لكل شعب على هذه الأرض إرثه الإنساني وحضارته الغنية بالثقافة والتاريخ، وقد تعودنا على أن يخرج علينا من ظهرانية كل شعب من يهتم بجمع التاريخ وتوثيق مساره الحضاري وإرثه الإنساني، فمنهم من يكتب ومنهم من يفضل جمع التراث المادي الذي يحتوي بين طياته على الكثير من الرموز والأدوات التي دأب أجدادنا وآباؤنا على استخدامها في حياتهم اليومية.
اهتمت الكثير من حكومات العالم بالتاريخ وبالتراث المحلي وحاولت جاهدة جمعه بين جدران المتاحف التي ما أن تلجها حتى تستشعر عبق الماضي ورائحة الأجداد بكل تفاصيلها، وتشعر بأنهم ما يزالوا يعيشون بيننا، وتنوعت هذه المتاحف ما بين صغيرة وكبيرة ليس في حجمها فقط وإنما في محتواها أيضاً، فمثلاً نجد أن عديد الدول اهتمت بتخصيص المتاحف فأصبح لدينا متاحف تاريخية وأخرى علمية وتكنولوجية وحتى للسيارات أصبح لها متاحف خاصة.
أن الاهتمام بالمتاحف قد يختلف من دولة إلى الأخرى، بحسب طول تاريخها وعمق جذورها وحتى مدى تأثيرها في التاريخ الإنساني، والإمارات واحدة من الدول التي اهتمت بجمع التراث الإنساني بكل أشكاله، فإلى جانب ما أنشأته الحكومة من متاحف توثق لرحلة الماضي في هذه الأرض، أنشأ المواطن الإماراتي متاحف خاصة أو شخصية يوثق فيها لحياة الماضي ويجمع فيها رموز أجداده، ويحاول عبر هذه المتاحف أن ينقل هذا الإرث إلى أبنائه وأحفاده وكأن لسان حاله يقول لهم إن لكم على هذه الأرض ما تعيشون لأجله، وأن جذوركم ضاربة في عمقها فلا تستهينوا بتاريخكم.
جمع التراث
العديد من مواطني الدولة خاصة أولئك الذين يجمعون تراثهم الإنساني يربطون خطواتهم هذه بتعزيز الهوية الوطنية وتعميقها في نفوس الأبناء من خلال إطلاعهم على تاريخ الماضي، ولذلك تجد أن العديد منهم يهتم بتخصيص زاوية أو غرفة في بيته ليضع فيها ما يجمعه من أدوات وتاريخ قديم يحكي قصة الأجداد في هذه الأرض.
وهناك من لا يقتصر على غرفة وانما يقوم ببناء عدد من الغرف يطلق عليها اسم «قرية» ولا يقتصر فيها على الأدوات والفخاريات القديمة وانما يعمل على توسيعها بإضافة الكتب التاريخية المتخصصة.
تبدو ظاهرة المتاحف الشخصية جلية في مناطق رأس الخيمة والفجيرة، وقد تستغرب عند زيارتك لإحداها كم الأدوات التي تضمها هذه المتاحف لتستشعر مدى حب أصحابها لجمع التاريخ وتوثيقه خاصة فيما يتعلق بالإمارات، ولا تستغرب في حالة سؤالهم عن سبب اهتمامهم أن تأتيك الإجابة موحدة رغم عدم معرفتهم ببعضهم البعض بأنه تمسك بالهوية الوطنية وحفاظ عليها.
ولنتعرف على طبيعة المتاحف الشخصية زرنا قرية زايد للتراث التي تقع في منطقة غليلة شمال رأس الخيمة، والتي تشم فيها رائحة الماضي وتسمع بين جدرانها همهمة الأجداد وأغنياتهم، ووقع خطواتهم التي ما زالت تُعلم على الأرض.
إرث الأجداد
قرية زايد للتراث التي أسسها العميد الركن المتقاعد سعيد علي لحه لا تبتعد في موقعها كثيراً عن إرث الأجداد الذين سكنوا الجبل وحرثوا البحر وافترشوا التراب الذهبي، فقد جاورت الجبل، حيث كانت تدق الفؤوس الأرض تمهيداً لزراعتها، ولتطل منه على البحر، حيث يصدح النهام بأغنيته المشهور «يا مال». ولا يوجد شيء بقرب القرية سوى مدفن غليلة الأثري الذي يعود بتاريخه إلى أكثر من 4000 عام، بحسب البعثة الألمانية التي قامت بتحليل رفات الراقدين فيه.
في رحلتنا إلى قرية زايد للتراث التي تبعد عن رأس الخيمة نحو 30 كم، رافقتنا سلسلة الجبال التي تفصل رأس الخيمة عن عمان، ولم يكن في المنطقة سوى بعض البيوت المتناثرة التي يلفها الهدوء التام.وما أن وصلنا حتى استقبلنا باني ومؤسس القرية العميد الركن المتقاعد سعيد علي لحه، الذي شدني كثيراً عندما قال لي: «التراث هو هوية الإنسان.
وهو الذي يشكل ذاته وكيانه، والانفصال عنه إنما هو تدمير للذات والهوية»، وعلى هذا الأساس شيد قريته التراثية التي حملت اسم باني الدولة المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه.
فكرة المجلس
لم تأت فكرة القرية بحسب لحه من فراغ، فقد بدأها من مجلس صغير كان يجتمع فيه مع أبنائه وأصدقائه لتجاذب أطراف الحديث، حينها تلقى اقتراحات عدة لتوسيع المجلس بحيث يضم عدداً أكبر من الزوار، وخطوة لحه الأولى في رحلة بناء القرية كانت في عام 2004.
وبعد الانتهاء من تشييدها بعد عام قام صاحب السمو الشيخ سعود بن صقر القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم رأس الخيمة بافتتاحها رسمياً.تضم قرية زايد للتراث بداخلها أقساماً عدة توثق لماضي الإمارات، فهي تبدأ بقاعة سمو الشيخ محمد بن زايد، التي تضم بداخلها أكثر من 120 قطعة سلاح بدءاً من السهم والسيف ومروراً ببندقية الفتيله التي تعود إلى العام 1503، وبندقية أبو حبه المصنوعة في 1901، وبندقيه أم خمس في 1940، وانتهاءً بالبندقية الحديثة.
مخطوطات نادرة
بينما تضم قاعة الشيخ صقر، مكتبة ضخمة فيها نحو 10000 عنوان توزعت بين موضوعات وعناوين مختلفة في التاريخ والأدب والدين والطب والهندسة وعلم الاجتماع واللغات والاقتصاد وغيرها، كما تضم أيضاً صوراً قديمة لأبناء المناطق الساحلية والجبلية، ومخطوطات قديمة تعود إلى 1895، وتوثق للمراسلات القديمة بين حكام الإمارات والحكومة البريطانية، وفيما بينهم أنفسهم، وهي تستقبل عادة الباحثين وطلبة العلم، وتنظم فيها الندوات، حيث تتسع لنحو 150 شخصاً.
وهناك قاعة الشيخ سعود بن صقر، وهذه مخصصة للتحف والفضيات والأواني التقليدية التي كان يستخدمها أهل الساحل والجبل.والمتجول في القرية سيلاحظ نماذج عدة من البيوت التي سكنها أهل الإمارات قديماً، مثل بيت «العريش» الذي كان أهل الساحل يشيدونه من سعف النخيل ويفتح من الأسفل للتهوية، وكان يستخدم في الصيف، حيث يرحل الأهل إليه هرباً من قيظ الصحراء.
بيوت للساحل والجبل
وهناك نموذج آخر لبيت «السبله» الذي كان يبنى من جريد النخيل ويفتح من جانب واحد، ودأب أهل الساحل والريف على استخدامه كمجلس لاستقبال ضيوفهم.
وكذلك نموذج «الخيمة» التي كان أهل الساحل يستخدمونها في فصل الشتاء، حيث كانوا يشيدونها من سعف النخيل ويقومون بإغلاقها من جميع الجهات عدا جهة واحدة يكون فيها المدخل الرئيسي.
بالمقابل تنتقل القرية بنا إلى نموذج آخر من البيوت التي كان أهل الجبل يستخدمونها في الماضي، مثل بيوت «الصفة أو العقة» التي كانت تبنى من الحجارة وتتميز بكثرة فتحاتها، حيث كان أهل الجبل يستخدمونها كمجلس لاستقبال الضيوف، وكمصيف في الوقت ذاته.
وبيت «القفل»، وهو عبارة عن غرفة تحفر في الأرض أو كهف جبل، وتوصد من كل الجهات ويصمم لها باب كبير وقوي وعادة ما كان يصنع من خشب السدر، ويتميز هذا الباب بطريقة إغلاقه حيث لا يمكن لأحد فتحه سوى صاحب البيت. كما تطالعك أيضاً غرفة الدهريز التي تتميز بكثرة شبابيكها، وكان يستخدمها أصحاب الدخول الجيدة من أهل الساحل في فصل الصيف.
وبعيداً عن أنواع البيوت التي شيدت في الإمارات قديماً، تضم القرية نموذجاً «للوعب» التي تعني «الأرض المتدرجة»، حيث كان يقوم أهل الجبل قديماً بتمهيد الأرض وتنظيفها مع اقتراب حلول الشتاء تمهيداً لزراعتها بالقمح أو الشعير.
تعريف الأجيال
ويوضح لحه أن هدفه من بناء القرية لم يكن مادياً، إنما هو تعريف للأجيال القادمة بالحياة الماضية، والتغيرات التي حدثت فيها، وأنواع المنازل التي استخدمها الأجداد في الماضي ومحتوياتها من الأثاث والأدوات سواء لأهل الساحل أو الجبل، وإلى جانب ذلك تعريفهم بشخصية الشيخ زايد آل نهيان، رحمه الله، الذي استطاع بحنكته أن يغير الخريطة السياسية والاجتماعية والاقتصادية لهذه المنطقة عبر تأسيسه للاتحاد بالتعاون مع إخوانه حكام الإمارات، بعد أن كانت الدولة عبارة عن إمارات صغيرة ومفككة.
تلبية النداء
محمد بن يعقوب المطوع أحد مواطني رأس الخيمة الذين اهتموا بالتاريخ وعملوا على بناء متاحف شخصية، والسبب بحسب ما قاله محمد ان المغفور له بإذن الله الشيخ زايد آل نهيان، طيب الله ثراه، وجه في أحد لقاءاته النداء لجمع التراث وحفظه، وهو ما شجعه على البدء بجمع القطع الأثرية.
وكان المطوع قد بدأ بذلك منذ العام 1985 واستطاع ان يجمع مجموعة كبيرة القطع بجهود شخصية، ويشير المطوع إلى انه قام بعد ذلك ببناء غرفة خاصة لتضم كل القطع التي جمعها خلال الفترة الماضية، والتي خولته للمشاركة في 13 معرضاً على مستوى رأس الخيمة.ويوضح المطوع أنه حاول جمع كل ما كان الأجداد والآباء سواء في الإمارات أو منطقة الخليج يستخدمونه في حياتهم اليومية، ولتسهيل الأمر على زائر متحف المطوع فقد قام بتقسيمه لأقسام عدة مثل قسم الفخار.
وقسم السعف الذي ضم كل الأشياء التي كانت تصنع من النخلة قديماً، وقسم المطبخ الذي ضم الأدوات المنزلية، وقسم الأسلحة، وقسم الألعاب الشعبية، وقسم البحر وخصص قسماً للوثائق والصور القديمة وأعداداً من الصحف والطوابع القديمة والعملات التي تعود إلى فترة ما قبل الاتحاد. ورغم حبه للتراث إلا أن المطوع لا يحاول تكرار القطع الموجودة لديه، وإنما يختار قطعه بعناية، وهدفه هو تعريف الأجيال القادمة على طبيعة التراث والتاريخ المحلي.
تنفيذ هواية
فكرة إبراهيم السكب وهو الآخر من مواطني رأس الخيمة اختلفت عن الآخرين، فقد فضل أن يبتعد عن القطع الأثرية، وأن يركز في تجسيد الحياة القديمة عبر نماذج حسيه. وعن ذلك يقول: «بدأت أعمل في هذا المجال منذ 7 سنوات تقريباً، وما أقوم به انما هو هواية تعلمتها بنفسي.
وحاولت ان استخدم أشياء كثيرة في بناء المجسمات مثل الجبس والخشب والطين والمعجون وغيرها».منذ بدايته في هذا المجال سعى إبراهيم السكب إلى صنع مجسمات كبيرة تبين كيفية الحياة القديمة في الإمارات وتحديداً في مدينة رأس الخيمة. وحاول أن يعبر عن ذلك من خلال لوحات تراثية رائعة، وما أن تزور متحف السكب حتى تفاجأ بتجسيده لسوق رأس الخيمة القديم.
وكذلك مجسم عن حياة السكان أثناء انتقالهم إلى مناطق النخيل، كما عمل على تجسيد تفاصيل الحياة اليومية العامة في المدينة مثل الأعراس والسيارات القديمة وطرق الطبخ وغيرها. كما عمل على تجسيد القلاع والحصون القديمة ليس على مستوى رأس الخيمة فقط وإنما في الدولة عموماً مثل حصن الفهيدي وحصن أم القيوين والفجيرة، كما عمل على تجسيد جزيرة طنه.
ويوضح السكب أن هدفه من ذلك ليس مجرد العرض وإنما تعليم الأجيال القادمة طبيعة الحياة القديمة، معتبراً أن تجسيدها على شكل مجسمات يساهم في توضيح الفكرة ويعمل على توصيل الرسالة بشكل أسرع، ويساهم في ربط الأجيال القادمة بالهوية الوطنية.



