النخلة شجرة تغنى بها الشعراء منذ القدم، كما اعتمدت الحضارات القديمة كالفرعونية في مصر، والبابلية في العراق على النخل وكان رمزا للآلهة عشتار. وقبل أن تصبح النخلة رمزا أو مصدرا للإلهام، وجدت بالأساس كنبتة متعددة الفوائدة، بثمرها وسعفها، بطريقة مدهشة أحيانا.
يعود وجود النخيل إلى نحو 80 مليون عام، أي إلى العصر الطباشيري، ويبدو أن هذه النبتة وما تتحلى به من مواصفات جعلها تنفصل عن عائلة النباتات المزهرة، وكانت قادرة على التأقلم مع المتغيرات الطبيعية الصعبة، وبالتالي الانتشار قبل نحو ملايين السنين إلا أن استخدام النبتة للأكل، بدأ في الشرق الأوسط، تحديدا في الخليج العربي قبل 5000 سنة. وبقيت دول الخليج إلى اليوم على علاقة وطيدة بالنخل، قادتهم إلى تقاليد معينة، تتطور في بعض الأحيان من خلال مهرجانات تكون فيها النخلة هي سيدة المشهد، مثل مهرجان ليوا للرطب والذي يقام سنويا بالمنطقة الغربية في أبوظبي.
قيمة متنوعة
النخيل نوع نباتي شجري ينتمي إلى الفصيلة "الفوفلية" النخلية سابقا، موطنه العراق وشبه الجزيرة العربية، والبحرين والمغرب العربي، والنخلة شجرة معمرة لها ساق غليظة يبلغ ارتفاعها نوع 30 مترا، وتتوجها أوراق ريشية كبيرة "السعف" تؤكل ثمرة النخل على شكل رطب، وتؤكل الأصناف الأخرى على شكل تمر، أو بعد أن تجف، كما تؤكل على شكل بلح، والبلح بالعموم طريا أو نصف جاف، أو جاف ويابسا، ويعتبر البلح ذو قيمة غذائية عالية ويمكن اعتباره غذاء كاملا حيث يحتوي على السكريات والبروتين أو الأملاح مثل البوتاسيوم وفيتامينات، وهو غذاء يمكن تخزينه بسهولة.
ينتج النخيل ثماره في منتصف الصيف، وبعض أنواع النخيل قد يقدم في نضج ثماره أو قد يؤخر ويرتبط ذلك بصنف النخلة ومكان تواجدها. ويتراوح طول البلحة من 2,5 إلى 7,5 سم وهي أسطوانية الشكل، ويبلغ إنتاج النخلة الواحدة حوالي 100 كغ إلى 400 كغ في بعض الأنواع.
النخيل في الثقافة المحلية
تحول النخيل إلى ممارسات نجدها في واقع البيئة المحلية في الإمارات، وبعيدا عن فوائد وأهمية ثماره، نجده مادة أساسية في بناء البيوت التقليدية، والتي انتشرت في منطقة ليوا وعرفت بالعريش، ويضم هكذا بيت مجموعة متنوّعة من الصناديق الخاصة بحفظ الأدوات والملابس والثمار وأدوات لصيد الحيوانات، ومصنوعات من أجزاء النخيل.
كما يبدو مألوفا مشهد السيدات في أماكن كثيرة من أنحاء الإمارات، وهن جالسات يحاولن بمهارة سعف النخيل إلى سلال وأوعية لنقل الفواكه والخضروات، وقطع أخرى لاستخدامات مختلفة. ولهذا يكرس مهرجان ليوا للرطب، الذي تنظمه هيئة أبوظبي للثقافة والتراث بشكل سنوي، لإبراز هذه المنتجات في السوق الشعبي، إلى جانب المسابقة التي يطرحها حول أنواع الرطب المختلفة.
ولا يكتفي القائمون في المعرض على عرض تلك المنتجات، بل يتم شرح كيفية استعمالها، والفوائد الكبيرة التي تعود بها، بشكل يعبر عن العادات والتقاليد الإماراتية، ويكشف عن الملامح التي ميزت البيئة المحلية القديمة، وأبرز تفاصيلها، مما يمنح الجمهور الزائر لهذا السوق بمعرفة تقاليد التعامل مع النخيل، في مراحل كثيرة من التاريخ الإماراتي.
أنواع الرطب الإماراتي
أنواع الرطب كثيرة في دولة الإمارات، ولكل منها تسمية محلية، ويتميز كل نوع منها بصفات معينة، منها "الحمري" وهو قليل وتنتشر زراعته في كافة إمارات أبوظبي، خاصة في المنطقة الغربية في أبوظبي، وينضج عادة وسط الموسم، لون ثمرته فاتح وشكلها بيضاوي متوسط والقمع أصفر، ونهايته برتقالي، ولون الرطب بني، أما التمر فلونه أسود.
و"الزبد" وهو قليل ويتركز في إمارتي أبوظبي ودبي، وموعد نضجه متوسط إلى متأخر لون الثمرة أشهل أو أصفر محمر، وشكل الثمرة بيضاوي متطاول، والندبة أثرية، والقمع كبير داخل حوض وقمعه بمستوى الثمرة، ومفصص. و"حياني" وهو نادر جدا يوجد في بعض المزارع في إمارات أبوظبي ودبي والشارقة، وموعد نضجه وسط الموسم، لون الثمرة أحمر قاني وشكلها بيضاوي مقلوب مستطيل، ولون الرطب بني غامق إلى أسود، ومذاق التمرة حلوة، و"خشكار" متوسط الانتشار ويوجد في كافة إمارات الدولة خاصة في أبوظبي والفجيرة والشارقة.
وموعد النضج وسط الموسم، شكل الثمرة بيضاوي ومذاق التمرة حلو ولون الرطب والتمر بني غامق. أما "حاتمي" فانتشاره متوسط، ويتركز في كافة إمارات الدولة، وموعد النضج وسط الموسم، وشكله بيضاوي مقلوب وقصير مع خطوط طويلة على الثمرة في مرحلة الرطب والتمر.
بينما "دباس" الواسع الانتشار، فهو يصنف على أنه تجاري. بعكس "دجلة نور" الذي يعتبر نادرا ويوجد فقط في بعض مزارع إمارات الدولة، وموعد النضج متوسط إلى متأخر، ولون ثمره أشهل فاتح وعلى جوانبه برتقالي، مذاق الثمرة في مرحلة النضج قليل الحلاوة مع وضوح الطعم القابض، ومن الأصناف القليلة أيضا شبيبي الذي يتركز في إماراتي أبوظبي ودبي وموعد نضحه وسط الموسوم، ولون الثمرة أصفر مخضر، وشكل الثمرة بيضاوي مقلوب قريب من الأسطواني، لون الرطب بني فاتح والتمر بني معدل ووزن الثمرة كبير والبذرة كبيرة جدا.
و"شبروت" النادر جدا ويوجد في بعض مزارع أبوظبي والعين، موعد النضج وسط الموسم لون الثمرة أحمر برتقالي، وشكلها أسطواني والقمع عريض، لون الرطب بني فاتح والتمر بني غامق. وهناك أنواع كثيرة أخرى مثل أبوالرمول، أبو معان، أم الرحيم، بقلة دحالة، وغيرها. وفي مهرجان ليوا للرطب في كل عام تتم المنافسة على أنواع مختلفة من الرطب، تؤهل الفائز للحصول على جوائز مادية قيمة.
إبداع من النخيل
تقف النخلة شامخة، لتضيء مناطق كثيرة من إبداع الشعراء العابرون في الزمن، فمن زمن الجاهلية أطلقت النخلة مخيلة الشعراء، وما زالت كذلك بالنسبة لشعراء العصر الراهن، إذ تبقى هي النخلة، وتتبدل الأفكار الموحية، التي تبتعد بنا إلى تلك المكانة المرموقة التي تمتعت بها عند العرب الأقدمين، حتى أن قبيلة عربية اسمها جهينة عاشت قبل ظهور الإسلام عملت من التمر هيكلا اتخذته إلها وعبدته، ولعل استخدام هيكل الآلهة من التمر رمز للوفرة والخصوبة، وقد ورد أنه حينما حل القحط وانتشرت بينهم المجاعة، اضطرت هذه القبيلة أن تجعل إلهها طعاما فقال فيهم الشاعر:
أكلت جهينة ربها زمن التقحم والمجاعة
كما وردت الكثير من أقوال العرب عن التمر وصفاته ونفعه، والحث على تناوله، ومن ذلك ما ورد في أحد الكتب القديمة عن أبي عمر بن العلاء قال الحجاج لجلسائه ليكتب كل رجل في رقعة، أحب الطعام إليه ويجعلها تحت مصلاي، فإذا الرقاع كلها الزبد والتمر.
وذكر أن الإمام علي بن أبي طالب كان معتادا أن يقضي بعض أوقاته في دكان أحد بائعي التمر المسمى "ميتم التمار" في الكوفة لأجل أن يمتع نظره بمنظر التمور في دكان البائع. وقال الأصمعي قال إعرابي يفضل الرطب على العسل (أتجعل عسله في أخناد البقر كعسله في جوف السماء لها محارس من زبرجد وذوائب من زمرد".
وقال الأصمعي قال إعرابي:
"تمرنا جرد فطس يغيب فيه الضرس كأن نواه ألسن الطير، تضع التمر في فيك فتجد حلاوتها في كعبيك".


