تكن دائماً كذلك مدينة الزوغان والغيمة العابرة، مدينة على شريط سينمائي محترف؟ عندما استقرت الثورة بكوبا وعض كاسترو على سيجاره وأمسك بعنق الثورة بين أصابعه الكثيفة الشعر، حمل غيفارا أمتعته وغادر..
وكانت المحطة الأولى هي الدار البيضاء.. سكن في حي المعاريف قبل أن يذهب إلى الكونغو. وقبل أن يرجع إلى بوليفيا حيث أغلقت رصاصات مرتزقة نافذة رئتيه المشرعتين على هواء أزرق. هذا ما يستحضر الدار البيضاء في بداية الستينات. ترى من كان غيفارا آنذاك؟
أنفا، الدار البيضاء، كازبلانكا، النطفة.. الجنين، والمولود.. الجدار، الهنود الحمر، همفري بوغارت، تشي غيفارا.. مقاطع من زوغان المدينة.
الدار البيضاء تفوقت على طنجة بمينائها لأنها داخلة في الجسد الإفريقي، إنها لقاء الشرق بالغرب.. إفريقيا بالأطلسي.. مدينة التيه نشأت فجأة.. نوع من البرقع الغريب لهذا القرن الغريب.. واحدة من المدن الرمزية الكبرى.. مدينة فالتة مشدودة على إفريقيا عبر العمق الصحراوي وإلى الغرب الأطلسي وإلى الشرق عبر العروبة والإسلام.
ربما هكذا أشهد على الولادة الرابعة لهذه المدينة كما صورتها مخيلتي.. أحاول فيها عبثاً أن أتكئ على تاريخ أو جدار أو صومعة لكني كلما أتكئ لا أجد سوى ثمانين عاماً.
هذا ما ذكرني به صديقي الراحل رشيد صباغي ذات يوم كنا فيه نحتسي فنجانين من القهوة في مقهى قديم يقع على شارع شارل دي ديغول في (نويي سور سين) التي زحفت عليها الأبنية الحديثة ولم يبق لها أثر.

